الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بيان فضيلة السخاء

اعلم أن المال إن كان مفقودا فينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة الحرص ، وإن كان موجودا فينبغي أن يكون حاله الإيثار ، والسخاء ، واصطناع المعروف ، والتباعد عن الشح والبخل ، فإن السخاء من أخلاق الأنبياء - عليهم السلام - وهو أصل من أصول النجاة ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أحاديث كثيرة منها : " خلقان يحبهما الله تعالى : حسن الخلق والسخاء ، وخلقان يبغضهما : سوء الخلق والبخل ، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله في قضاء حوائج الناس " .

وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " إن من موجبات المغفرة : بذل الطعام ، وإفشاء السلام ، وحسن الكلام " .

وقال " أنس " : " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل شيئا على الإسلام إلا أعطاه ، وأتاه رجل فسأله ، فأمر له [ ص: 223 ] بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة ، فرجع إلى قومه فقال : يا قوم أسلموا ؛ فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة " .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : " إن السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار ، وإن البخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ، قريب من النار ، وجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل ، وأدوأ الداء البخل " .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : " كل معروف صدقة ، وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة ، وما وقى به الرجل عرضه فهو له صدقة ، وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها " .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : " كل معروف صدقة ، والدال على الخير كفاعله ، والله يحب إغاثة اللهفان " .

وعن " الحسن بن علي " : " الكرم هو التبرع بالمعروف قبل السؤال ، والإطعام في المحل ، والرأفة بالسائل ، مع بذل النائل " .

وعن " عبد الله بن جعفر " : " أمطر المعروف مطرا ، فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا ، وإن أصاب اللئام كنت له أهلا " .

ومن سخاء السلف ما حكي أن " ابن عامر " اشترى دارا بتسعين ألف درهم ، فلما كان الليل سمع بكاء أهلها ، فسأل ، فقيل : " يبكون لدارهم " . فقال : " يا غلام ، إيتهم فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعا " .

وكان " الليث بن سعد " لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلاثمائة وستين مسكينا .

وعن " أسماء بن خارجة " أن " عبد الملك "سأله عن خصال حدث بها عنه ، فأجابه أسماء : " ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط ، ولا صنعت طعاما قط فدعوت عليه قوما إلا وكانوا أمن علي مني عليهم ، ولا نصب لي رجل وجهه قط يسألني شيئا فاستكثرت شيئا أعطيته إياه " .

وعن " الشافعي " أن " حماد بن أبي سليمان " انقطع زره وهو راكب ، فمر على [ ص: 224 ] خياط وأراد النزول ، فبادره الخياط وحلف عليه أن لا ينزل ، وأصلح له زره وهو راكب ، فأخرج له صرة فيها عشرة دنانير وسلمها له ، واعتذر إليه من قلتها .

قال " الشافعي " : " لا أزال أحب حمادا لما بلغني عنه " ، وأنشد الشافعي لنفسه :


يا لهف قلبي على مال أجود به على المقلين من أهل المروءات     إن اعتذاري إلى من جاء يسألني
ما ليس عندي من إحدى المصيبات



وعن " الربيع بن سليمان " قال : " أخذ رجل بركاب الشافعي رحمه الله ، فقال : يا ربيع ، أعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني " .

وقام رجل إلى " سعيد بن العاص " فسأله ، فأمر له بمائة ألف درهم ، فبكى ، فقال له " سعيد " : " ما يبكيك ؟ قال : أبكي على الأرض أن تأكل مثلك ، فأمر له بمائة ألف أخرى " .

وروي أن عليا كرم الله وجهه بكى ، فقيل : " ما يبكيك " ؟ فقال : " لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام ، أخاف أن يكون الله قد أهانني " .

وروي أن رجلا أتى صديقا له ، فدق عليه الباب ، فقال : " ما جاء بك " ؟ قال : " علي أربعمائة درهم دين " ، فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليه وعاد يبكي ، فسألته امرأته ، فقال : " أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي " .

فرحم الله من هذه أخلاقهم وغفر لهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث