الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الصدقة إلى آل محمد

[ ص: 539 ] المسألة السابعة والعشرون : لا تصرف الصدقة إلى آل محمد ; لقوله صلى الله عليه وسلم : { إن الصدقة لا تحل لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس } .

والمسألة مشكلة جدا ، وقد أفضنا فيها في شرح الحديث ما شاء الله أن نفيض فيه .

وبالجملة إن الصدقة محرمة على محمد صلى الله عليه وسلم بإجماع أمته ، وهي محرمة على بني هاشم في قول أكثر أهل العلم .

وقال الشافعي : بنو المطلب وبنو هاشم واحد ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { إن بني هاشم وبني المطلب لم يفترقوا في جاهلية ولا في إسلام } .

قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم الخمس عوضا عن الصدقة ولم يعطه أحدا من قبائل قريش .

وقال محمد بن المواز : آل محمد عشيرته الأقربون : بنو عبد المطلب ، وآل هاشم ، وآل عبد مناف ، وآل قصي ، وآل غالب ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت : { وأنذر عشيرتك الأقربين } نادى بأعلى صوته : { يا آل قصي ، يا آل غالب ، يا آل عبد مناف ، يا فاطمة بنت محمد ، يا صفية عمة رسول الله ، اعملوا لما عند الله ; فإني لست أملك لكم من الله شيئا } .

فبين بمناداته عشيرته الأقربين .

وقال ابن عباس وقد سئل عنها : نحن هم . يعني آل محمد خاصة ، وأبى ذلك علينا قومنا .

فأما مواليهم ، فقال ابن القاسم في الحديث الذي جاء : لا تحل الصدقة لآل محمد إنما ذلك في الزكاة لا في التطوع ، وإنما هم بنو هاشم أنفسهم .

قيل له يعني مالكا : فمواليه ؟ قال : لا أدري ما الموالي ؟ وكأنه لم يرهم من ذلك فاحتججت عليه بقوله : { مولى القوم منهم } ، فقال : وقد قال : { ابن أخت القوم منهم } .

[ ص: 540 ] قال أصبغ : وذلك في البر والحرمة ، كقوله عليه السلام : { أنت ومالك لأبيك } .

قال مطرف وابن الماجشون : مواليهم منهم لا تحل لهم [ الصدقة ] .

وقال مالك في الواضحة : لا يعطى آل محمد من التطوع .

وأجازه ابن القاسم في كتاب محمد ، وهو الأصح ; لأن الوسخ إنما قرن بالفرض خاصة .

فإن قيل : قد روى أبو داود عن أبي رافع ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على الصدقة من بني مخزوم ، فقال لأبي رافع : اصحبني ، فإنك تصيب منها ; فقال : حتى آتي رسول الله فأسأله . فأتاه فسأله ، فقال : مولى القوم من أنفسهم ، وإنا لا تحل لنا الصدقة } .

[ ص: 541 ] وهذا نص في المسألة ، فلو صح لوجب قبوله ، وقد قال علماؤنا في ذلك جوابان :

الأول : أن ذلك على التنزيه منه .

الثاني : أن أبا رافع كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يخدم ويطعم ، فكره له ترك المال الذي لم يذم ، وأخذه لمال هو أوساخ الناس ، فكسب غيره أولى منه .

فإن قيل : فقد روي أن ابن عباس قال : بعثني أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في إبل أعطاها إياه من الصدقة .

قلنا : لم يصح .

وجوابه لو صح أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من العباس ، فرد إليه ما استسلف من الصدقة ، فأكلها بالعوض .

وقد روينا ذلك مفسرا مستوفى في شرح الحديث .

وقد قال أبو يوسف : يجوز صرف صدقة بني هاشم إلى فقرائهم ، فيقال له : أيأكلون من أوساخهم ؟ هذا جهل بحقيقة العلة وجهة الكرامة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث