الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم

( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ) .

قوله تعالى : ( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ) .

اعلم أن الكاف في "كذلك" للتشبيه ، فقيل : وجه التشبيه أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك في أمة قد خلت من قبلها أمم ، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ، وقيل : كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتبا تتلى عليهم ، كذلك أعطيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فماذا اقترحوا غيره ، وقال صاحب الكشاف : "كذلك أرسلناك" أي مثل ذلك الإرسال "أرسلناك" يعني أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات ، ثم فسر كيف أرسله ، فقال : ( في أمة قد خلت من قبلها أمم ) أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم ، فهي آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء .

أما قوله : ( لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ) فالمراد : لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك : ( وهم يكفرون بالرحمن ) أي : وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن الذي رحمته وسعت كل شيء ، وما بهم من نعمة فمنه ، وكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز عليهم : ( قل هو ربي ) الواحد المتعالي عن الشركاء ( لا إله إلا هو عليه توكلت ) في نصرتي عليكم ( وإليه متاب ) فيعينني على مصابرتكم ومجاهدتكم ، قيل : نزل قوله : ( وهم يكفرون بالرحمن ) في عبد الله بن أمية المخزومي ، وكان يقول : أما الله فنعرفه ، وأما الرحمن فلا نعرفه إلا صاحب اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ؛ فقال تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) [الإسراء : 110] وكقوله : [ ص: 42 ] ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ) [الفرقان : 60] وقيل : إنه عليه السلام حين صالح قريشا من الحديبية كتب : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ، فقال المشركون : إن كنت رسول الله وقد قاتلناك فقد ظلمنا ، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، فكتب كذلك ، ولما كتب في الكتاب "بسم الله الرحمن الرحيم" قالوا : أما الرحمن فلا نعرفه ، وكانوا يكتبون باسمك اللهم ، فقال عليه السلام : "اكتبوا ما تريدون".

واعلم أن قوله : ( وهم يكفرون بالرحمن ) إذا حملناه على هاتين الروايتين كان معناه أنهم كفروا بإطلاق هذا الاسم على الله تعالى ، لا أنهم كفروا بالله تعالى ، وقال آخرون : بل كفروا بالله إما جحدا له وإما لإثباتهم الشركاء معه ، قال القاضي : وهذا القول أليق بالظاهر ؛ لأن قوله تعالى : ( وهم يكفرون بالرحمن ) يقتضي أنهم كفروا بالله ، وهو المفهوم من الرحمن ، وليس المفهوم منه الاسم كما لو قال قائل : كفروا بمحمد وكذبوا به لكان المفهوم هو دون اسمه.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث