الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان أقسام ما به العجب وتفصيل علاجه

بيان أقسام ما به العجب وتفصيل علاجه :

اعلم أن مجموع ما به ثمانية أقسام :

الأول : أن يعجب ببدنه في جماله وهيئته وقوته وحسن صوته ، وينسى أنه نعمة من الله تعالى ، وهو بعرضة الزوال في كل حال . وعلاج التفكر في أقذار باطنه في أول أمره وفي آخره ، وفي الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة كيف تمزقت في التراب وأنتنت في القبور حتى استقذرتها الطباع .

[ ص: 255 ] الثاني : البطش والقوة كما حكي عن قوم عاد حين قالوا فيما أخبر الله عنهم : ( من أشد منا قوة ) [ فصلت : 15 ] وعلاجه أن يعلم أن حمى يوم تضعف قوته ، وأنه إذا أعجب بها ربما سلبها الله تعالى بأدنى آفة يسلطها عليه .

الثالث : العجب بالعقل والكياسة والتفطن لدقائق الأمور من مصالح الدين والدنيا ، وثمرته الاستبداد بالرأي وترك المشورة واستجهال الناس المخالفين له ولرأيه ، ويخرج إلى قلة الإصغاء إلى أهل العلم إعراضا عنهم بالاستغناء بالرأي والعقل .

وعلاجه أن يشكر الله تعالى على ما رزق من العقل ويتفكر أنه بأدنى مرض يصيب دماغه كيف يوسوس ويجن بحيث يضحك منه ، فلا يأمن أن يسلب عقله إن أعجب به ولم يقم بشكره ، ويستقصر علمه وعقله .

وليعلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا وإن اتسع علمه ، وأن ما جهله مما عرفه الناس أكثر مما عرف فكيف بما لم يعرفه الناس من علم الله تعالى ؟ وأن يتهم عقله وينظر إلى الحمقى كيف يعجبون بعقولهم ويضحك الناس منهم ، فيحذر أن يكون منهم ، وهو لا يدري ، فإن القاصر العقل لا يعلم قصور عقله . فينبغي أن يعرف مقدار عقله من غيره لا من نفسه ، ومن أعدائه لا من أصدقائه ، فإن من يداهنه يثني عليه فيزيده عجبا ، وهو لا يظن بنفسه إلا الخير ، ولا يفطن لجهل نفسه فيزداد به عجبا .

الرابع : العجب بالنسب الشريف حتى يظن بعضهم أنه ينجو بشرف نسبه ونجاة آبائه وأنه مغفور له . وعلاجه أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم وظن أنه ملحق بهم فقد جهل ، وإن اقتدى بآبائه فما كان من أخلاقهم العجب ، بل الخوف ومذمة النفس ، ولقد شرفوا بالطاعة والعلم والخصال الحميدة لا بالنسب ، فليشرف بما شرفوا به ، ولذلك قال تعالى : ( ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) [ الحجرات : 13 ] أي لا تفاوت في أنسابكم لاجتماعكم في أصل واحد ، ثم ذكر فائدة النسب فقال : ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) [ الحجرات : 13 ] ثم بين أن الشرف بالتقوى لا بالنسب فقال : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [ الحجرات : 13 ] .

وقال صلى الله عليه وسلم " إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية " أي كبرها : " كلكم بنو آدم وآدم من تراب " .

ولما نزل قوله تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) [ الشعراء : 214 ] ناداهم بطنا بعد بطن حتى قال : " يا فاطمة بنت محمد ، يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اعملا لأنفسكما فإني لا أغني عنكما من الله شيئا " فبين أنهم إذا مالوا إلى الدنيا لم ينفعهم نسب قريش . فمن عرف هذه الأمور ، وعلم أن شرفه بقدر تقواه ، وقد كان من عادة آبائه التواضع اقتدى بهم في التقوى والتواضع ، وإلا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله مهما انتمى إليهم ولم يشبههم في التواضع والتقوى والخوف والإشفاق .

[ ص: 256 ] الخامس : العجب بنسب الأمراء وأعوانهم دون نسب العلم والدين ، وهذا غاية الجهل . وعلاجه أن يتفكر في منكراتهم وما جروا على الناس من المحظورات فيشكر الله أن عصمه من تبعاتهم .

السادس : العجب بكثرة العدد من الأولاد والخدم والعشيرة والأقارب كما قال الكفار : ( نحن أكثر أموالا وأولادا ) [ سبأ : 35 ] وكما قال المؤمنون يوم حنين : " لا نغلب اليوم من قلة " . وعلاجه ما ذكرناه في الكبر ، وهو أن يتفكر في ضعفه وضعفهم ، وأن كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا ، ولا نفعا ، ثم كيف يعجب وهم سيفارقونه إذا مات ودفن وحده ذليلا مهانا ، ويسلمونه إلى البلى والحيات والعقارب ، ولا يغنون عنه شيئا . ويهربون منه يوم القيامة : ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ) [ عبس : 34 36 ] فكيف تعجب بمن يفارقك في أشد أحوالك ويهرب منك ، وكيف تتكل على من لا ينفعك وتنسى نعم من يملك نفعك وضرك ؟ .

السابع : العجب بالمال كما أخبر تعالى عن ذاك الكافر إذ قال : ( أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ) [ الكهف : 34 ] وعلاجه أن يتفكر في آفات المال وكثرة حقوقه ، وإلى أن في اليهود من يزيد عليه في المال ، وينظر إلى فضيلة الفقراء وخفة حسابهم . وكيف يتصور من المؤمن أن يعجب بماله ، ولا يخلو من تقصير في القيام بحقوق المال من أخذه من حله ووضعه في حقه ، وأن مآل المتهور في الجمع والمنع إلى الخزي والبوار .

الثامن : العجب بالرأي الخطأ ، قال تعالى : ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ) [ فاطر : 8 ] وقال تعالى : ( وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) [ الكهف : 104 ] وقد أخبر رسول الله صلوات الله عليه أن بذلك هلكت الأمم السالفة إذ افترقت فرقا وكل معجب برأيه ، و ( كل حزب بما لديهم فرحون ) [ المؤمنون : 53 والروم : 32 ] .

وعلاجه أن يتهم رأيه أبدا فلا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقلي صحيح جامع لشرط الأدلة ، ولن يعرف الإنسان أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكامن الغلط فيها إلا بقريحة تامة ، وعقل ثاقب ، وجد وتشمر في الطلب ، وممارسة للكتاب والسنة ، ومجالسة لأهل العلم طول العمر ، ومدارسة للعلوم ، ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور ، والصواب لمن لم يتفرغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في المذاهب ، بل يشتغل بالتقوى واجتناب المعاصي ، وأداء الطاعات والشفقة على المسلمين .

نسأله تعالى العصمة من الضلال ونعوذ به من الاغترار بخيالات الجهال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث