الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة المعنى الذي أفادت هذه اللام قوله للفقراء

المسألة الرابعة : قوله تعالى { للفقراء } : واختلف العلماء في المعنى الذي أفادت هذه اللام [ فقيل ] لام الأجل ; كقولك : هذا السرج للدابة ، والباب للدار ; وبه قال مالك وأبو حنيفة .

ومنهم من قال : إن هذه لام التمليك ; كقولك : هذا المال لزيد ; وبه قال الشافعي .

واتفقوا على أنه لا يعطى جميعها للعاملين عليها .

واعتمد أصحاب الشافعي على أن [ ص: 522 ] الله أضاف الصدقة فاللام التمليك إلى مستحق حتى يصح منه الملك على وجه التشريك ; فكان ذلك بيانا للمستحقين .

وهذا كما لو أوصى لأصناف معينين ، أو لقوم معينين .

وتعلق علماؤنا بقوله تعالى : { إن تبدوا الصدقات } .

والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم } .

وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة .

وحقق علماؤنا المعنى ، فقالوا : إن المستحق هو الله تعالى ، ولكنه أحال بحقه لمن ضمن لهم رزقهم بقوله : { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ; فكان كما لو قال زيد لعمرو : إن لي حقا على خالد يماثل حقك يا عمرو أو يخالفه ، فخذه منه مكان حقك فإنه يكون بيانا لمصرف حق المستحق لا للمستحق ، والصنف الواحد في جهة المصرف والمحلية كالأصناف الثمانية .

فإن قيل : هذا يبطل بالكافر فإنه مضمون له الرزق بذلك الوعد الحق ، ثم ليس بمصرف للزكاة .

قلنا : كذلك كنا نقول : إنه تصرف الزكاة إلى الذمي ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خصص هذا العموم بقوله : { أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم } ; فخصصناه بما خصصه به صاحب الشريعة ، المبين للناس ما نزل إليهم ; وما فهم المقصود أحد فهم الطبري ; فإنه قال : الصدقة لسد خلة المسلمين ، ولسد خلة الإسلام ; وذلك من مفهوم مأخذ القرآن في بيان الأصناف وتعديدهم .

والذي جعلناه فصلا بيننا وبينهم أن الأمة اتفقت على أنه لو أعطي كل صنف حظه لم يجب تعميمه ، فكذلك تعميم الأصناف مثله .

فإن قيل : فقد روى زياد بن الحارث الصدائي : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته ، فأتاه رجل فقال : أعطني من الصدقة .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الله لم يرض بحكم [ ص: 523 ] نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها ، فجزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك حقك } .

وقد قال النخعي : إن كان المال كثيرا قسمه على الأصناف ، وإلا وضعه في صنف .

وقال أبو ثور : إن أخرجه صاحبه جاز له أن يضعه في قسم ، وإن قسمه الإمام استوعب الأصناف ; وذلك فيما قالوا : إنه إن كان كثيرا فليعمهم ، وإن كان قليلا كان قسمه ضررا عليهم .

وكذلك إن قسمه صاحبه لم يقدر على النظر في جميع الأصناف ، فأما الإمام فحق كل واحد من الخلق متعلق به من بيت المال وغيره ، فيبحث عن الناس ويمكنه تحصيلهم ، والنظر في أمرهم .

والذي صار إليه مالك من أنه يجتهد الإمام ويتحرى موضع الحجة هو الأقوى .

وتحصيل المسألة : أن المتحصل من أصناف الآية ثلاثة أصناف : وهم الفقراء ، والعاملون عليها ، وفي سبيل الله .

وسائر الأصناف داخلة فيما ذكرناه منها .

فأما العاملون ، والمؤلفة قلوبهم فيأتي بيان حالهم إن شاء الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث