الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة على الحاكم أن يحكم بعلمة

جزء التالي صفحة
السابق

1800 - مسألة : وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء ، والقصاص ، والأموال ، والفروج ، والحدود ، وسواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته ، وأقوى ما حكم بعلمه ; لأنه يقين الحق ، ثم بالإقرار ، ثم بالبينة .

وقد اختلف الناس في هذا - : فروي عن أبي بكر الصديق قال : لو رأيت رجلا على حد لم أدع له غيري حتى يكون معي شاهد غيري ، وأن عمر قال لعبد الرحمن بن عوف : أرأيت لو رأيت رجلا قتل أو شرب أو زنى ؟ قال : شهادتك شهادة رجل من المسلمين فقال له عمر : صدقت

- وأنه روي نحو هذا عن معاوية ، وابن عباس .

ومن طريق الضحاك : أن عمر اختصم إليه في شيء يعرفه فقال للطالب : إن شئت شهدت ولم أقض ، وإن شئت قضيت ولم أشهد .

وقد صح عن شريح أنه اختصم إليه اثنان فأتاه أحدهما بشاهد ، فقال لشريح وأنت شاهدي أيضا ، فقضى له شريح مع شاهده بيمينه .

وروي عن عمر بن عبد العزيز : لا يحكم الحاكم بعلمه في الزنى .

وصح عن الشعبي : لا أكون شاهدا وقاضيا .

وقال مالك ، وابن أبي ليلى - في أحد قوليه - وأحمد ، وأبو عبيدة ، ومحمد بن الحسن - في أحد قوليه : لا يحكم الحاكم بعلمه في شيء أصلا .

وقال حماد بن أبي سليمان : يحكم الحاكم بعلمه بالاعتراف في كل شيء إلا في الحدود خاصة - .

وبه قال ابن أبي ليلى في أحد قوليه .

وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن - في أول قوليه - : يحكم بعلمه في كل شيء من قصاص وغيره ، إلا في الحدود ، وسواء علمه قبل القضاء أو بعده .

وقال أبو حنيفة : لا يحكم بعلمه قبل ولايته القضاء أصلا وأما ما علمه بعد ولايته [ ص: 524 ] القضاء فإنه يحكم به في كل شيء ، إلا في الحدود خاصة .

وقال الليث : لا يحكم بعلمه إلا أن يقيم الطالب شاهدا واحدا في حقوق الناس خاصة ، فيحكم القاضي حينئذ بعلمه مع ذلك الشاهد .

وقال الحسن بن حي : كل ما علم قبل ولايته لم يحكم فيه بعلمه ، وما علم بعد ولايته حكم فيه بعلمه بعد أن يستحلفه ، وذلك في حقوق الناس - وأما الزنا : فإن شهد به ثلاثة والقاضي يعرف صحة ذلك حكم فيه بتلك الشهادة مع علمه .

وقال الأوزاعي : إن أقام المقذوف شاهدا واحدا عدلا وعلم القاضي بذلك حد القاذف .

وقال الشافعي ، وأبو ثور ، وأبو سليمان ، وأصحابهم كما قلنا .

قال أبو محمد : فنظرنا فيمن فرق بين ما علم قبل القضاء وما علم بعد القضاء فوجدناه قولا لا يؤيده قرآن ، ولا سنة ، ولا رواية سقيمة ، ولا قياس ، ولا أحد قاله قبل أبي حنيفة ، وما كان هكذا فهو باطل بلا شك .

ثم نظرنا فيمن فرق بين ما اعترف به في مجلسه وبين غير ذلك مما علمه ، فوجدناه أيضا كما قلنا في قول أبي حنيفة ، وما كان هكذا فهو باطل إلا أن بعضهم قال : إنما جلس ليحكم بين الناس بما صح عنده .

قلنا : صدقتم ، وقد صح عنده كل ما علم قبل ولايته ، وفي غير مجلسه وبعد ذلك .

ثم نظرنا فيمن فرق بين ما شهد به عنده شاهد واحد وبين ما لم يشهد به عنده أحد - : فوجدناه أيضا كالقولين المتقدمين ، لأنه في كل ذلك إنما حكم بعلمه فقط - وهو قولنا - .

وأما حاكم بشاهد واحد أو بثلاثة في الزنى ، فهذا لا يجوز - . [ ص: 525 ]

وأما شاهد حاكم معا ، ولم يأت نص ولا إجماع بتصويب هذا الوجه خاصة .

ثم نظرنا في قول من فرق بين الحدود وغيرها ، فوجدناه قولا لا يعضده قرآن ولا سنة ، وما كان هكذا فهو باطل .

فإن ذكروا { ادرءوا الحدود بالشبهات } .

قلنا : هذا باطل ما صح قط عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا فرق بين الحدود وغيرها في أن يحكم في كل ذلك بالحق ، فلم يبق إلا قول من قال : لا يحكم الحاكم بعلمه في شيء - وقول من قال : يحكم الحاكم بعلمه في كل شيء - : فوجدنا من منع من أن يحكم الحاكم بعلمه يقول : هذا قول أبي بكر ، وعمر ، وعبد الرحمن ، وابن عباس ، ومعاوية ، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة .

فقلنا : هم مخالفون لكم في هذه القصة ; لأنه إنما روي أن أبا بكر قال : إنه لا يثيره حتى يكون معه شاهد آخر .

وهو قول عمر ، وعبد الرحمن : أن شهادته شهادة رجل من المسلمين ، فهذا يوافق من رأى أن يحكم في الزنى بثلاثة هو رابعهم ، وبواحد مع نفسه في سائر الحقوق .

وأيضا - فلا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأيضا - فقد خالفوا أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وخالد بن الوليد ، وأبا موسى الأشعري ، وابن الزبير في القصاص من اللطمة ، ومن ضربة السوط ، ومما دون الموضحة - وهو عنهم أصح مما رويتم عنهم هاهنا - .

واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : { شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك } .

قال أبو محمد : وهذا قد خالفه المالكيون المحتجون به ، فجعلوا له الحكم باليمين مع الشاهد ، واليمين مع نكول خصمه ، وليس هذا مذكورا في الخبر .

وجعل له الحنفيون الحكم بالنكول وليس ذلك في الخبر .

وأمروه بالحكم بعلمه في الأموال التي فيها جاء هذا الخبر .

فقد خالفوه جهارا وأقحموا فيه ما ليس فيه . [ ص: 526 ]

فمن أضل ممن يحتج بخبر هو أول مخالف له برأيه .

وأما نحن فنقول : إنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { بينتك أو يمينه } ومن البينة التي لا بينة أبين منها صحة علم الحاكم بصحة حقه ، فهو في جملة هذا الخبر .

واحتجوا بالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أن عيسى عليه السلام رأى رجلا يسرق فقال له عيسى : سرقت ؟ قال : كلا والله الذي لا إله إلا هو ، فقال عيسى عليه السلام : آمنت بالله وكذبت نفسي } - فقالوا : فعيسى عليه السلام لم يحكم بعلمه .

قال أبو محمد : ليس يلزمنا شرع عيسى عليه السلام ، وقد يخرج هذا الخبر على أنه رآه يسرق أي يأخذ الشيء مختفيا بأخذه ، فلما قرره حلف ، وقد يكون صادقا ، لأنه أخذ ماله من ظالم له .

وذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها } - وهذا لا حجة لهم فيه ; لأن علم الحاكم أبين بينة وأعدلها وقد تقصينا هذه المسألة في " كتاب الإيصال " ولله تعالى الحمد .

وبرهان صحة قولنا - : قول الله تعالى : { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله } .

وليس من القسط أن يترك الظالم على ظلمه لا يغيره .

وأن يكون الفاسق يعلن الكفر بحضرة الحاكم ، والإقرار بالظلم ، والطلاق ، ثم يكون الحاكم يقره مع المرأة ، ويحكم لها بالزوجية والميراث ، فيظلم أهل الميراث حقهم .

وقد أجمعوا على أن الحاكم إن علم بجرحة الشهود - ولم يعلم ذلك غيره ، أو علم كذب المجرحين لهم - فإنه يحكم في كل ذلك بعلمه - فقد تناقضوا .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه } والحاكم إن لم يغير ما رأى من المنكر حتى تأتي البينة على ذلك فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ ص: 527 ]

فصح أن فرضا عليه أن يغير كل منكر علمه بيده ، وأن يعطي كل ذي حق حقه ، وإلا فهو ظالم - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث