الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب استبراء الأمة إذا ملكت

جزء التالي صفحة
السابق

باب استبراء الأمة إذا ملكت 2952 - ( عن أبي سعيد { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس : لا توطأ حامل حتى تحيض ، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة } رواه أحمد وأبو داود ) .

2953 - ( عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه { أتى على امرأة مجح على باب فسطاط فقال : لعله يريد أن يلم بها ؟ قالوا : نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره ، كيف يورثه وهو لا يحل له ؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له ؟ } رواه أحمد ومسلم وأبو داود ، رواه أبو داود الطيالسي وقال : { كيف يورثه وهو لا يحل له ؟ وكيف يسترقه وهو لا يحل له } ؟ والمجح : هي الحامل المقرب ) .

[ ص: 362 ]

التالي السابق


[ ص: 362 ] حديث أبي سعيد أخرجه أيضا الحاكم وصححه وإسناده حسن . وهو عند الدارقطني من حديث ابن عباس وأعل بالإرسال . وعند الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف . وأخرج الترمذي من حديث العرباض بن سارية { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن } وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة من حديث علي بلفظ : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة } وفي إسناده ضعف وانقطاع . قوله : ( أوطاس ) هو واد في ديار هوازن

قال القاضي عياض : وهو موضع الحرب بحنين ، وبه قال بعض أهل السير . قال الحافظ : والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين ، وهو ظاهر كلام ابن إسحاق في السير . قوله : ( مجح ) بضم الميم ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة : وهي الحامل التي قد قاربت الولادة على ما فسره المصنف . والحديثان يدلان على أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبية إذا كانت حاملا حتى تضع حملها . والحديث الأول منهما يدل أيضا على أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبية إذا كانت حائلا حتى تستبرأ بحيضة

وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعية والحنفية والثوري والنخعي ومالك ، وظاهر قوله : " ولا غير حامل " أنه يجب الاستبراء للبكر ، ويؤيده القياس على العدة فإنها تجب مع العلم ببراءة الرحم . وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستبراء إنما يجب في حق من لم تعلم براءة رحمها وأما من علمت براءة رحمها فلا استبراء في حقها . وقد روى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه قال : إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء وهو في صحيح البخاري عنه وسيأتي . ويؤيد هذا حديث رويفع الآتي فإن قوله فيه : { فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض } يرشد إلى ذلك

ويؤيده أيضا حديث علي الآتي قريبا فيكون هذا مخصصا لعموم قوله : " ولا غير حامل " أو مقيدا له . وقد روي ذلك عن مالك . قال المازري من المالكية : القول الجامع في ذلك : أن كل أمة أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء ، وكل من غلب على الظن أنها حامل أو شك في حملها أو تردد فيه فالاستبراء لازم فيها ، وكل من غلب على الظن براءة رحمها لكنه يجوز حصوله فإن المذهب فيه على وجهين في ثبوت الاستبراء وسقوطه

ومن القائلين بأن الاستبراء إنما هو للعلم ببراءة الرحم فحيث تعلم البراءة لا يجب ، وحيث لا يعلم ولا يظن يجب : أبو العباس ابن سريج وأبو العباس بن تيمية وابن القيم ، ورجحه جماعة من المتأخرين منهم الجلال والمقبلي والمغربي والأمير ، وهو الحق لأن العلة معقولة ، فإذا لم توجد المئنة كالحمل ولا المظنة كالمرأة المزوجة فلا وجه لإيجاب الاستبراء . والقول بأن الاستبراء تعدى وأنه يجب في حق الصغيرة وكذا في حق البكر والآيسة ليس عليه دليل [ ص: 363 ]

2954 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يقعن رجل على امرأة وحملها لغيره } رواه أحمد )

2955 - ( وعن رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره } رواه أحمد والترمذي وأبو داود ، وزاد : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها } وفي لفظ : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض } رواه أحمد ، ومفهومه أن البكر لا تستبرأ وقال ابن عمر : إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو أعتقت فلتستبرأ بحيضة ، ولا تستبرأ العذراء ، حكاه البخاري في صحيحه وقد جاء في حديث عن علي رضي الله عنه عنه ما الظاهر حمله على مثل ذلك ، فروى بريدة قال { : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد ، يعني إلى اليمن ليقبض الخمس ، فأصفى علي منه سبية فأصبح وقد اغتسل ، فقلت لخالد : ألا ترى إلى هذا ؟ وكنت أبغض عليا ; فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت له ذلك ، فقال : يا بريدة أتبغض عليا ؟ فقلت : نعم ، فقال : لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك } رواه أحمد والبخاري .

وفي رواية { قال : أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا ، وأحببت رجلا من قريش لم أحببه إلا على بغضه عليا ، قال : فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته فأصبنا سبايا ، قال : فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابعث إلينا من يخمسه ، قال : فبعث إلينا عليا ، وفي السبي وصيفة . هي من أفضل السبي ، قال فخمس وقسم ، فخرج ورأسه يقطر ، فقلنا : يا أبا الحسن ما هذا ؟ قال : ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي فإني قسمت وخمست فصارت في الخمس ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ثم صارت في آل علي ووقعت بها ، قال : فكتب الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : . ابعثني ، فبعثني مصدقا ، فجعلت أقرأ الكتاب وأقول : صدق ، قال : فأمسك يدي والكتاب وقال : أتبغض عليا ؟ قلت : نعم ، قال : فلا تبغضه ، وإن كنت تحبه فازدد له حبا ، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة ، قال : فما كان من الناس أحد بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي من علي } رواه أحمد .

وفيه بيان أن بعض الشركاء يصح توكيله في قسمة مال الشركة ، والمراد بآل علي علي رضي الله عنه نفسه ) .

[ ص: 364 ] حديث أبي هريرة أخرجه أيضا الطبراني وإسناده ضعيف كما تقدمت الإشارة إلى ذلك . قال في مجمع الزوائد : في إسناده بقية والحجاج بن أرطاة وكلاهما مدلس ا هـ . ولكنه يشهد لصحته حديث رويفع المذكور بعده والأحاديث المذكورة قبله . وحديث رويفع أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والدارمي والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وابن حبان وصححه والبزار وحسنه ، واللفظ الآخر أخرجه أيضا الطحاوي وفي الباب عن ابن عباس عند الحاكم { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم وقال : لا تسق ماءك زرع غيرك } وأصله في النسائي . وعن رجل من الأنصار عند أبي داود قال { : تزوجت امرأة بكرا في سترها . فدخلت عليها فإذا هي حبلى فذكر الحديث ، قال : ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما } ، وقد استدل من قال بوجوب الاستبراء للمسبية - إذا كانت حاملا أو حائلا يجوز عليها الحمل فقط لا مع عدم التجويز كالبكر والصغيرة - بحديث أبي هريرة ورويفع المذكورين . وقد تقدم الكلام على ذلك

واستدل بالأثر المذكور عن ابن عمر من قال بوجوب الاستبراء على واهب الأمة وبائعها . وقد حكي ذلك في البحر عن الهادي والناصر والنخعي والثوري ومالك . ولم يفرقوا بين أن يكون البائع أو الواهب رجلا أو امرأة ، وبين كون المبيع بكرا أو ثيبا صغيرة أو كبيرة . وقال الشافعي والمؤيد بالله وزيد بن علي والإمام يحيى : لا يجب ، وقال أبو حنيفة : يستحب فقط . واستدل القائلون بالوجوب بالقياس على عدة الزوجة بجامع ملك الوطء فلا يملكه غيره إلا بعد الاستبراء . وأجيب بالفرق بين الأصل والفرع بوجوه : أحدها : أن العدة إنما تكون بعد الطلاق . وهذا الاستبراء قبل البيع

ومنها : تنافي أحكام الملك والنكاح ، وإلا لزم أن لا يصح الجمع بين الأختين في الملك قياسا على عدم صحة النكاح . ومنها : أن العدة إنما تجب على المرأة لا على الزوج . ومنها : أن العدة إنما تجب على الزوجة بعد الدخول أو الخلوة ، ويجب الاستبراء عندهم في الأمة مطلقا . فالحق أن مثل هذا القياس المبني على غير أساس لا يصلح لإثبات تكليف شرعي على جميع الناس . وكما أنه لا وجه للإيجاب لا وجه للاستحباب لأن كل واحد منهما حكم شرعي . والبراءة الأصلية مستصحبة حتى ينقل عنها ناقل صحيح

وليس في كلام ابن عمر المذكور ما يدل على أن الاستبراء على البائع ونحوه ، بل ظاهره أنه على المشتري . ولو سلم فليس في كلامه حجة على أحد واختلف في وجوب الاستبراء على المشتري والمتهب ونحوهما . فذهب الجمهور إلى الوجوب ، واحتجوا بالقياس على المسبية بجامع تجدد الملك في الأصل والفرع . وذهب داود والبتي إلى أنه لا يجب الاستبراء في غير السبي . أما داود فلأنه لا يقول بثبوت الحكم الشرعي بمجرد القياس

وأما البتي فلأنه جعل تجدد الملك بالشراء والهبة كابتداء النكاح [ ص: 365 ] وهو لا يجب على من تزوج امرأة أن يستبرئها بعد العقد . ورد بالفرق بين النكاح والملك . فإن النكاح لا يقتضي ملك الرقبة ، كذا في البحر ولا يخفى أن ملك الرقبة مما لا دخل له في النزاع فلا يقدح به في القياس . واستدل في البحر للجمهور بقول علي رضي الله عنه : من اشترى جارية فلا يقربها حتى تستبرأ بحيضة " قال : ولم يظهر خلافه ، وقد عرفناك غير مرة أن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يدل على الموافقة لعدم وجوب الإنكار فيها على المخالف

والأولى التعويل في الاستدلال للموجبين على عموم حديث رويفع وأبي هريرة ، فإن ظاهرهما شامل للمسبية والمستبرأة ونحوهما ، والتصريح في آخر الحديث بقوله : " فلا ينكحن ثيبا من السبايا " ليس من باب التقييد للمطلق أو التخصيص للعام ، بل من التنصيص على بعض أفراد العام . ويمكن أن يقال : إن قوله في الحديث : " من السبايا " مفهوم صفة فلا يكون من التنصيص المذكور إلا عند من لم يعمل به ، وأوضح من ذلك حديث أبي سعيد المتقدم ، فإن قوله : { لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة } يشمل المستبرأة ونحوها ، وكون السبب في ذلك سبايا أوطاس لا يدل على قصر اللفظ العام عليهن لما تقرر أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فيكون ذلك عاما لكل من لم يجوز خلو رحمها ، لا من كان رحمها خاليا بيقين كالصغيرة والبكر كما تقدم تحقيق ذلك ، وظاهر حديث رويفع وما قبله أنه لا فرق بين الحامل من زنى وغيرها فيجب استبراء الأمة التي كان قبل ثبوت الملك عليها تزني إن كانت حاملا فبالوضع وإن كانت غير حامل فبحيضة ، ويؤيد هذا حديث الرجل من الأنصار الذي ذكرناه في أول الباب

قوله : ( فاصطفى علي منه سبية ، . . . إلخ ) يمكن حمل هذا على أن السبية التي أصابها كانت بكرا أو صغيرة أو كان قد مضى عليها من بعد السبي مقدار مدة الاستبراء لأنها قد دخلت في ملك المسلمين من وقت السبي ، والمصير إلى مثل هذا متعين للجمع بينه وبين الأحاديث المذكورة في الباب ، وظاهر هذا الحديث وسائر أحاديث الباب أنه لا يشترط في جواز وطء المسبية الإسلام ، ولو كان شرطا لبينه صلى الله عليه وسلم ، ولم يبينه ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك وقتها ، ولا سيما وفي المسلمين في يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالإسلام يخفى عليهم مثل هذا الحكم وتجويز حصول الإسلام من جميع السبايا وهم في غاية الكثرة بعيد جدا ، فإن إسلام مثل عدد المسبيات في أوطاس دفعة واحدة من غير إكراه لا يقول بأنه يصح تجويزه عاقل ، ومن أعظم المؤيدات لبقاء المسبيات على دينهن { ما ثبت من رده صلى الله عليه وسلم لهن بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن وسألوه أن يرد إليهم ما أخذ عليهم من الغنيمة ، فرد إليهم السبي فقط }

وقد ذهب إلى جواز وطء المسبيات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة منهم طاوس ، وهو الظاهر لما [ ص: 366 ] سلف .

وفي الحديث الآخر منقبة ظاهرة لعلي رضي الله عنه ومنقبة لبريدة ، لمصير علي أحب الناس إليه ، وقد صح { أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق } ، كما في صحيح مسلم وغيره .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث