الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قل لو شاء الله ما تلوته عليكم

جزء التالي صفحة
السابق

قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون

قل لو شاء الله ما تلوته عليكم تحقيق لحقية القرآن، وكونه من عند الله تعالى، إثر بيان بطلان ما اقترحوا الإتيان به واستحالته عبارة ودلالة، وإنما صدر بالأمر المستقل - مع كونه داخلا تحت الأمر السابق - إظهارا لكمال الاعتناء بشأنه وإيذانا باستقلاله مفهوما وأسلوبا، فإنه برهان دال على كونه بأمر الله تعالى ومشيئته، كما سيأتي، وما سبق مجرد إخبار باستحالة ما اقترحوه، ومفعول "شاء" محذوف ينبئ عنه الجزاء لا غير ذلك كما قيل، فإن مفعول المشيئة إنما يحذف إذا وقعت شرطا وكان مفعولها مضمون الجزاء، ولم يكن في تعلقها به غرابة كما في قوله:


ولو شئت أن أبكي دما لبكيته



حيث لم يحذف لفقدان الشرط الأخير؛ ولأن المستلزم للجزاء - أعني عدم تلاوته، صلى الله عليه وسلم، للقرآن عليهم - إنما هو مشيئته تعالى له لا مشيئته لغير القرآن.

والمعنى: أن الأمر كله منوط بمشيئته تعالى، وليس لي منه شيء قط، ولو شاء عدم تلاوتي له عليكم - لا بأن شاء عدم تلاوتي له من تلقاء نفسي، بل بأن لم ينزله علي، ولم يأمرني بتلاوته كما ينبئ عنه إيثار التلاوة على القراءة - ما تلوته عليكم.

ولا أدراكم به أي: ولا أعلمكم به بواسطتي، والتالي - وهو عدم التلاوة والإدراء - منتف فينتفي المقدم، أعني مشيئة عدم التلاوة، ولا يخفي أنها مستلزمة لعدم مشيئة التلاوة قطعا فانتفاؤها مستلزم لانتفائه حتما، وانتفاء عدم مشيئة التلاوة إنما يكون بتحقق مشيئة التلاوة، فثبت أن تلاوته - صلى الله عليه وسلم - للقرآن بمشيئته تعالى وأمره، وإنما قيدنا الإدراء بكونه [ ص: 130 ] بواسطته - صلى الله عليه وسلم - لأن عدم الإعلام مطلقا ليس من لوازم الشرط الذي هو مشيئة عدم تلاوته - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز نظمه في سلك الجزاء.

وفي إسناد عدم الإدراء إليه تعالى المنبئ عن استناد الإدراء إليه تعالى إيذان بأن لا دخل له - صلى الله عليه وسلم - في ذلك حسبما يقتضيه المقام.

وقرئ (ولا أدرأتكم) و(لا أدرأكم) بالهمزة فيهما على لغة من يقول: أعطأت وأرضأت في أعطيت وأرضيت، أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع، أي: ولا جعلتكم بتلاوته عليكم خصماء تدرءونني بالجدال، وقرئ (ولا أنذرتكم به)، وقرئ (لأدراكم) بلام الجواب، أي: لو شاء الله ما تلوته عليكم أنا ولأعلمكم به على لسان غيري على معنى أنه الحق الذي لا محيص عنه، لو لم أرسل به أنا لأرسل به غيري البتة، أو على معنى أنه تعالى يمن على من يشاء فخصني بهذه الكرامة.

فقد لبثت فيكم عمرا تعليل للملازمة المستلزمة لكون تلاوته بمشيئة الله تعالى وأمره حسبما بين آنفا، لكن لا بطريق الاستدلال عليها بعدم تلاوته - صلى الله عليه وسلم - فيما سبق بسبب مشيئته تعالى إياه، بل بطريق الاستشهاد عليها بما شاهدوا منه - صلى الله عليه وسلم - في تلك المدة الطويلة من الأمور الدالة على استحالة كون التلاوة من جهته - صلى الله عليه وسلم - بلا وحي، و"عمرا" نصب على التشبيه بظرف الزمان، والمعنى: قد أقمت فيما بينكم دهرا مديدا مقدار أربعين سنة، تحفظون تفاصيل أحوالي طرا، وتحيطون بما لدي خبرا.

من قبله أي: من قبل نزول القرآن لا أتعاطى شيئا مما يتعلق به لا من حيث نظمه المعجز، ولا من حيث معناه الكاشف عن أسرار الحقائق وأحكام الشرائع.

أفلا تعقلون أي: ألا تلاحظون ذلك فلا تعقلون امتناع صدوره عن مثلي، ووجوب كونه منزلا من عند الله العزيز الحكيم، فإنه غير خاف على من له عقل سليم.

والحق الذي لا محيد عنه أن من له أدنى مسكة من العقل إذا تأمل في أمره - صلى الله عليه وسلم - وأنه نشأ فيما بينهم هذا الدهر الطويل من غير مصاحبة العلماء في شأن من الشؤون، ولا مراجعة إليهم في فن من الفنون، ولا مخالطة البلغاء في المفاوضة والحوار، ولا خوض معهم في إنشاء الخطب والأشعار، ثم أتى بكتاب بهرت فصاحته كل فصيح قائق، وبذت بلاغته كل بليغ رائق، وعلا نظمه كل منثور ومنظوم، وحوى فحواه بدائع أصناف العلوم، كاشف عن أسرار الغيب من وراء أستار الكمون، ناطق بأخبار ما قد كان وما سيكون، مصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة، مهيمن عليها في أحكامها المجملة والمفصلة - لا يبقى عنده شائبة اشتباه في أنه وحي منزل من عند الله، هذا هو الذي اتفقت عليه كلمة الجمهور.

ولكن الأنسب ببناء الجواب فيما سلف على مجرد امتناع صدور التغيير والتبديل عنه - صلى الله عليه وسلم - لكونه معصية موجبة للعذاب العظيم، واقتصار حاله - صلى الله عليه وسلم - على اتباع الوحي، وامتناع الاستبداد بالرأي - من غير تعرض هناك ولا ههنا لكون القرآن في نفسه أمرا خارجا عن طوق البشر ولا لكونه، صلى الله عليه وسلم، غير قادر على الإتيان بمثله - أن يستشهد ههنا على المطلب بما يلائم ذلك من أحواله المستمرة في تلك المدة المتطاولة من كمال نزاهته - صلى الله عليه وسلم - عما يوهم شائبة صدور الكذب والافتراء عنه في حق أحد كائنا من كان، كما ينبئ عنه تعقيبه بتظليم المفتري على الله تعالى.

والمعنى: قد لبثت فيما بين ظهرانيكم قبل الوحي لا أتعرض لأحد قط بتحكم، ولا جدال، ولا أحوم حول مقال فيه شائبة شبهة فضلا عما فيه كذب أو افتراء، ألا تلاحظون فلا تعقلون أن من هذا شأنه المطرد في هذا العهد البعيد مستحيل أن يفتري على الله عز وجل، ويتحكم على كافة الخلق بالأوامر والنواهي الموجبة لسلب الأموال وسفك الدماء ونحو ذلك، وأن ما أتى به وحي [ ص: 131 ] مبين، تنزيل من رب العالمين، وقوله عز وجل:

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث