الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من باب الإشارة

ومن باب الإشارة في الآيات إن الصفا أي: الروح الصافية عن درن المخالفات والمروة أي: النفس القائمة بخدمة مولاها من إعلام دين الله ومناسكه القلبية والقالبية، فمن بلغ مقام الوحدة الذاتية، ودخل بيت الحضرة الإلهية بالفناء عن السوى أو زار الحضرة بتوحيد الصفات واتزر بأنوار الجلال والجمال، فلا حرج عليه حينئذ أن يطوف بهما ويرجع إلى مقامهما بالوجود الموهوب بعد التمكين المطلوب، ومن تبرع خيرا بالتعليم والنصيحة وإرشاد المسترشدين، فإن الله يشكر عمله ويعلم جزاءه، إن الذين يكتمون ما أفضنا عليهم من أنوار المعارف وهدى الأحوال من بعد ما بيناه للناس في كتاب عقولهم المنورة بنور المتابعة أولئك يبعدهم الله - تعالى - ويحجبهم عنه ويلعنهم اللاعنون من الملأ الأعلى، فلا يمدونهم، ومن المستعدين فلا يصحبونهم، إلا الذين رجعوا إلى الله - تعالى - وعلموا أن ما هم فيه ابتلاء منه - عز وجل - ، وأصلحوا أحوالهم بالرياضة، وأظهروا ما احتجب عنهم بصدق المعاملة، فأولئك أقبل توبتهم وأنا التواب الرحيم .

إن الذين كفروا واحتجبوا عن الحق، وبقوا على احتجابهم حتى زال استعدادهم وانطفأ نور فطرتهم أولئك استحقوا الطرد والبعد عن الحق وعالم الملكوت، خالدين في ذلك لا يخفف عنهم العذاب لرسوخ الأمور الموجبة له فيهم ولا هم ينظرون للزوم تلك الهيئات المظلمة إياهم، وإلهكم إله واحد بالذات لا شيء في الوجود غيره، فأنى يعبد سواه، وهو العدم البحت، إن في إيجاد سموات الأرواح وأرض النفوس واختلاف النور والظلمة بينهما، وفلك البدن التي تجري في بحر الاستعداد بما ينفع الناس في كسب كمالاتهم، وتكميل نشأتهم، وما أنزل الله من سماء الأرواح من ماء العلم، فأحيا به أرض النفوس بعد موتها بالجهل، وبث فيها القوى الحيوانية، وفرق في أفلاكها سيارات عالم الملكوت، وتصريف رياح النفحات المحركة لأغصان أشجار الشوق في رياض القلوب وسحاب التجليات المسخر بين سماء الروح وأرض النفس، ليمطر قطرات الخطاب على نيران الألباب، لتسكن ساعة من الاحتراق بالتهاب نار الوجد لآيات ودلائل لقوم يعقلون بالعقل المنور بالأنوار القدسية المجرد عن شوائب الوهم، ومن الناس من يعبد من دون الله أشياء منعته عن خدمة سيده والتوجه إليه يحبونهم ويميلون إليهم كحبهم لله، ويسوون بينهم وبينه - سبحانه - ؛ لأنهم لم يذوقوا لذة محبته، ولم يروا نور مشاهدته وحقائق وصله وقربه، والذين آمنوا الإيمان الكامل أشد حبا لله ؛ لأنهم مستغرقون بمشاهدته هائمون بلذيذ خطابه من عهد ألست بربكم لا يلتفتون إلى سواه طرفة عين، فهيهات أن [ ص: 38 ] يزول حبهم، أو يميل إلى الأغيار لبهم، وهم أحبوه بحبه، وصارت قلوبهم عرش تجلياته وقربه. ولو يرى الذين ظلموا وأشركوا من هو في الحقيقة لا شيء ولا حي ولا لي في وقت رؤيتهم عذاب الاحتجاب عن رب الأرباب، وأن القدرة لله جميعا، وليس لآلهتهم التي ألهتهم عنه منها شيء، لندموا وتحسروا؛ حيث لم يقصدوا وجه الله - تعالى - ولم يطلبوه، وعند ذلك يتبرأ الأتباع من المتبوعين وقد رأوا عذاب الحرمان وتقطعت بهم الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، وتمنوا ما لا يمكن بحال وبقوا بحسرة وعذاب، وكذا يكون حال القوى الروحانية الصافية للقوى النفسانية التابعة لها في تحصيل لذاتها، وطوبى للمتحابين في الله - تعالى عز شأنه - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث