الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله

جزء التالي صفحة
السابق

اعتذار الأعراب

قال تعالى:

وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون

* * *

كان الكلام في المنافقين الذين نبتت نابتتهم في المدينة عندما انتصر المؤمنون في غزوة بدر الكبرى، وصارت لهم القوة والسلطان فيها، واستقر الأمر فيها [ ص: 3407 ] للتوحيد، والإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وحيث كانت القوة العادلة، اختفت العداوة الظاهرة، واستمرت عداوة النفوس مستكنة فيها فيكون النفاق الذي يكل القلوب، ويملؤها حقدا، ورغبة دانية في الكيد.

ولما صارت القوة للإسلام في الجزيرة العربية، وصارت الكلمة العليا لله ولرسوله، وجد سبب النفاق في داخل الجزيرة وحول المدينة كما قال سبحانه: وممن حولكم من الأعراب منافقون

وعندما يكون النفير العام، أو الخاص يظهر من الأعراب اعتذارات بعضها صادق، وبعضها كاذب، ويقعد بعضهم عن الجهاد كفرا ونفاقا، ولذا قال تعالى: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم

في الآية قراءتان إحداهما بتشديد الذال مع كسرها، والثانية بتخفيفها مع كسرها أيضا ، فقراءة التعذير في الأولى، يكون معناها التقصير وعدم الاهتمام، من قولهم عذر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى، وذلك مقصور في الأعراب الذين هم أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله تعالى، ولا فرق عندهم بين دعوة إلى الجهاد في سبيله، ودعوة إلى عادات كانت تجري بينهم للمنازعة على الكلأ، أو مواطن الماء، أو للعصبية الجاهلية.

ويصح أن يكون المعذرون هم المعتذرون، ويكون في الكلام إعلالا صرفيا، فأصل " المعذرون " المعتذرون من اعتذر، فقلبت التاء ذالا، وأدغمت الذال، ونقلت حركة التاء إلى العين، ويكون المعنى جاء المعتذرون الذين شددوا في اعتذارهم; لأن الادعاء ينبئ عن شدة الاعتذار، وإن معنى ذلك أنهم يعتذرون بأعذار مقبولة، ويدل على ذلك المقابلة، وقوله تعالى بعد ذلك: وقعد الذين كذبوا الله ورسوله [ ص: 3408 ] فإن المقابلة تقتضي التغاير بين القاعدين الذين لم يصدقوا الله ورسوله وكذبوا، وبين المعذرين، ولكن المقابلة لا تكون إلا إذا كان اعتذار الأولين حقا وصدقا.

وقراءة " المعذرون " بالتخفيف من الإعذار، وهو إبداء العذر الذي يكون مظنة القبول.

وإننا نجد أن الآية من قراءاتها المختلفة تفيد إبداء العذر، وإن المقابلة بين القاعدين الذين كذبوا الله ورسوله والمعتذرين تفيد أن العذر مقبول اقتضى الأمر لهم.

وقد جاء بذلك التفسير المأثور، فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في المعذرين: هم الذين تخلفوا لعذر فأذن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وروي عنه غير ذلك، والله أعلم، وقيل: إنها نزلت في عامر بن الطفيل ورهطه، فإن رهطه قالوا عندما دعاهم - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو قالوا: لو غزونا معك أغارت أعرابطيئ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فعذرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقوله تعالى: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم يفيد أولا أن الذين جاءوا هم المعذرون ولم يذكر الذين جاءوا مجاهدين; لأن منهم من جاء مجاهدا، وخصوصا أولئك الذين كانوا مع الرومان في مؤتة، وتخلفوا عنهم في تبوك وخذلوهم، ولكن ذكر المعتذرين فقط; لأن الكلام في المستأذنين في التخلف بأعذار غير صادقة وهم المنافقون، فناسب ذلك ذكر المعتذرين من الأعراب.

وتفيد ثانيا أنهم جاءوا للاعتذار وليؤذن لهم، ولو كانوا يعتذرون كذبا ما جاءوا بل قعدوا كما قعد غيرهم، وقال تعالى:

وقعد الذين كذبوا الله ورسوله أي: قعد وتوانى الذين كذبوا الله ورسوله، وكذبوا بالتخفيف تتضمن معنى التكذيب لله ولرسوله، ولآياته البينات، ومعنى [ ص: 3409 ] الكذب على الله ورسوله والناس بإظهارهم الإسلام، وإبطانهم الكفر، وإظهار أعذار غير صادقة.

وبين الله تعالى عاقبتهم فقال تعالى: سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم وهنا إظهار في موضع الإضمار; لأن المؤدى أنه سيصيب هؤلاء القاعدين الذين كذبوا الله ورسوله عذاب أليم، وكان الإظهار لأمرين: أولهما - بيان أن منهم كافرين، وبسبب الكفر سينالهم عذاب أليم، وثانيهما - أن منهم من لا يصرون على الكفر فيتوبون، فهذا العقاب للذين يصرون ولا يتوبون.

و: (السين) في قوله تعالى: سيصيب الذين كفروا منهم لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث