الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          ثم ذكر - سبحانه - جزاء الأبرار؛ ثم جزاء الفجار؛ فقال - عز من قائل -: فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون الفاء فاء الإفصاح; لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ أي: إذا كانوا جميعا إلينا راجعون؛ فإنا نجازي المحسن بإحسانه؛ والمسيء بإساءته؛ وقوله (تعالى): من الصالحات وهو مؤمن "من "؛ هنا؛ إما للتبعيض؛ أو للاستغراق؛ ويكون المعنى: "من يعمل بعض [ ص: 4915 ] الصالحات وهو مؤمن بالله حق إيمانه؛ متقربا بها إلى الله (تعالى)؛ فإن الله يقبل عمله؛ ويثيبه عليه "; لأنه لا سلامة للأعمال إلا بأن تكون لله وحده؛ ولا تكون لله وحده إلا إذا كان مؤمنا به؛ وبرسله؛ والكتاب؛ والملائكة؛ والغيب الذي أخبر الله (تعالى).

                                                          وإنما ذكر بعض الصالحات; لأنه ليس في الطاقة الإنسانية القيام بكل الصالحات؛ وكل ميسر لما يستطيعه؛ ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

                                                          ويصح أن تكون "من "؛ بيانية؛ أي: "ومن يعمل الصالحات بما في طاقته فلا كفران لسعيه "؛ الفاء واقعة في جواب الشرط؛ و "الكفران ": الستر؛ وكفران النعمة: سترها؛ وكفران السعي: عدم الجزاء عليه؛ و "السعي "؛ هو العمل النافع الذي يكون فيه القرب إلى الله (تعالى).

                                                          وعبر - سبحانه - عن عدم الجزاء بـ "الكفران "؛ إكراما للساعي؛ وتأكيدا بأنه لن يهمل جزاؤه؛ ومعاذ الله (تعالى) أن يفعل؛ كما قال (تعالى): أني لا أضيع عمل عامل منكم ؛ وقوله (تعالى): إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا

                                                          وبين - سبحانه - أن هذا السعي مكتوب؛ قد أحصاه الله (تعالى)؛ فقال: وإنا له كاتبون أي: قد أحصيناه إحصاء؛ وذكر الكتابة للدلالة على أنه غير ضائع أبدا؛ والله بكل شيء عليم؛ وقدم الجار والمجرور لكمال العناية بمن يعمل عملا صالحا؛ أي: كل عامل يقيد له عمله بخاصة؛ ويحصى لكل ما يخصه.

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية