الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه

جزء التالي صفحة
السابق

ولقد بين سبحانه وتعالى مكانة القرآن بين أهل الكتاب، فقال تعالى:

والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنـزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب .

والذين آتيناهم الكتاب يفرحون ذكر الزمخشري، وغيره أن الذين يفرحون من أهل الكتاب هم اليهود الذين أسلموا كعبد الله بن سلام، والنصارى من نجران واليمن والحبشة، وعدهم ثمانين رجلا، أربعين من نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من اليمن.

وأولئك يفرحون بما أنـزل إليك وهو القرآن؛ لأنهم وجدوه مطابقا لما عندهم في التوراة والإنجيل من تبشير بمحمد - صلى الله عليه وسلم – إذ كانوا يعرفونه في التوراة والإنجيل، وما أنزل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - هو القرآن الكريم.

[ ص: 3962 ] وعندي أرى أن الذين آتاهم الله الكتاب يعم من أسلم، ومن لم يسلم، بل يدخل في عمومه ابتداء من لم يسلم فقد كانوا يفرحون ببعث النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ كانوا في حرب مع المشركين في يثرب، ويستفتحون عليهم بأن نبيا قد آن أوانه سينصرهم عليهم قال تعالى: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين

وإن سياق هذا في هذا المقام يدل على أن الإيمان الصادق ليس مطلوبا من المشركين فقط، بل منهم ومن أهل الكتاب، وأن أهل الكتاب كان ينبغي أن يؤمنوا لمعرفتهم السابقة به؛ ولأنهم كانوا يفرحون به عندما توقعوا مجيئه قريبا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.

ويقول سبحانه: ومن الأحزاب من ينكر بعضه أي من الجماعات المتحزبة التي تفهم أن التدين تحزب وتعصب منهم من ينكر بعضه وهو ما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر، فالصدوقيون من اليهود أنكروا البعث وحسبوا الحياة مادة حتى النفس فسروها بالمادة، والنصارى حرفوا التوحيد وقالوا إن الله ثالث ثلاثة وضلوا بذلك ضلالا بعيدا.

ولأنهم أنكر بعضهم اليوم الآخر، وأنكر بعضهم الوحدانية، رد الله تعالى ذلك عليهم، وذلك بأمره للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يستمسك بالوحدانية والإيمان باليوم الآخر، فقال تعالت حكمته: قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب كان ما أمر الله تعالى به نبيه أمرين قد أنكراهما، وهما عبادة الله تعالى وحده، وذلك يتحقق في قوله تعالى: أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به فهذا إثبات للوحدانية في الذات والصفات والخلق والعبادة، ونفي لأي شريك في العبادة، والنصارى أثبتوا الشرك في العبادة بعبادة ثلاثة ابتداء، ثم لا يزالون يأتون بعبادة آخرين كالعذراء كما يسمونها في الأوهام التي توهموها في أنهم رأوا خيالها نورا، وكعبادة القديسين في نظرهم، وبذلك أنكروا أصل التوحيد الذي هو أصل الديانات السماوية كلها، وقد دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كلمة سواء بينه وبينهم، في [ ص: 3963 ] كتابه إلى هرقل، والنجاشي، والمقوقس، وهذا بعض ما جاء فيه: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا

والأمر الثاني الذي أنكره اليهود، وهو اليوم الآخر؛ ولذا قال فيه: وإليه مآب أي إليه وحده مئاب أي مرجعي، لا إلى غيره من مسيح ونحوه، فإنه يوم القيامة عبد، كما كان في الدنيا عبدا من عباده الصالحين الأبرار وإن كانت له منزلة الرسل كإخوانه من أولي العزم من الرسل.

وحض الله تعالى بدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إليه أدعو أي أدعو إليه وحده، فتقديم الجار والمجرور يدل على أنه لا يدعو إليه غيره، فلا يدعو ابنا، ولا أما لهذا الابن، ولا روح قدس وغير ذلك مما توهمته الأفلاطونية الحديثة، وأخذوه منها كما يؤخذ الباطل من سلسلة الباطل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث