الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة رأت الحائض الطهر

جزء التالي صفحة
السابق

1914 - مسألة : وإذا رأت الحائض الطهر فإن غسلت فرجها فقط ، أو توضأت فقط ، أو اغتسلت كلها ، فأي ذلك فعلت حل وطؤها لزوجها ، إلا أنها لا تصلي حتى تغتسل كلها بالماء وقد اختلف الناس في هذا - : فقالت طائفة : لا يحل له وطؤها إلا حتى تغسل جميع جسدها - روينا ذلك عن مجاهد ، وإبراهيم النخعي ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ومكحول ، والحسن ، وسليمان بن يسار ، والزهري ، وربيعة .

ورويناه عن عطاء ، وميمون بن مهران - وهو قول مالك ، والشافعي ، وأصحابهما وذهب أبو حنيفة ، وأصحابه ، إلى أن الحائض إن كانت أيامها عشرة ، فإنها بانقضاء العشرة يحل لزوجها وطؤها - وإن لم تغسل فرجها ولا توضأت ولا اغتسلت - فإن كانت أيامها أقل من عشرة ، فإنها إذا رأت الطهر لم يحل لزوجها وطؤها إلا بأحد وجهين - : إما أن تغتسل كلها ، وإما أن يمضي عليها وقت صلاة فإن مضى لها وقت صلاة حل له وطؤها - وإن لم تغتسل ولا غسلت فرجها ولا توضأت -

قال أبو محمد : لا قول أسقط من هذا ، لأنه تحكم بالباطل بلا دليل أصلا ، ولا نعلم أحدا قال قبل أبي حنيفة ولا بعده ، إلا من قلده .

وذهب قوم إلى مثل قولنا - : كما روينا من طريق عبد الرزاق رنا ابن جريج ، [ ص: 239 ] ومعمر قال ابن جريج عن عطاء وقال معمر عن قتادة ، ثم اتفق عطاء ، وقتادة ، فقالا جميعا في الحائض إذا رأت الطهر فإنها تغسل فرجها ويصيبها زوجها .

وروينا عن عطاء أنها إذا رأت الطهر فتوضأت حل وطؤها لزوجها - وهو قول أبي سليمان ، وجميع أصحابنا .

قال أبو محمد : ربما يموه مموه بالخبر الذي رويناه من طريق عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم { وإن أتاها - يعني الحائض - وقد أدبر الدم عنها ولم يغتسل فنصف دينار } ؟ فقد قلنا : إن مقسما ضعيف ولم يلق عبد الكريم مقسما ، فهو لا شيء ، ولا سيما والمالكيون ، والشافعيون لا يقولون بهذا الخبر .

ومن الباطل أن يحتج المرء بخبر هو أول مبطل له ، ولعلهم أن يقولوا : لا يجوز له وطؤها إلا أن تجوز لها الصلاة .

قال أبو محمد : وهذا خطأ ، لأن الوطء ليس معلقا بالصلاة ، فقد تكون المرأة جنبا فيحل وطؤها ، ولا تحل لها الصلاة ، وتكون معتكفة ، ومحرمة وصائمة فتصلي ولا يحل وطؤها .

قال أبو محمد : فإذ لا بيان في شيء من هذا إلا في الآية ، فالواجب الرجوع إليها قال الله تعالى : { ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله } فوجدناه عز وجل لم يبح وطء الحائض إلا بوجهين اثنين - : وهي أن تطهر ، وأن تطهر ، لأن الضمير الذي في " تطهرن " راجع بلا خلاف من أحد ممن يحسن العربية إلى الضمير الذي في " يطهرن " والضمير الذي في " يطهرن " راجع إلى الحيض ، فكان معنى " يطهرن " هو انقطاع الحيض وظهور الطهر ، لأنه لم يضف الفعل إليهن ، وكان معنى " يطهرن " فعلا يفعلنه ، لأنه رد الفعل إليهن ، فوجب حمل الآية على مقتضاها وعمومها ، لا يجوز غير ذلك ، ولا يجوز تخصيصها ، ولا الاختصار على بعض ما يقع عليه لفظها دون كل ما يقع عليه بالدعوى الكاذبة ، فيكون إخبارا عن مراد الله تعالى بما [ ص: 240 ] لم يخبر به عز وجل عن مراده ، وهذا حرام - ونحن نشهد بشهادة الله عز وجل أنه تعالى لو أراد بعض ما يقع عليه اسم " تطهرن " دون سائر ما يقع عليه لأخبرنا به ، ولبينه علينا ، ولما وكلنا إلى التكهن والظنون .

وقال تعالى : { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } فقد فصل لنا عز وجل ما حرم علينا من وطء الحائض وأنه حرام ما لم يطهرن فيطهرن .

فصح أن كل ما يقع عليه اسم " الطهر " بعد أن " يطهرن " فقد حللن به ، والوضوء تطهر بلا خلاف ، وغسل الفرج بالماء تطهر كذلك ، وغسل جميع الجسد تطهر ، فبأي هذه الوجوه تطهرت التي رأت الطهر من الحيض فقد حل به لنا إتيانها - وبالله تعالى التوفيق

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث