الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون

ولما نهى عن الإفراط وهو الزيادة تصريحا، فأفهم النهي عن التفريط، وهو النقص عن المأمور تلويحا من باب الأولى، على ذلك مؤكدا تنزيلا لمن يفرط أو يفرط منزلة المنكر فقال: إنه بما تعملون قدم الظرف لما تقدم من تأكيد الإبصار بصير ومادة "طغى" واوية ويائية بكل ترتيب تدور على مجاوزة الحد مع العلو، فالغطاء: ما ستر به الشيء عاليا عليه، ولا يكون ساترا لجميعه إلا إذا فضل عنه فتجاوز حده، وغطى الليل - إذا غشى، وكل شيء ارتفع فهو غاط. وطغى السيل - إذا جاء بماء كثير، والبحر: هاجت أمواجه، [ ص: 393 ] والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان، والغائط والغيط: المطمئن من الأرض، لأن ما كان كذلك وكانت أرضه طيبة كانت لا تزال ريا فيعلو ما نبت فيها ويخصب فيتجاوز الحد في ذلك، ومنه الغوطة - لموضع بالشام كثير الماء والشجر.

ولما نهى عن الإفراط في الدين ، أتبعه النهي عن التفريط بالتقصير فيه بسفول الهمم [على وجه عام، وكان الحب في الله والبغض منه أوثق عرى الإيمان ، إشارة إلى ضده الذي هو أوثق عرى الشيطان] فقال: ولا تركنوا أي: شيئا من ركون، وقال: إلى الذين ظلموا أي: وجد منهم الظلم ولم يقل الظالمين، أي بالميل إليهم بأن تثاقل أنفسكم نحوهم للميل إلى أعمالهم ولو بالرضى به والتشبه بهم والتزيي بزيهم، وحاصل الآيتين: لا تظلموا بأنفسكم ولا تستحسنوا أفعال الظالمين، وفسر الزمخشري الركون بالميل اليسير، وهو حسن من جهة المعنى لكني لم أره لغيره من أهل اللغة، وقال الرماني - وهو أقرب-: الركون: السكون إلى الشيء بالمحبة والانصباب إليه، ونقيضه النفور عنه. وهو على التفسير الثاني في تطغوا من عطف الخاص على العام، والآية ملتفتة إلى قوله تعالى: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك [ ص: 394 ] فتمسكم النار أي: فتسبب عن ركونكم إليهم مسها لكم فلا تقدروا على التخلص منها بنوع حيلة من أنفسكم; [و] من إجلال النبي صلى الله عليه وسلم إفراده بالخطاب في الأمر بأفعال الخير، والإتيان بضمير الجمع في النهي عن أفعال الشر - نبه على ذلك الإمام أبو حيان.

ولما كان كل موجود سوى الله في قهره وتحت أمره، قال تعالى: وما لكم ولما كان دون رتبته تعالى من الرتب والذوات ما لا يحصيه غيره سبحانه، أدخل الجار تبعيضا فقال: من دون الله أي الملك الأعظم، وأغرق في النفي فقال: من أولياء أي: يخلصونكم من عذابه لما تقرر أن دون من الأدون وهو الأقرب إلى جهة السفل; والولي: المختص بأن من شأنه تولي \ المعونة عند الحاجة، وأشار إلى أن نصر من لا ناصر له من الله محال بأداة البعد وبناء للمفعول فقال: ثم لا تنصرون أي: ثم إذا فاتكم هذا وذاك فما أبعدكم من النصرة!

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث