الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين

ولما حقق استهزاءهم، أنتج قوله: لا تعتذروا أي: لا تبالغوا في إثبات العذر، وهو ما ينفي الملام، فإن ذلك لا يغنيكم وإن اجتهدتم لأن القطع حاصل بأنكم قد كفرتم أي: بقولكم هذا، ودل - على أن كفرهم أحبط ما كان لهم من عمل - بنزع الخافض تشديدا على من نكث منهم تخويفا له وتحقيقا بحال من أصر فقال: بعد إيمانكم أي: الذي ادعيتموه بألسنتكم صدقا من بعضكم ونفاقا من غيره.

ولما كان الحال مقتضيا لبيان ما صاروا إليه بعد إكفارهم من توبتهم أو إصرارهم، بين أنهم قسمان: أحدهما مطبوع على قلبه ومقضي توبته وحبه، وهذا الأشرف هو المراد بقوله: بانيا للمفعول إعلاما بأن المقصود الأعظم هو الفعل، لا بالنظر إلى فاعل معين: إن نعف لأن كلام الملك وإن جرى في مضمار الشرط فهو مرشد إلى تحققه [ ص: 518 ] ليحصل الفرق بين كلام الأعلى والأدنى عن طائفة منكم أي: لصلاحيتها للتوبة نعذب طائفة أي: قوم ذوو عدد فيهم أهلية الاستدارة، وقرأ عاصم ببناء الفعلين للفاعل على العظمة بأنهم أي: بسبب أنهم كانوا مجرمين أي: كسبهم للذنوب القاطعة عن الخير صفة لهم ثابتة لا تنفك، فهم غير متأهلين للعفو، وشرح هذه القصة أنه كان يسير بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثلاثة نفر من المنافقين: اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك، قيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم، ما أبعده من ذلك! وقيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين في المدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: احبسوا الركب علي، فدعاهم وقال لهم: قلتم كذا وكذا؟ فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب أي: كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب، قال ابن إسحاق : والذي عفي عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي، يقال: هو الذي كان يضحك، ولا يخوض وكان يمشي مجانبا لهم وينكر بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب.

قال: اللهم! لا أزال أسمع آية تقرأ، تقشعر منها [ ص: 519 ] الجلود، وتجب منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك! لا يقول أحد: أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره رضي الله عنه. ولعل إطلاق الطائفة عليه تعظيما له وسترا عليه وتبشيرا بتوبة غيره، ولعل مخشيا كان مؤمنا ولكن كان إيمانه مزلزلا فلذا عبر هنا بقوله: أكفرتم بعد إيمانكم والتعبير بذلك أشنع في الذم ولا سيما عند العرب لأنهم يتمادحون بالثبات على أي أمر اختاروه ويتذامون بالطيش، ولعل الجلاس المعني بالقصة الآتية وحده أو مع غيره لم يكن آمن كغيره ممن عني بها، وما آمن إلا حين تاب، فلذا عبر هناك بقوله: وكفروا بعد إسلامهم قال أبو حيان : قال ابن عمر : "رأيت وديعة بن ثابت متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكته وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أبالله وآياته" . الآية.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث