الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله

جزء التالي صفحة
السابق

من قصة صالح وثمود

قال الله (تعالى): ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين [ ص: 5460 ] فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون

بعد ذكر قصة سليمان؛ ملك الأنبياء؛ وكيف كانت حياته وملكه ونبواته معجزات متوالية؛ وكل شيء كان يجري بأمر خالد؛ ذكر - سبحانه - قصص بعض الأنبياء؛ وابتدأ من بعده بصالح؛ وهو صورة لنبي لم يكن ملكا؛ بل كان من الشعب؛ هم قومه أن يقتلوه.

وليس في قصة صالح وثمود تكرارا؛ بل ذكر فيه ما لم يذكر في غير هذا الموضع؛ ولم يذكر فيه ما ذكر في غيره؛ لم تذكر المعجزة؛ وهي الناقة؛ وما كان منهم من اعتداء عليها؛ وذكر هنا الائتمار على قتل صالح وامرأته؛ ولم ينجه منهم إلا إنزال العذاب بهم؛ وما ترك العذاب فيهم من عبر.

ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ؛ الواو استئنافية؛ أكد الله (تعالى) الإرسال؛ حيث دعت دواعيه؛ وأكده باللام؛ و " قد " ؛ وإضافة الإرسال إلى ذاته العلية؛ وذكر - سبحانه - أن الإرسال كان بإرسال أخيهم؛ أي أنه واحد منهم؛ يعرف أمرهم؛ وحالهم؛ وهو رؤوف عليهم؛ شفيق بهم؛ قد عرفوا صدقه وأمانته وحبه لهم؛ وإلفهم به؛ وكانت الرسالة هي عبادة الله (تعالى) وحده; ولذا قال: أن اعبدوا الله ؛ " أن " ؛ تفسير لمعنى الرسالة؛ وعبادة الله لا تتحقق إلا بأن تكون العبادة لله (تعالى) وحده؛ لا يشرك به شيئا؛ فإذا عبد مع الله غيره فقد أشرك؛ ولم يعبد الله (تعالى)؛ لقد كانوا يعبدون الأوثان؛ فلم يكونوا يعبدون الله؛ فكان أمرهم بعبادة الله وحده متضمنا لنهيهم عن عبادة غيره من الأوثان وغيرها؛ [ ص: 5461 ] وإن الشرك أمر تنكره العقول المستقيمة؛ وتعافه النفوس القويمة؛ ولذا كانت المفاجأة ألا يختلفوا في عبادة الله؛ فمنهم من اهتدى؛ ومنهم من حقت عليه الضلالة؛ ولذا قال (تعالى): فإذا هم فريقان يختصمون ؛ الفاء؛ و " إذا " ؛ للمفاجأة؛ الفاء واقعة لترتيب ما بعدها؛ على نقيض ما قبلها؛ ولذا كانت المفاجأة بها؛ وبـ " إذا " ؛ بعدها؛ " فريقان " ؛ فريق أطاع واهتدى؛ وفريق ضل وغوى؛ وهم يختصمون؛ أي يختلفون؛ ويكون كل فريق خصما للآخر؛ يجادله لإثبات الحق والدعوة إلى الحق؛ ويستمسك الباقون على شركهم بما كان عليه آباؤهم.

وقد أنذر صالح الضالين بالعذاب الشديد؛ وأن الله (تعالى) آخذ بالنواصي؛ فقالوا - كما في آيات أخرى -: " ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " ؛ ولكنه يرجو لهم الهداية بدل العذاب.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث