الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل كون السلف أعلم ممن بعدهم وأحكم ومخالفهم أحق بالجهل

[ ص: 1 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

سئل شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية قدس الله روحه ما قولكم في مذهب السلف في الاعتقاد ومذهب غيرهم من المتأخرين ؟ ما الصواب منهما ؟ وما تنتحلونه أنتم من المذهبين ؟ وفي أهل الحديث : هل هم أولى بالصواب من غيرهم ؟ وهل هم المرادون بالفرقة الناجية ؟ وهل حدث بعدهم علوم جهلوها وعلمها غيرهم ؟ .

[ ص: 9 ]

التالي السابق


فأجاب : - الحمد لله . هذه المسائل بسطها يحتمل مجلدات لكن نشير إلى المهم منها والله الموفق .

قال الله تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } . وقد شهد الله لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان بالإيمان . فعلم قطعا أنهم المراد بالآية الكريمة فقال تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } وقال تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } .

فحيث تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم . فمن سبيلهم في الاعتقاد : " الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه " التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها ولا تفسير لها ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها ولا تشبيه لها بصفات المخلوقين ; ولا سمات المحدثين بل أمروها كما جاءت وردوا علمها إلى قائلها ; ومعناها إلى المتكلم بها .

وقال بعضهم - ويروى عن الشافعي - : " آمنت بما جاء عن الله وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله " .

وعلموا أن المتكلم بها صادق لا شك في صدقه فصدقوه ولم يعلموا حقيقة معناها فسكتوا عما لم يعلموه . وأخذ ذلك الآخر عن الأول ووصى بعضهم [ ص: 3 ] بعضا بحسن الاتباع والوقوف حيث وقف أولهم وحذروا من التجاوز لهم والعدول عن طريقتهم وبينوا لنا سبيلهم ومذهبهم ونرجو أن يجعلنا الله تعالى ممن اقتدى بهم في بيان ما بينوه ; وسلوك الطريق الذي سلكوه .

والدليل على أن مذهبهم ما ذكرناه : أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم نقل مصدق لها مؤمن بها قابل لها ; غير مرتاب فيها ; ولا شاك في صدق قائلها ولم يفسروا ما يتعلق بالصفات منها ولا تأولوه ولا شبهوه بصفات المخلوقين إذ لو فعلوا شيئا من ذلك لنقل عنهم ولم يجز أن يكتم بالكلية . إذ لا يجوز التواطؤ على كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته لجريان ذلك في القبح مجرى التواطؤ على نقل الكذب وفعل ما لا يحل .

بل بلغ من مبالغتهم في السكوت عن هذا : أنهم كانوا إذا رأوا من يسأل عن المتشابه بالغوا في كفه تارة بالقول العنيف ; وتارة بالضرب وتارة بالإعراض الدال على شدة الكراهة لمسألته . ولذلك لما بلغ عمر - رضي الله عنه - أن صبيغا يسأل عن المتشابه أعد له عراجين النخل فبينما عمر يخطب قام فسأله عن : { والذاريات ذروا } { فالحاملات وقرا } وما بعدها . فنزل عمر فقال : " لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف " ثم أمر به فضرب ضربا شديدا وبعث به إلى البصرة وأمرهم أن لا يجالسوه فكان بها كالبعير الأجرب لا يأتي مجلسا إلا قالوا : " عزمة أمير المؤمنين " فتفرقوا عنه حتى تاب وحلف بالله ما بقي يجد مما كان في نفسه شيئا فأذن عمر في مجالسته [ ص: 4 ] فلما خرجت الخوارج أتي فقيل له : هذا وقتك فقال : لا نفعتني موعظة العبد الصالح .

ولما سئل " مالك بن أنس " - رحمه الله تعالى - فقيل له : يا أبا عبد الله { الرحمن على العرش استوى } كيف استوى ؟ فأطرق مالك وعلاه الرحضاء - يعني العرق - وانتظر القوم ما يجيء منه فيه . فرفع رأسه إلى السائل وقال : " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأحسبك رجل سوء " . وأمر به فأخرج .

ومن أول الاستواء بالاستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك وسلك غير سبيله . وهذا الجواب من مالك - رحمه الله - في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات . مثل النزول والمجيء واليد والوجه وغيرها .

فيقال في مثل النزول : النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة .

وهكذا يقال في سائر الصفات إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة .

وثبت عن محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - أنه قال : " اتفق الفقهاء كلهم من الشرق والغرب : على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا [ ص: 5 ] وصف ولا تشبيه فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة . فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا . فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة " انتهى .

فانظر - رحمك الله - إلى هذا الإمام كيف حكى الإجماع في هذه المسألة ولا خير فيما خرج عن إجماعهم . ولو لزم التجسيم من السكوت عن تأويلها لفروا منه . وأولوا ذلك ; فإنهم أعرف الأمة بما يجوز على الله وما يمتنع عليه .

وثبت عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال : " إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم - تبارك وتعالى - بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله وشهد له بها رسوله ; على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقله العدول الثقات . ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه ولا يكيفونها تكييف المشبه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية .

وقد أعاذ الله " أهل السنة " من التحريف والتكييف ومن عليهم بالتفهيم والتعريف حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه واكتفوا بنفي النقائص بقوله عز من قائل : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وبقوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } " .

وقال سعيد بن جبير : " ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين " .

وثبت عن الربيع بن سليمان أنه قال : سألت الشافعي - رحمه الله تعالى - [ ص: 6 ] عن صفات الله تعالى ؟ فقال : " حرام على العقول أن تمثل الله تعالى ; وعلى الأوهام أن تحده وعلى الظنون أن تقطع ; وعلى النفوس أن تفكر ; وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه أو على لسان نبيه " عليه الصلاة والسلام .

وثبت عن الحسن البصري أنه قال : " لقد تكلم مطرف على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله ولا يقال بعده . قالوا : وما هو يا أبا سعيد ؟ قال : " الحمد لله الذي من الإيمان به : الجهل بغير ما وصف به نفسه " .

وقال سحنون " من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه " .

وثبت عن الحميدي أبي بكر عبد الله بن الزبير - أنه قال : " أصول السنة " - فذكر أشياء - ثم قال : وما نطق به القرآن والحديث مثل : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم } ومثل : { والسماوات مطويات بيمينه } وما أشبه هذا من القرآن والحديث لا نزيد فيه ولا نفسره ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة ونقول : { الرحمن على العرش استوى } ومن زعم غير هذا فهو جهمي " .

فمذهب السلف رضوان الله عليهم إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها . لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات وإثبات الذات إثبات وجود ; لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات . وعلى [ ص: 7 ] هذا مضى السلف كلهم . ولو ذهبنا نذكر ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لخرجنا عن المقصود في هذا الجواب .

فمن كان قصده الحق وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه ومن كان قصده الجدال والقيل والقال والمكابرة لم يزده التطويل إلا خروجا عن سواء السبيل والله الموفق .

وقد ثبت ما ادعيناه من مذهب السلف رضوان الله عليهم بما نقلناه جملة عنهم وتفصيلا واعتراف العلماء من أهل النقل كلهم بذلك . ولم أعلم عن أحد منهم خلافا في هذه المسألة بل لقد بلغني عمن ذهب إلى التأويل لهذه الآيات والأخبار من أكابرهم : الاعتراف بأن مذهب السلف فيها ما قلناه . ورأيته لبعض شيوخهم في كتابه قال : " اختلف أصحابنا في أخبار الصفات فمنهم من أمرها كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل مع نفي التشبيه عنها . وهو مذهب السلف " فحصل الإجماع على صحة ما ذكرناه بقول المنازع والحمد لله .

وما أحسن ما جاء عن " عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة " أنه قال : " عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة . فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطإ والحمق والتعمق . فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم . فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا . ولهم كانوا على كشفها أقوى . وبتفصيلها لو كان فيها أحرى [ ص: 8 ] وإنهم لهم السابقون وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة ; فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه ولئن قلتم حدث حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم ; وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان .

ولقد وصفوا منه ما يكفي ; وتكلموا منه بما يشفي . فمن دونهم مقصر ; ومن فوقهم مفرط . لقد قصر دونهم أناس فجفوا ; وطمح آخرون فغلوا ; وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم " .



[ ص: 9 ] فصل وأما كونهم أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل والحشو . فنبين ذلك بالقياس المعقول ; من غير احتجاج بنفس الإيمان بالرسول كما قال الله : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } فأخبر : أنه سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق . ثم قال : { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } أي بإخبار الله ربك في القرآن وشهادته بذلك .

فنقول : من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم . فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى ; مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق ونحو ذلك . وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها : فهم أكمل الناس عقلا ; وأعدلهم قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا وأتمهم فراسة وأصدقهم إلهاما وأحدهم بصرا ومكاشفة وأصوبهم سمعا [ ص: 10 ] ومخاطبة وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا . وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل .

فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلا وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين . وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه قال تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } وقال : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا } { وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما } { ولهديناهم صراطا مستقيما }

. وهذا يعلم تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم فلا تجد مسألة خولفوا فيها إلا وقد تبين أن الحق معهم . وتارة بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم إلى غيرهم أو بشهادتهم على مخالفيهم بالضلال والجهل . وتارة بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض . وتارة بأن كل طائفة تعتصم بهم فيما خالفت فيه الأخرى وتشهد بالضلال على كل من خالفها أعظم مما تشهد به عليهم .

فأما شهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض : فهذا أمر ظاهر معلوم بالحس والتواتر لكل من سمع كلام المسلمين لا تجد في الأمة عظم أحد تعظيما أعظم مما عظموا به ولا تجد غيرهم يعظم إلا بقدر ما وافقهم فيه كما لا ينقص إلا بقدر ما خالفهم .

[ ص: 11 ] حتى إنك تجد المخالفين لهم كلهم وقت الحقيقة يقر بذلك كما قال الإمام أحمد : " آية ما بيننا وبينهم يوم الجنائز " فإن الحياة بسبب اشتراك الناس في المعاش يعظم الرجل طائفته فأما وقت الموت فلا بد من الاعتراف بالحق من عموم الخلق . ولهذا لم يعرف في الإسلام مثل جنازته : مسح المتوكل موضع الصلاة عليه فوجد ألف ألف وستمائة ألف ; سوى من صلى في الخانات والبيوت وأسلم يومئذ من اليهود والنصارى عشرون ألفا . وهو إنما نبل عند الأمة باتباع الحديث والسنة .

وكذلك الشافعي وإسحاق وغيرهما إنما نبلوا في الإسلام باتباع أهل الحديث والسنة . وكذلك البخاري وأمثاله إنما نبلوا بذلك وكذلك مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وغيرهم إنما نبلوا في عموم الأمة وقبل قولهم لما وافقوا فيه الحديث والسنة وما تكلم فيمن تكلم فيه منهم إلا بسبب المواضع التي لم يتفق له متابعتها من الحديث والسنة إما لعدم بلاغها إياه أو لاعتقاده ضعف دلالتها أو رجحان غيرها عليها .

وكذلك المسائل الاعتقادية الخبرية ; لم ينبل أحد من الطوائف ورءوسهم عند الأمة إلا بما معه من الإثبات والسنة فالمعتزلة أولا - وهم فرسان الكلام - إنما يحمدون ويعظمون عند أتباعهم وعند من يغضي عن مساوئهم لأجل محاسنهم عند المسلمين بما وافقوا فيه مذهب أهل الإثبات والسنة والحديث وردهم على الرافضة بعض ما خرجوا فيه عن السنة والحديث : من إمامة الخلفاء [ ص: 12 ] وعدالة الصحابة وقبول الأخبار وتحريف الكلم عن مواضعه والغلو في علي ونحو ذلك .

وكذلك الشيعة المتقدمون كانوا يرجحون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من إثبات الصفات والقدر والشفاعة ونحو ذلك وكذلك كانوا يستحمدون بما خالفوا فيه الخوارج من تكفير علي وعثمان وغيرهما وما كفروا به المسلمين من الذنوب ويستحمدون بما خالفوا فيه المرجئة من إدخال الواجبات في الإيمان . ولهذا قالوا بالمنزلة وإن لم يهتدوا إلى السنة المحضة .

وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الكلابية والكرامية والأشعرية إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه من أصول الإيمان من إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب وبيان تناقض حججهم وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة ; والرافضة والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة .

فحسناتهم نوعان : إما موافقة أهل السنة والحديث . وإما الرد على من خالف السنة والحديث ببيان تناقض حججهم .

ولم يتبع أحد مذهب الأشعري ونحوه إلا لأحد هذين الوصفين أو كليهما . وكل من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنما يحبه وينتصر له [ ص: 13 ] بذلك . فالمصنف في مناقبه الدافع للطعن واللعن عنه - كالبيهقي ; والقشيري أبي القاسم ; وابن عساكر الدمشقي - إنما يحتجون لذلك بما يقوله من أقوال أهل السنة والحديث أو بما رده من أقوال مخالفيهم لا يحتجون له عند الأمة وعلمائها وأمرائها إلا بهذين الوصفين ولولا أنه كان من أقرب بني جنسه إلى ذلك لألحقوه بطبقته الذين لم يكونوا كذلك كشيخه الأول " أبي علي " ; وولده " أبي هاشم " .

لكن كان له من موافقة مذهب السنة والحديث في الصفات ; والقدر والإمامة ; والفضائل والشفاعة والحوض والصراط والميزان وله من الردود على المعتزلة والقدرية ; والرافضة والجهمية وبيان تناقضهم : ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك ; ويعرف له حقه وقدره { قد جعل الله لكل شيء قدرا } وبما وافق فيه السنة والحديث صار له من القبول والأتباع ما صار . لكن الموافقة التي فيها قهر المخالف وإظهار فساد قوله : هي من جنس المجاهد المنتصر .

فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان " يحيى بن يحيى " يقول : " الذب عن السنة أفضل من الجهاد " والمجاهد قد يكون عدلا في سياسته وقد لا يكون وقد يكون فيه فجور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " { إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم } " ولهذا مضت السنة بأن يغزى مع كل أمير برا كان أو فاجرا والجهاد عمل مشكور لصاحبه في الظاهر لا محالة [ ص: 14 ] وهو مع النية الحسنة مشكور باطنا وظاهرا ووجه شكره : نصره للسنة والدين فهكذا المنتصر للإسلام والسنة يشكر على ذلك من هذا الوجه .

فحمد الرجال عند الله ورسوله وعباده المؤمنين بحسب ما وافقوا فيه دين الله وسنة رسوله وشرعه من جميع الأصناف ; إذ الحمد إنما يكون على الحسنات . والحسنات : هي ما وافق طاعة الله ورسوله من التصديق بخبر الله والطاعة لأمره . وهذا هو السنة . فالخير كله - باتفاق الأمة - هو فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .

وكذلك ما يذم من يذم من المنحرفين عن السنة والشريعة وطاعة الله ورسوله إلا بمخالفة ذلك .

ومن تكلم فيه من العلماء والأمراء وغيرهم إنما تكلم فيه أهل الإيمان بمخالفته السنة والشريعة .

وبهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام والمتكلمين الصفاتية كابن كرام ; وابن كلاب والأشعري . وما تكلم فيه من تكلم من أعيان الأمة وأئمتها المقبولين فيها من جميع طوائف الفقهاء ; وأهل الحديث والصوفية إلا بما يقولون إنهم خالفوا فيه السنة والحديث لخفائه عليهم أو إعراضهم عنه أو لاقتضاء أصل قياس - مهدوه - رد ذلك كما يقع نحو ذلك في المسائل العلمية .

[ ص: 15 ] فإن مخالفة المسلم الصحيح الإيمان النص إنما يكون لعدم علمه به أو لاعتقاده صحة ما عارضه لكن هو فيما ظهر من السنة وعظم أمره يقع بتفريط من المخالف وعدوان فيستحق من الذم ما لا يستحقه في النص الخفي وكذلك فيما يوقع الفرقة والاختلاف ; يعظم فيه أمر المخالفة للسنة .

ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر ; حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة . فلعنوا الكلابية والأشعرية : كما كان في مملكة الأمير " محمود بن سبكتكين " وفي دولة السلاجقة ابتداء وكذلك الخليفة القادر ; ربما اهتم بذلك واستشار المعتزلة من الفقهاء ورفعوا إليه أمر القاضي " أبي بكر " ونحوه وهموا به حتى كان يختفي وإنما تستر بمذهب الإمام أحمد وموافقته ثم ولى النظام وسعوا في رفع اللعنة واستفتوا من استفتوه من فقهاء العراق كالدامغاني الحنفي وأبي إسحاق الشيرازي وفتواهما حجة على من بخراسان من الحنفية والشافعية . وقد قيل : إن أبا إسحاق استعفى من ذلك فألزموه وأفتوا بأنه لا يجوز لعنتهم ويعزر من يلعنهم وعلل الدامغاني : بأنهم طائفة من المسلمين . وعلل أبو إسحاق - مع ذلك - : بأن لهم ذبا وردا على أهل البدع المخالفين للسنة فلم يمكن المفتي أن يعلل رفع الذم إلا بموافقة السنة والحديث .

وكذلك رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد فتوى طويلة فيها أشياء حسنة قد سئل بها عن مسائل متعددة قال فيها : - [ ص: 16 ] ولا يجوز شغل المساجد بالغناء والرقص ومخالطة المردان ويعزر فاعله تعزيرا بليغا رادعا وأما لبس الحلق والدمالج والسلاسل والأغلال والتختم بالحديد والنحاس فبدعة وشهرة . وشر الأمور محدثاتها وهي لهم في الدنيا وهي لباس أهل النار وهي لهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك . ولا يجوز السجود لغير الله من الأحياء والأموات ولا تقبيل القبور ويعزر فاعله .

ومن لعن أحدا من المسلمين عزر على ذلك تعزيرا بليغا . والمؤمن لا يكون لعانا وما أقر به من عود اللعنة عليه قال : ولا تحل الصلاة عند القبور ولا المشي عليها من الرجال والنساء ولا تعمل مساجد للصلاة فإنه " { اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } "

. قال : وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية فمن لعنهم عزر . وعادت اللعنة عليه فمن لعن من ليس أهلا للعنة وقعت اللعنة عليه . والعلماء أنصار فروع الدين والأشعرية أنصار أصول الدين .

قال : وأما دخولهم النيران فمن لا يتمسك بالقرآن فإنه فتنة لهم ومضلة لمن يراهم كما يفتتن الناس بما يظهر على يدي الدجال فإنه من ظهر على يديه خارق فإنه يوزن بميزان الشرع فإن كان على الاستقامة كان ما ظهر على يديه كرامة ومن لم يكن على الاستقامة كان ذلك فتنة كما يظهر على يدي الدجال من إحياء الميت وما يظهر من جنته وناره . فإن الله يضل من لا خلاق له بما يظهر على يدي هؤلاء .

[ ص: 17 ] وأما من تمسك بالشرع الشريف : فإنه لو رأى من هؤلاء من يطير في الهواء ; أو يمشي على الماء ; فإنه يعلم أن ذلك فتنة للعباد . انتهى .

فالفقيه أبو محمد أيضا إنما منع اللعن وأمر بتعزير اللاعن لأجل ما نصروه من " أصول الدين " وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسنة والحديث والرد على من خالف القرآن والسنة والحديث . ولهذا كان الشيخ أبو إسحاق يقول : " إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة " وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد ولهذا قال أبو القاسم بن عساكر في مناقبه : " ما زالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين حتى حدثت فتنة " ابن القشيري " ثم بعد حدوث الفتنة وقبلها لا تجد من يمدح الأشعري بمدحة ; إلا إذا وافق السنة والحديث ولا يذمه من يذمه إلا بمخالفة السنة والحديث .

وهذا إجماع من جميع هذه الطوائف على تعظيم السنة والحديث واتفاق شهاداتهم على أن الحق في ذلك .

ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم ممن هو دونه . فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة كان عندهم أعظم من أتباعه والقاضي " أبو بكر بن الباقلاني " لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره . وأما مثل الأستاذ أبي المعالي ; [ ص: 18 ] وأبي حامد ; ونحوهما ممن خالفوا أصوله في مواضع فلا تجدهم يعظمون إلا بما وافقوا فيه السنة والحديث وأكثر ذلك تقلدوه من مذهب الشافعي في الفقه الموافق للسنة والحديث ومما ذكروه في الأصول مما يوافق السنة والحديث وما ردوه مما يخالف السنة والحديث . وبهذا القدر ينتحلون السنة وينحلونها وإلا لم يصح ذلك .

وكانت الرافضة والقرامطة - علماؤها وأمراؤها - قد استظهرت في أوائل الدولة السلجوقية حتى غلبت على الشام والعراق وأخرجت الخليفة القائم ببغداد إلى تكريت وحبسوه بها في فتنة البساسيري المشهورة فجاءت بعد ذلك السلجوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق وقهروهم بخراسان وحجروهم بمصر . وكان في وقتهم من الوزراء مثل : " نظام الملك " ومن العلماء مثل : " أبي المعالي الجويني " فصاروا بما يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة بحسب ذلك .

وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقوه : " كأبي الوليد الباجي " والقاضي " أبي بكر بن العربي " ونحوهما لا يعظمون إلا بموافقة السنة والحديث وأما الأكابر : مثل " ابن حبيب " و " ابن سحنون " ونحوهما ; فلون آخر .

وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة [ ص: 19 ] السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل " القدر " و " الإرجاء " ونحو ذلك بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة . وكذلك ما ذكره في " باب الصفات " فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث لكونه يثبت في الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ويقول إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن وغيرها ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك .

لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن والصفات وإن كان " أبو محمد بن حزم " في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره لكن قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى .

وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لا باطن له كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق وكما نفى خرق العادات ونحوه من عبادات القلوب . مضموما إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر والإسراف في نفي المعاني ودعوى متابعة الظواهر .

وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا مكابر ; ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال ; [ ص: 20 ] والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره . فالمسألة التي يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح . وله من التمييز بين الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء .

وتعظيم أئمة الأمة وعوامها للسنة والحديث وأهله في الأصول والفروع من الأقوال والأعمال : أكثر من أن يذكر هنا . وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك مثل : دولة المهدي والرشيد ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين . كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر وأهل البدع أذل وأقل . فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصي عدده إلا الله ، والرشيد كان كثير الغزو والحج .

وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " { الفتنة هاهنا } " ; ظهر حينئذ كثير من البدع وعربت أيضا إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم - من المجوس الفرس والصابئين الروم والمشركين الهند - وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس وأحسنهم إيمانا وعدلا وجودا فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك .

وكان خلفاء بني العباس أحسن تعاهدا للصلوات في أوقاتها من بني أمية [ ص: 21 ] فإن أولئك كانوا كثير الإضاعة لمواقيت الصلاة كما جاءت فيهم الأحاديث : " { سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة } " . لكن كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة وكانت الشريعة أعز وأظهر وكان القيام بجهاد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين أعظم .

وفي دولة " أبي العباس المأمون " ظهر " الخرمية " ونحوهم من المنافقين وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة .

فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين وقوي ما قوي من حال المشركين وأهل الكتاب ; كان من أثر ذلك : ما ظهر من استيلاء الجهمية ; والرافضة ; وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة . وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلا وعدلا وإنما هو جهل وظلم إذ التسوية بين المؤمن والمنافق ; والمسلم والكافر أعظم الظلم وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل فتولد من ذلك محنة الجهمية حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى مما يطول وصفه .

وكان في أيام " المتوكل " قد عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط [ ص: 22 ] العمرية ; وألزموا الصغار فعزت السنة والجماعة وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم . وكذلك في أيام " المعتضد " والمهدي والقادر وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم . وكان الإسلام في زمنهم أعز وكانت السنة بحسب ذلك .

وفي دولة " بني بويه " ونحوهم : الأمر بالعكس فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة . قوم منهم زنادقة وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم . فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك وجرت حوادث كثيرة .

ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه : كان الإسلام والسنة في مملكته أعز فإنه غزا المشركين من أهل الهند ونشر من العدل ما لم ينشره مثله . فكانت السنة في أيامه ظاهرة والبدع في أيامه مقموعة .

وكذلك السلطان " نور الدين محمود " الذي كان بالشام ; عز أهل الإسلام والسنة في زمنه وذل الكفار وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرهما من الرافضة والجهمية ونحوهم . وكذلك ما كان في زمنه من خلافة بني العباس [ ص: 23 ] ووزارة ابن هبيرة لهم فإنه كان من أمثل وزراء الإسلام . ولهذا كان له من العناية بالإسلام والحديث ما ليس لغيره .

وما يوجد من إقرار أئمة الكلام والفلسفة وشهادتهم على أنفسهم وعلى بني جنسهم بالضلال ومن شهادة أئمة الكلام والفلسفة بعضهم على بعض كذلك ; فأكثر من أن يحتمله هذا الموضع وكذلك ما يوجد من رجوع أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم كثير وأئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد لأن " الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد " وكذلك ما يوجد من شهادتهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال . وهذا باب واسع كما قدمناه .

وجميع الطوائف المتقابلة من أهل الأهواء تشهد لهم بأنهم أصلح من الآخرين وأقرب إلى الحق فنجد كلام أهل النحل فيهم وحالهم معهم بمنزلة كلام أهل الملل مع المسلمين وحالهم معهم .

وإذا قابلنا بين الطائفتين - أهل الحديث وأهل الكلام - فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول : إنما يعيبهم بقلة المعرفة ; أو بقلة الفهم . أما الأول : فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة ; أو بآثار لا تصلح للاحتجاج . وأما الثاني : فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة بل قد يقولون القولين المتناقضين ولا يهتدون للخروج من ذلك .

[ ص: 24 ] والأمر راجع إلى شيئين : - إما زيادة أقوال غير مفيدة يظن أنها مفيدة كالأحاديث الموضوعة وإما أقوال مفيدة لكنهم لا يفهمونها إذ كان اتباع الحديث يحتاج أولا إلى صحة الحديث . وثانيا إلى فهم معناه كاتباع القرآن . فالخلل يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين . ومن عابهم من الناس فإنما يعيبهم بهذا .

ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل " الأصول والفروع " وبآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه وربما تأولوه على غير تأويله ; ووضعوه على غير موضعه .

ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ويبدعون أقواما من أعيان الأمة ويجهلونهم ففي بعضهم من التفريط في الحق والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا وقد يكون منكرا من القول وزورا وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم وقد رأيت من هذا عجائب .

لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل ولا ريب أن في كثير من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه إلا من أحاط بكل شيء علما لكن كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم [ ص: 25 ] أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم .

وبيان ذلك : أن ما ذكر من فضول الكلام الذي لا يفيد مع اعتقاد أنه طريق إلى التصور والتصديق - هو في أهل الكلام والمنطق أضعاف أضعاف أضعاف ما هو في أهل الحديث ; فبإزاء احتجاج أولئك بالحديث الضعيف احتجاج هؤلاء بالحدود والأقيسة الكثيرة العقيمة ; التي لا تفيد معرفة ; بل تفيد جهلا وضلالا وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها تكلف هؤلاء من القول بغير علم ما هو أعظم من ذلك وأكثر وما أحسن قول الإمام أحمد : " ضعيف الحديث خير من رأي فلان " .

ثم لأهل الحديث من المزية : أن ما يقولونه من الكلام الذي لا يفهمه بعضهم هو كلام في نفسه حق وقد آمنوا بذلك وأما المتكلمة : فيتكلفون من القول ما لا يفهمونه ولا يعلمون أنه حق وأهل الحديث لا يستدلون بحديث ضعيف في نقض أصل عظيم من أصول الشريعة بل إما في تأييده ; وإما في فرع من الفروع وأولئك يحتجون بالحدود والمقاييس الفاسدة في نقض الأصول الحقة الثابتة .



إذا عرف هذا فقد قال الله تعالى عن أتباع الأئمة من أهل الملل المخالفين للرسل : { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم } وقال تعالى : [ ص: 26 ] { يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول } إلى قوله : { والعنهم لعنا كبيرا } ومثل هذا في القرآن كثير .

وإذا كانت " سعادة الدنيا والآخرة " هي باتباع المرسلين . فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك : هم أعلمهم بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة . فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول ; مما يجهله غيرهم أو يكذب به .

والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - عليهم البلاغ المبين وقد بلغوا البلاغ المبين . وخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم أنزل الله كتابه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ; فهو الأمين على جميع الكتب وقد بلغ أبين البلاغ وأتمه وأكمله وكان أنصح الخلق لعباد الله وكان بالمؤمنين رءوفا رحيما بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين . فأسعد الخلق وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة : أعظمهم اتباعا وموافقة له علما وعملا .

وأما غير أتباعه من أهل الكلام ; فالكلام في أقيستهم التي هي حججهم [ ص: 27 ] وبراهينهم على معارفهم وعلومهم وهذا يدخل فيه كل من خالف شيئا من السنة والحديث ; من المتكلمين والفلاسفة . فالكلام في هذا المقام واسع لا ينضبط هنا لكن المعلوم من حيث الجملة : أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوا وقولا للباطل وتكذيبا للحق في مسائلهم ودلائلهم ; لا يكاد - والله أعلم - تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك .

وأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم - وأنا إذ ذاك صغير قريب العهد من الاحتلام - كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل إما في الدلائل وإما في المسائل إما أن يقولوا مسألة تكون حقا لكن يقيمون عليها أدلة ضعيفة وإما أن تكون المسألة باطلا . فأخذ ذلك المشغوف بهم يعظم هذا وذكر " مسألة التوحيد " فقلت : التوحيد حق . لكن اذكر ما شئت من أدلتهم التي تعرفها حتى أذكر لك ما فيه . فذكر بعضها بحروفه حتى فهم الغلط وذهب إلى ابنه - وكان أيضا من المتعصبين لهم - فذكر ذلك له قال فأخذ يعظم ذلك علي فقلت : أنا لا أشك في التوحيد ولكن أشك في هذا الدليل المعين .

ويدلك على ذلك أمور : - أحدها : أنك تجدهم أعظم الناس شكا واضطرابا وأضعف الناس علما ويقينا وهذا أمر يجدونه في أنفسهم ويشهده الناس منهم وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر هنا . وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل ومن المعلوم : أن الاعتراض والقدح ليس بعلم ولا فيه منفعة وأحسن [ ص: 28 ] أحوال صاحبه : أن يكون بمنزلة العامي وإنما العلم في جواب السؤال . ولهذا تجد غالب حججهم تتكافأ إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر .

وقد قيل : إن الأشعري - مع أنه من أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم بذلك - صنف في آخر عمره كتابا في تكافؤ الأدلة يعني أدلة [ علم ] الكلام فإن ذلك هو صناعته التي يحسن الكلام فيها وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدي في طريقهم كما ذكرناه عن أبي حامد وغيره حتى قال أبو حامد الغزالي " أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام " .

وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب - باب الحيرة والشك والاضطراب - لكن هو مسرف في هذا الباب ; بحيث له نهمة في التشكيك دون التحقيق بخلاف غيره ; فإنه يحقق شيئا ويثبت على نوع من الحق لكن بعض الناس قد يثبت على باطل محض بل لا بد فيه من نوع من الحق . وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعهم في الفلسفة والكلام : ابن واصل الحموي كان يقول : " أستلقي على قفاي وأضع الملحفة على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء " ولهذا أنشد الخطابي .

حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا ; وكل كاسر مكسور فإذا كانت هذه حال حججهم فأي لغو باطل وحشو يكون أعظم من هذا ؟ [ ص: 29 ] وكيف يليق بمثل هؤلاء أن ينسبوا [ إلى الحشو ] أهل الحديث والسنة ؟ الذين هم أعظم الناس علما ويقينا وطمأنينة وسكينة ; وهم الذين يعلمون ; ويعلمون أنهم يعلمون ; وهم بالحق يوقنون لا يشكون ولا يمترون .

فأما ما أوتيه علماء أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى : فأمر يجل عن الوصف . ولكن عند عوامهم من اليقين والعلم النافع ما لم يحصل منه شيء لأئمة المتفلسفة المتكلمين . وهذا ظاهر مشهود لكل أحد .

غاية ما يقوله أحدهم : أنهم جزموا بغير دليل وصمموا بغير حجة وإنما معهم التقليد . وهذا القدر قد يكون في كثير من العامة . لكن جزم العلم غير جزم الهوى . فالجازم بغير علم يجد من نفسه أنه غير عالم بما جزم به والجازم بعلم يجد من نفسه أنه عالم ; إذ كون الإنسان عالما وغير عالم مثل كونه سامعا ومبصرا وغير سامع ومبصر فهو يعلم من نفسه ذلك : مثل ما يعلم من نفسه كونه محبا ومبغضا ومريدا وكارها ; ومسرورا ومحزونا ; ومنعما ومعذبا ; وغير ذلك . ومن شك في كونه يعلم مع كونه يعلم - فهو بمنزلة من جزم بأنه علم وهو لا يعلم وذلك نظير من شك في كونه سمع ورأى ; أو جزم بأنه سمع ورأى ما لم يسمعه ويراه .

والغلط أو الكذب يعرض للإنسان في كل واحد من طرفي النفي والإثبات لكن هذا الغلط أو الكذب العارض لا يمنع أن يكون الإنسان جازما بما لا يشك فيه من ذلك كما يجزم بما يجده من الطعوم والأراييح وإن كان قد يعرض له من الانحراف ما يجد به الحلو مرا .

[ ص: 30 ] فالأسباب العارضة لغلط الحس الباطن أو الظاهر والعقل : بمنزلة المرض العارض لحركة البدن والنفس والأصل هو الصحة في الإدراك وفي الحركة . فإن الله خلق عباده على الفطرة . وهذه الأمور يعلم الغلط فيها بأسبابها الخاصة ; كالمرة الصفراء العارضة للطعم وكالحول في العين ونحو ذلك وإلا فمن حاسب نفسه على ما يجزم به وجد أكثر الناس الذين يجزمون بما لا يجزم به إنما جزمهم لنوع من الهوى كما قال تعالى : { وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم } وقال : { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } .

ولهذا تجد اليهود يصممون ويصرون على باطلهم لما في نفوسهم من الكبر والحسد والقسوة وغير ذلك من الأهواء . وأما النصارى فأعظم ضلالا منهم وإن كانوا في العادة والأخلاق أقل منهم شرا فليسوا جازمين بغالب ضلالهم بل عند الاعتبار تجد من ترك الهوى من الطائفتين ونظر نوع نظر تبين له الإسلام حقا .

والمقصود هنا : أن معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم : مرجعه إلى وجود نفسه عالمة . ولهذا لا نحتج على منكر العلم إلا بوجودنا نفوسنا عالمة ; كما احتجوا على منكري الأخبار المتواترة بأنا نجد نفوسنا عالمة بذلك وجازمة به كعلمنا وجزمنا بما أحسسناه . وجعل المحققون وجود العلم بخبر [ من ] الأخبار هو الضابط في حصول التواتر ; إذ لم يحدوه بعدد ولا صفة ; بل متى حصل العلم كان هو المعتبر . والإنسان يجد نفسه عالمة وهذا حق .

[ ص: 31 ] فإنه لا يجوز أن يستدل الإنسان على كونه عالما بدليل فإن علمه بمقدمات ذلك الدليل يحتاج إلى أن يجد نفسه عالمة بها فلو احتاج علمه بكونه عالما إلى دليل أفضى إلى الدور أو التسلسل ; ولهذا لا يحس الإنسان بوجود العلم عند وجود سببه إن كان بديهيا ; أو إن كان نظريا إذا علم المقدمتين . وبهذا استدل على منكري إفادة النظر العلم وإن كان في هذه المسألة تفصيل ليس هذا موضعه .

فالغرض : أن من نظر في دليل يفيد العلم وجد نفسه عالمة عند علمه بذلك الدليل كما يجد نفسه سامعة رائية عند الاستماع للصوت والترائي للشمس أو الهلال أو غير ذلك . والعلم يحصل في النفس كما تحصل سائر الإدراكات والحركات بما يجعله الله من الأسباب وعامة ذلك بملائكة الله تعالى . فإن الله سبحانه ينزل بها على قلوب عباده من العلم والقوة وغير ذلك ما يشاء .

ولهذا { قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان : اللهم أيده بروح القدس } " وقال تعالى : { كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } وقال صلى الله عليه وسلم " { من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده } " وقال عبد الله بن مسعود : " كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر " وقال ابن مسعود أيضا : " إن للملك لمة وللشيطان لمة فلمة الملك : إيعاد بالخير وتصديق بالحق . ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق " وهذا الكلام الذي قاله ابن مسعود هو محفوظ [ ص: 32 ] عنه وربما رفعه بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وهو كلام جامع لأصول ما يكون من العبد من علم وعمل من شعور وإرادة .

وذلك : أن العبد له قوة الشعور والإحساس والإدراك وقوة الإرادة والحركة وإحداهما أصل الثانية مستلزمة لها . والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها . فهو بالأولى يصدق بالحق ويكذب بالباطل وبالثانية يحب النافع الملائم له ; ويبغض الضار المنافي له . والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به ومعرفة الباطل والتكذيب به ومعرفة النافع الملائم والمحبة له ومعرفة الضار المنافي والبغض له بالفطرة . فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة وما كان حقا نافعا عرفته الفطرة فأحبته واطمأنت إليه . وذلك هو المعروف وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة فأبغضته الفطرة فأنكرته . قال تعالى : { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } .

والإنسان كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " { أصدق الأسماء حارث وهمام } " فهو دائما يهم ويعمل لكنه لا يعمل إلا ما يرجو نفعه أو دفع مضرته ولكن قد يكون ذلك الرجاء مبنيا على اعتقاد باطل إما في نفس المقصود : فلا يكون نافعا ولا ضارا وإما في الوسيلة : فلا تكون طريقا إليه . وهذا جهل . وقد يعلم أن هذا الشيء يضره ويفعله ويعلم أنه ينفعه ويتركه ; لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى أو دفع ألم آخر جاهلا ظالما حيث قدم هذا على ذاك . ولهذا قال أبو العالية : " سألت أصحاب محمد [ ص: 33 ] صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } ؟ فقالوا . كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب " .

وإذا كان الإنسان لا يتحرك إلا راجيا . وإن كان راهبا خائفا لم يسع [ إلا ] في النجاة ولم يهرب [ إلا ] من الخوف فالرجاء لا يكون إلا بما يلقى في نفسه من الإيعاد بالخير الذي هو طلب المحبوب أو فوات المكروه فكل بني آدم له اعتقاد ; فيه تصديق بشيء وتكذيب بشيء وله قصد وإرادة لما يرجوه مما هو عنده محبوب ممكن الوصول إليه أو لوجود المحبوب عنده ; أو لدفع المكروه عنه .

والله خلق العبد يقصد الخير فيرجوه بعمله فإذا كذب بالحق فلم يصدق به ولم يرج الخير فيقصده ويعمل له : كان خاسرا بترك تصديق الحق وطلب الخير فكيف إذا كذب بالحق وكره إرادة الخير ؟ فكيف إذا صدق بالباطل وأراد الشر ؟ فذكر عبد الله بن مسعود أن لقلب ابن آدم لمة من الملك ولمة من الشيطان فلمة الملك تصديق بالحق وهو ما كان [ من ] غير جنس الاعتقاد الفاسد و [ لمة الشيطان ] هو تكذيب بالحق وإيعاد بالشر وهو ما كان من جنس إرادة الشر وظن وجوده : إما مع رجائه إن كان مع هوى نفس وإما مع خوفه إن كان غير محبوب لها . وكل من الرجاء والخوف مستلزم للآخر .

[ ص: 34 ] فمبدأ العلم الحق والإرادة الصالحة : من لمة الملك . ومبدأ الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة : من لمة الشيطان . قال الله تعالى : { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } وقال تعالى : { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } أي : يخوفكم أولياءه وقال تعالى : { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } .

والشيطان وسواس خناس إذا ذكر العبد ربه خنس فإذا غفل عن ذكره وسوس فلهذا كان ترك ذكر الله سببا ومبدأ لنزول الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة في القلب ومن ذكر الله تعالى : تلاوة كتابه وفهمه ومذاكرة العلم كما قال معاذ بن جبل : " ومذاكرته تسبيح " .



وقد تنازع أهل الكلام في حصول العلم في القلب عقب النظر في الدليل فقال بعضهم : ذلك على سبيل التولد . وقال المنكرون للتولد : بل ذلك بفعل الله تعالى . والنظر إما متضمن للعلم وإما موجب له . وهذا ينصره المنتسبون للسنة من المتكلمين ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وقالت المتفلسفة : بل ذلك يحصل بطريق الفيض من العقل الفعال عند استعداد النفس لقبول الفيض . وقد يزعمون أن العقل الفعال هو " جبريل " .

فأما قول القائلين " إن ذلك بفعل الله " فهو صحيح بناء على أن الله هو معلم كل علم وخالق كل شيء ; لكن هذا كلام مجمل ليس فيه بيان لنفس السبب [ ص: 35 ] الخاص وأما قول القائلين بالتولد : فبعضه حق وبعضه باطل [ فإن ] كان دعواهم أن العلم المتولد هو حاصل بمجرد قدرة العبد ; [ فذلك ] باطل قطعا ولكن هو حاصل بأمرين : قدرة العبد والسبب الآخر كالقوة التي في السهم والقبول الذي في المحل . ولا ريب أن النظر هو بسبب ولكن الشأن فيما به يتم حصول العلم .

وأما زعم المتفلسفة أنه بالعقل الفعال : فمن الخرافات التي لا دليل عليها . وأبطل من ذلك زعمهم : أن ذلك هو جبريل وزعمهم : أن كل ما يحصل في عالم العناصر من الصور الجسمانية وكمالاتها : فهو من فيضه وبسببه فهو من أبطل الباطل .

ولكن إضافتهم ذلك إلى أمور روحانية : صحيح في الجملة . فإن الله سبحانه وتعالى يدبر أمر السموات والأرض بملائكته التي هي السفراء في أمره ولفظ " الملك " يدل على ذلك . وبذلك أخبرت الأنبياء وقد شهد الكتاب والسنة من ذلك بما لا يتسع هذا الموضع لذكره كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في ملائكة تخليق الجنين وغيره .

وأما تخصيص روح واحد متصل بفلك القمر يكون هو رب هذا العالم فهذا باطل . وليس هذا موضع استقصاء ذلك ولكن لا بد أن يعلم أن المبدأ في شعور النفس وحركتها : هم الملائكة أو الشياطين فالملك يلقي التصديق بالحق والأمر بالخير والشيطان يلقي التكذيب بالحق والأمر بالشر . والتصديق والتكذيب مقرونان بنظر الإنسان ; كما أن الأمر والنهي مقرونان بإرادته .

[ ص: 36 ] فإذا كان النظر في دليل هاد - كالقرآن - وسلم من معارضات الشيطان . تضمن ذلك النظر العلم والهدى . ولهذا أمر العبد بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند القراءة . وإذا كان النظر في دليل مضل والناظر يعتقد صحته ; بأن تكون مقدمتاه أو إحداهما متضمنة للباطل أو تكون المقدمات صحيحة لكن التأليف ليس بمستقيم : فإنه يصير في القلب بذلك اعتقاد فاسد وهو غالب شبهات أهل الباطل المخالفين للكتاب والسنة من المتفلسفة والمتكلمين ونحوهم .

فإذا كان الناظر لا بد له من منظور فيه . والنظر في نفس المتصور المطلوب حكمه لا يفيد علما ; بل ربما خطر له بسبب ذلك النظر أنواع من الشبهات ; يحسبها أدلة لفرط تعطش القلب إلى معرفة حكم تلك المسألة وتصديق ذلك التصور .

وأما النظر المفيد للعلم : فهو ما كان في دليل هاد . والدليل الهادي - على العموم والإطلاق - هو " كتاب الله " و " سنة نبيه " فإن الذي جاءت به الشريعة من نوعي النظر : هو ما يفيد وينفع ويحصل الهدى وهو بذكر الله وما نزل من الحق .

فإذا أراد النظر والاعتبار في الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوب فذلك النظر في كتاب الله وتدبره ; كما قال تعالى : { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } . وقال تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } { صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور } .

وأما النظر في مسألة معينة وقضية معينة ; لطلب حكمها والتصديق بالحق فيها ; والعبد لا يعرف ما يدله على هذا أو هذا : فمجرد هذا النظر لا يفيد . بل قد يقع له تصديقات يحسبها حقا وهي باطل . وذلك من إلقاء الشيطان . وقد يقع له تصديقات تكون حقا وذلك من إلقاء الملك .

وكذلك إذا كان النظر في الدليل الهادي وهو القرآن فقد يضع الكلم مواضعه ويفهم مقصود الدليل فيهتدي بالقرآن وقد لا يفهمه أو يحرف الكلم عن مواضعه فيضل به ويكون ذلك من الشيطان . كما قال تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } وقال : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين } وقال : { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون } { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } وقال : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى } وقال : { هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } .

فالناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه وقد لا يراه لعشى في بصره وكذلك أعمى القلب .

[ ص: 38 ] وأما الناظر في المسألة : فهذا يحتاج إلى شيئين : إلى أن يظفر بالدليل الهادي وإلى أن يهتدي به وينتفع . فأمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب الهادية ويصرف عنه الأسباب المعوقة : وهو ذكر الله تعالى والغفلة عنه . فإن الشيطان وسواس خناس فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس .

و " ذكر الله " يعطي الإيمان وهو أصل الإيمان . والله سبحانه هو رب كل شيء ومليكه وهو معلم كل علم وواهبه فكما أن نفسه أصل لكل شيء موجود فذكره والعلم به أصل لكل علم وذكره في القلب .

والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد الإيمان كما قال " جندب بن عبد الله البجلي " وغيره من الصحابة : " تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا " ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه : { اقرأ باسم ربك الذي خلق } فأمره أن يقرأ باسم الله ; فتضمن هذا الأمر بذكر الله وما نزل من الحق وقال : { باسم ربك الذي خلق } { خلق الإنسان من علق } { اقرأ وربك الأكرم } { الذي علم بالقلم } { علم الإنسان ما لم يعلم } .

فذكر سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عموما وخصوصا وهو الإنسان وأنه المعلم للعلم عموما وخصوصا للإنسان وذكر التعليم بالقلم الذي هو آخر المراتب ليستلزم تعليم القول وتعليم العلم الذي في القلب .

[ ص: 39 ] وحقيقة الأمر : أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى طالب سائل فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدله كما قال : " { يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم } " وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " { اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم } " .

ومما يوضح ذلك : أن الطالب للعلم بالنظر والاستدلال والتفكر والتدبر لا يحصل له ذلك إن لم ينظر في دليل يفيده العلم بالمدلول عليه ومتى كان العلم مستفادا بالنظر فلا بد أن يكون عند الناظر من العلم المذكور الثابت في قلبه ما لا يحتاج حصوله إلى نظر ; فيكون ذلك المعلوم أصلا وسببا للتفكر الذي يطلب به معلوما آخر ولهذا كان الذكر متعلقا بالله لأنه سبحانه هو الحق المعلوم وكان التفكر في مخلوقاته كما قال الله تعالى : { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض }

. وقد جاء الأثر : " { تفكروا في المخلوق ولا تتفكروا في الخالق } " ; لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة والمقاييس وذلك يكون في الأمور المتشابهة وهي المخلوقات .

[ ص: 40 ] وأما الخالق - جل جلاله سبحانه وتعالى - فليس له شبيه ولا نظير فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه وإنما هو معلوم بالفطرة فيذكره العبد . وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه : يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة ; لا تنال بمجرد التفكير والتقدير - أعني من العلم به نفسه ; فإنه الذي لا تفكير فيه .

فأما العلم بمعاني ما أخبر به ونحو ذلك : فيدخل فيها التفكير والتقدير كما جاء به الكتاب والسنة ولهذا كان كثير من أرباب العبادة والتصوف يأمرون بملازمة الذكر ويجعلون ذلك هو باب الوصول إلى الحق . وهذا حسن إذا ضموا إليه تدبر القرآن والسنة واتباع ذلك وكثير من أرباب النظر والكلام يأمرون بالتفكر والنظر ويجعلون ذلك هو الطريق إلى معرفة الحق .

والنظر صحيح إذا كان في حق ودليل كما تقدم فكل من الطريقين فيها حق لكن يحتاج إلى الحق الذي في الأخرى ويجب تنزيه كل منهما عما دخل فيها من الباطل وذلك كله باتباع ما جاء به المرسلون ; وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع ; وبينا طرق أهل العبادة والرياضة والذكر ; وطريق أهل الكلام والنظر والاستدلال ; وما في كل منهما من مقبول ومردود ; وبينا ما جاءت به الرسالة من الطريق الكاملة الجامعة لكل حق . وليس هذا موضع بسط ذلك .

[ ص: 41 ] وإنما المقصود هنا : أن الإنسان محس بأنه عالم : يجد ذلك ويعرفه بغير واسطة أحد ; كما يحس بغير ذلك .

وحصول العلم في القلب كحصول الطعام في الجسم فالجسم يحس بالطعام والشراب ; وكذلك القلوب تحس بما يتنزل إليها من العلوم التي هي طعامها وشرابها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " { إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن } " وكما قال تعالى : { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله } وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم : كمثل غيث أصاب أرضا وكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به } " .

فضرب مثل الهدى والعلم الذي ينزل على القلوب بالماء الذي ينزل على الأرض .

وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب والمطر فله ملائكة موكلة بالهدى والعلم . هذا رزق القلوب وقوتها وهذا رزق الأجساد وقوتها قال [ ص: 42 ] الحسن البصري في قوله تعالى { ومما رزقناهم ينفقون } قال : " إن من أعظم النفقة نفقة العلم " أو نحو هذا الكلام وفي أثر آخر : " { نعمت العطية ونعمت الهدية : الكلمة من الخير يسمعها الرجل فيهديها إلى أخ له مسلم } " . وفي أثر آخر عن أبي الدرداء : " { ما تصدق عبد بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها إخوانا له مؤمنين فيتفرقون وقد نفعهم الله بها } " أو ما يشبه هذا الكلام . وعن كعب بن عجرة قال : " { ألا أهدي لك هدية ؟ فذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم } " . وروى ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { أفضل الصدقة أن يتعلم الرجل علما ثم يعلمه أخاه المسلم } " وقال معاذ بن جبل : " عليكم بالعلم فإن طلبه عبادة وتعلمه لله حسنة وبذله لأهله قربة وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة والبحث عنه جهاد ومذاكرته تسبيح " .

ولهذا كان معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء . وعكسه كاتموا العلم فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون قال طائفة من السلف : " إذا كتم الناس العلم . فعمل بالمعاصي احتبس القطر فتقول البهائم : اللهم عصاة بني آدم فإنا منعنا القطر بسبب ذنوبهم " .

وإذا كان علم الإنسان بكونه عالما مرجعه إلى وجوده ذلك وإحساسه في نفسه بذلك - وهذا أمر موجود بالضرورة - لم يكن لهم أن يخبروا عما [ ص: 43 ] في نفوس الناس : بأنه ليس بعلم بغير حجة فإن عدم وجودهم من نفوسهم ذلك لا يقتضي أن الناس لم يجدوا ذلك لا سيما إذا كان المخبرون يخبرون عن اليقين الذي في أنفسهم ; عمن لا يشكون في علمه وصدقه ومعرفته بما يقول .

وهذا حال أئمة المسلمين وسلف الأمة وحملة الحجة فإنهم يخبرون بما عندهم من اليقين والطمأنينة والعلم الضروري كما في الحكاية المحفوظة عن " نجم الدين الكبرى " لما دخل عليه متكلمان أحدهما أبو عبد الله الرازي . والآخر : من متكلمي المعتزلة وقالا : يا شيخ بلغنا : أنك تعلم علم اليقين . فقال : نعم أنا أعلم علم اليقين . فقالا : كيف يمكن ذلك ونحن من أول النهار إلى الساعة نتناظر فلم يقدر أحدنا أن يقيم على الآخر دليلا ؟ - وأظن الحكاية في تثبيت الإسلام - فقال : ما أدري ما تقولان . ولكن أنا أعلم علم اليقين فقالا : صف لنا علم اليقين فقال : علم اليقين - عندنا - واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يقولان : واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها ويستحسنان هذا الجواب .

وذلك لأن طريق أهل الكلام تقسيم العلوم إلى ضروري وكسبي أو بديهي ونظري .

فالنظري الكسبي : لا بد أن يرد إلى مقدمات ضرورية أو بديهية فتلك لا تحتاج إلى دليل وإلا لزم الدور أو التسلسل . والعلم الضروري : هو الذي [ ص: 44 ] يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه فالمرجع في كونه ضروريا إلى أنه يعجز عن دفعه عن نفسه .

فأخبر الشيخ : أن علومهم ضرورية وأنها ترد على النفوس على وجه تعجز عن دفعه فقالا له : ما الطريق إلى ذلك ؟ فقال : تتركان ما أنتما فيه وتسلكان ما أمركما الله به من الذكر والعبادة . فقال الرازي : أنا مشغول عن هذا . وقال المعتزلي : أنا قد احترق قلبي بالشبهات وأحب هذه الواردات فلزم الشيخ مدة ثم خرج من محل عبادته وهو يقوله : والله يا سيدي ما الحق إلا فيما يقوله هؤلاء المشبهة - يعني : المثبتين للصفات ; فإن المعتزلة يسمون الصفاتية مشبهة - وذلك أنه علم علما ضروريا لا يمكنه دفعه عن قلبه أن رب العالم لا بد أن يتميز عن العالم وأن يكون بائنا منه له صفات تختص به وأن هذا الرب الذي تصفه الجهمية إنما هو عدم محض .

وهذا موضع الحكاية المشهورة عن الشيخ العارف أبي جعفر الهمداني لأبي المعالي الجويني لما أخذ يقول على المنبر : كان الله ولا عرش فقال : يا أستاذ دعنا من ذكر العرش - يعني : لأن ذلك إنما جاء في السمع - أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط " يا الله " إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا ؟ قال : فلطم أبو المعالي على رأسه وقال : حيرني الهمداني حيرني الهمداني ونزل .

[ ص: 45 ] وذلك لأن نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام علم بالسمع . الذي جاءت به الرسل كما أخبر الله به في القرآن والتوراة

. وأما كونه عاليا على مخلوقاته بائنا منهم : فهذا أمر معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بني آدم .

وكل من كان بالله أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر وقلبه له أذكر كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل فالفطرة مكملة بالفطرة المنزلة فإن الفطرة تعلم الأمر مجملا والشريعة تفصله وتبينه وتشهد بما لا تستقل الفطرة به . فهذا هذا . والله أعلم .



[ ص: 46 ] فصل والحاصل : أن كل من استحكم في بدعته يرى أن قياسه يطرد ; لما فيه من التسوية بين المتماثلين عنده - وإن استلزم ذلك كثرة مخالفة النصوص - وهذا موجود في المسائل العلمية الخبرية والمسائل العملية الإرادية : تجد المتكلم قد يطرد قياسه طردا مستمرا فيكون [ في ] ظاهر الأمر أجود ممن نقضها وتجد المستن الذي شاركه في ذلك القياس قد يقول ما يناقض ذلك القياس في مواضع ; مع استشعار التناقض تارة وبدون استشعاره تارة وهو الأغلب . وربما يخيل بفروق ضعيفة فهو في نقض علته والتفريق بين المتماثلين فيها يظهر أنه دون الأول في العلم والخبرة وطرد القول وليس كذلك ; بل هو خير من الأول . فإن ذلك القياس الذي اشتركا فيه كان فاسدا في أصله : لمخالفة النص والقياس الصحيح فالذي طرده أكثر فسادا وتناقضا من هذا الذي نقضه . وهذا شأن كل من وافق غيره على قياس ليس هو في نفس الأمر بحق وكان أحدهما من النصوص في مواضع ما يخالف ذلك القياس وهذا يسميه الفقهاء في مواضع كثيرة : الاستحسان . فتجد القائلين بالاستحسان الذي تركوا فيه القياس لنص خيرا من الذين طردوا القياس وتركوا النص .

[ ص: 47 ] ولهذا يروى عن أبي حنيفة أنه قال : لا تأخذوا بمقاييس زفر فإنكم إن أخذتم بمقاييسه حرمتم الحلال وحللتم الحرام " فإن زفر كان كثير الطرد لما يظنه من القياس مع قلة علمه بالنصوص .

وكان أبو يوسف نظره بالعكس ; كان أعلم بالحديث منه ولهذا توجد المسائل التي يخالف فيها زفر أصحابه عامتها قياسية ولا يكون إلا قياسا ضعيفا عند التأمل وتوجد المسائل التي يخالف فيها أبو يوسف أبا حنيفة واتبعه محمد عليها ; عامتها اتبع فيها النصوص والأقيسة الصحيحة لأن أبا يوسف رحل بعد موت أبي حنيفة إلى الحجاز واستفاد من علم السنن التي كانت عندهم ما لم تكن مشهورة بالكوفة وكان يقول : " لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت " لعلمه بأن صاحبه ما كان يقصد إلا اتباع الشريعة لكن قد يكون عند غيره من علم السنن ما لم يبلغه .

وهذا أيضا حال كثير من الفقهاء بعضهم مع بعض فيما وافقوا عليه من قياس لم تثبت صحته بالأدلة المعتمدة فإن الموافقة فيه توجب طرده ثم أهل النصوص قد ينقضونه والذين لا يعلمون النصوص يطردونه .

وكذلك هذه حال أكثر متكلمة أهل الإثبات مع متكلمة النفاة ; في مسائل الصفات والقدر وغير ذلك قد يوافقونهم على قياس فيه نفي ثم يطرده أولئك فينفون به ما أثبتته النصوص والمثبتة لا تفعل ذلك [ ص: 48 ] بل لا بد من القول بموجب النص فربما قالوا ببعض معناها وربما فرقوا بفرق ضعيف .

وأصل ذلك : موافقة أولئك على القياس الضعيف وذلك في مثل مسائل الجسم والجوهر وغير ذلك .

وهكذا تجد هذا حال من أعان ظالما في الأفعال فإن الأفعال لا تقع إلا عن إرادة ; فالظالم يطرد إرادته فيصيب من أعانه أو يصيب ظلما لا يختاره هذا فيريد المعين أن ينقض الطرد ويخص علته ولهذا يقال : من أعان ظالما بلي به وهذا عام في جميع الظلمة من أهل الأقوال والأعمال ; وأهل البدع والفجور . وكل من خالف الكتاب والسنة من خبر أو أمر أو عمل فهو ظالم .

فإن الله أرسل رسله ليقوم الناس بالقسط ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم وقد بين الله سبحانه له من القسط ما لم يبينه لغيره وأقدره على ما لم يقدر عليه غيره فصار يفعل ويأمر بما لا يأمر به غيره ويفعله

. وذلك أن بني آدم في كثير من المواضع قد لا يعلمون حقيقة القسط ولا يقدرون على فعله بل ما كان إليه أقرب وبه أشبه كان أمثل وهي الطريقة المثلى وقد بسطنا هذا في مواضع قال تعالى : { وأقيموا الوزن بالقسط } وقال : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقال : { فاتقوا الله ما استطعتم } وقال صلى الله عليه وسلم " { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } " .

والمقصود : أن ما عند عوام المؤمنين وعلمائهم أهل السنة والجماعة من المعرفة واليقين والطمأنينة والجزم الحق والقول الثابت والقطع بما هم عليه أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل والدين .

وهب أن المخالف لا يسلم ذلك فلا ريب أنهم يخبرون عن أنفسهم بذلك ويقولون : إنهم يجدون ذلك . وهو وطائفته يخبرون بضد ذلك ولا يجدون عندهم إلا الريب . فأي الطائفتين أحق بأن يكون كلامها [ موصوفا ] بالحشو ؟ أو يكون أولى بالجهل والضلال والإفك والمحال ؟ . وكلام المشايخ والأئمة من أهل السنة والفقه والمعرفة في هذا الباب أعظم من أن نطيل به الخطاب .



[ ص: 50 ] الوجه الثاني أنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول وجزما بالقول في موضع وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر وهذا دليل عدم اليقين . فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم " هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه ؟ قال : لا . قال : وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد " ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره - : " من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل " .

وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل الأخدود ونحوهم وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة حتى كان مالك رحمه الله يقول : " لا تغبطوا أحدا لم يصبه في هذا الأمر بلاء " . يقول : إن الله لا بد أن يبتلي المؤمن فإن صبر رفع درجته كما قال تعالى : { الم } أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } وقال تعالى : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } وقال تعالى : { والعصر } { إن الإنسان لفي خسر } { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } .

ومن صبر من أهل الأهواء على قوله فذاك لما فيه من الحق إذ لا بد في كل بدعة - عليها طائفة كبيرة - من الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويوافق عليه أهل السنة والحديث : ما يوجب قبولها إذ الباطل المحض لا يقبل بحال .

وبالجملة : فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة ; بل المتفلسف أعظم اضطرابا وحيرة في أمره من المتكلم . لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف ولهذا تجد مثل " أبي الحسين البصري " وأمثاله أثبت من مثل " ابن سينا " وأمثاله .

وأيضا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقا واختلافا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان . وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقا وائتلافا وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب فالمعتزلة أكثر اتفاقا وائتلافا من المتفلسفة إذ للفلاسفة في الإلهيات والمعاد والنبوات بل وفي الطبيعيات والرياضات وصفات الأفلاك : من الأقوال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال .

[ ص: 52 ] وقد ذكر من جمع مقالات الأوائل مثل " أبي الحسن الأشعري " في كتاب المقالات ومثل القاضي " أبي بكر " في كتاب الدقائق من مقالاتهم بقدر ما يذكره الفارابي وابن سينا ; وأمثالهما أضعافا مضاعفة .

وأهل الإثبات من المتكلمين - مثل الكلابية والكرامية والأشعرية - أكثر اتفاقا وائتلافا من المعتزلة فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضا حتى ليكفر التلميذ أستاذه من جنس ما بين الخوارج وقد ذكر من صنف في فضائح المعتزلة من ذلك ما يطول وصفه ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث وما يتبع ذلك ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ذلك وقدم غيره عليه قال تعالى : { ولا يزالون مختلفين } { إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون وأهل الرحمة هم أتباع الأنبياء قولا وفعلا وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة فمن خالفهم في شيء فاته من الرحمة بقدر ذلك .

ولهذا لما كانت الفلاسفة أبعد عن اتباع الأنبياء كانوا أعظم اختلافا والخوارج والمعتزلة والروافض لما كانوا أيضا أبعد عن السنة والحديث كانوا أعظم افتراقا في هذه لا سيما الرافضة فإنه يقال : إنهم أعظم الطوائف اختلافا وذلك لأنهم أبعد الطوائف عن السنة والجماعة بخلاف المعتزلة فإنهم أقرب إلى ذلك منهم .

[ ص: 53 ] وأبو محمد بن قتيبة - في أول كتاب مختلف الحديث - لما ذكر أهل الحديث وأئمتهم وأهل الكلام وأئمتهم : كفى بذكر أئمة هؤلاء ووصف أقوالهم وأعمالهم ; ووصف أئمة هؤلاء وأقوالهم وأفعالهم بما يبين لكل أحد : أن أهل الحديث هم أهل الحق والهدى وأن غيرهم أولى بالضلال والجهل والحشو والباطل .

وأيضا المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال : إما عن سوء عقيدة ونفاق وإما عن مرض في القلب وضعف إيمان . ففيهم من ترك الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب ما هو ظاهر لكل أحد وعامة شيوخهم يرمون بالعظائم وإن كان فيهم من هو معروف بزهد وعبادة ففي زهد بعض العامة من أهل السنة وعبادته ما هو أرجح مما هو فيه .

ومن المعلوم أن العلم أصل العمل وصحة الأصول توجب صحة الفروع والرجل لا يصدر عنه فساد العمل إلا لشيئين : إما الحاجة ; وإما الجهل فأما العالم بقبح الشيء الغني عنه فلا يفعله اللهم إلا من غلب هواه عقله واستولت عليه المعاصي فذاك لون آخر وضرب ثان .

وأيضا فإنه لا يعرف من أهل الكلام أحد إلا وله في الإسلام مقالة يكفر قائلها عموم المسلمين حتى أصحابه وفي التعميم ما يغني عن التعيين فأي فريق [ ص: 54 ] أحق بالحشو والضلال من هؤلاء ؟ وذلك يقتضي وجود الردة فيهم كما يوجد النفاق فيهم كثيرا .

وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال : إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها ; لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين ; بل اليهود والنصارى يعلمون : أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر مخالفها ; مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك ; فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل أمره بالصلوات الخمس وإيجابه لها وتعظيم شأنها ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك .

ثم تجد كثيرا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام فقد حكي عن الجهم بن صفوان : أنه ترك الصلاة أربعين يوما لا يرى وجوبها ; كرؤساء العشائر مثل الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ونحوهم ممن ارتد عن الإسلام ودخل فيه ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب وفيهم من لم يكن كذلك .

أو يقال : هم لما فيهم من العلم يشبهون بعبد الله بن أبي سرح الذي كان [ ص: 55 ] كاتب الوحي فارتد ولحق بالمشركين فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه عام الفتح ثم أتى به عثمان إليه فبايعه على الإسلام .

فمن صنف في مذهب المشركين ونحوهم أحسن أحواله أن يكون مسلما . فكثير من رءوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة . وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفا في أول مختلف الحديث وقد حكى أهل المقالات لبعضهم عن بعض من ذلك طرفا كما يذكره أبو عيسى الوراق والنوبختي وأبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر بن الباقلاني وأبو عبد الله الشهرستاني وغيرهم ممن يذكر مقالات أهل الكلام .

وأبلغ من ذلك : أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون تاب منه وعاد إلى الإسلام .



ومن العجب : أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد ليسوا أهل نظر واستدلال وأنهم ينكرون حجة العقل . وربما حكي إنكار النظر عن بعض أئمة السنة وهذا مما ينكرونه عليهم .

[ ص: 56 ] فيقال لهم : ليس هذا بحق . فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن هذا أصل متفق عليه بينهم . والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والاعتبار والتدبر وغير ذلك ولكن وقع اشتراك في لفظ " النظر والاستدلال " ولفظ " الكلام " فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال .

وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام يسمي ما وضعه " أصول الدين " وهذا اسم عظيم والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم . فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك قال المبطل : قد أنكروا أصول الدين . وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين وهي أسماء سموها هم وآباؤهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان فالدين ما شرعه الله ورسوله وقد بين أصوله وفروعه ومن المحال أن يكون الرسول قد بين فروع الدين دون أصوله كما قد بينا هذا في غير هذا الموضع فهكذا لفظ النظر والاعتبار والاستدلال " .

وعامة هذه الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة كما كان [ ص: 57 ] الزهري يقول : كان علماؤنا يقولون : الاعتصام بالسنة هو النجاة " وقال مالك " السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق " .

وذلك أن السنة والشريعة والمنهاج : هو الصراط المستقيم الذي يوصل العباد إلى الله . والرسول : هو الدليل الهادي الخريت في هذا الصراط كما قال تعالى : { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } { وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } . وقال تعالى : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } { صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور } وقال تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } { وقال عبد الله بن مسعود خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال : هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه . ثم قرأ : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } } .

وإذا تأمل العاقل - الذي يرجو لقاء الله - هذا المثال وتأمل سائر الطوائف من الخوارج ثم المعتزلة ثم الجهمية والرافضة ومن أقرب منهم إلى السنة من أهل الكلام مثل الكرامية والكلابية والأشعرية وغيرهم وأن كلا منهم له سبيل يخرج به عما عليه الصحابة وأهل الحديث ويدعي أن سبيله هو الصواب - وجدت أنهم المراد بهذا المثال الذي ضربه المعصوم الذي لا يتكلم عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى .

والعجب أن من هؤلاء من يصرح بأن عقله إذا عارضه الحديث - لا سيما [ ص: 58 ] في أخبار الصفات - حمل الحديث على عقله وصرح بتقديمه على الحديث وجعل عقله ميزانا للحديث فليت شعري هل عقله هذا كان مصرحا بتقديمه في الشريعة المحمدية فيكون من السبيل المأمور باتباعه أم هو عقل مبتدع جاهل ضال حائر خارج عن السبيل ؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله .

وهؤلاء الاتحادية وأمثالهم إنما أتوا من قلة العلم والإيمان بصفات الله التي يتميز بها عن المخلوقات وقلة اتباع السنة وطريقة السلف في ذلك بل قد يعتقدون من التجهم ما ينافي السنة تلقيا لذلك عن متفلسف أو متكلم فيكون ذلك الاعتقاد صادا لهم عن سبيل الله كلما أرادت قلوبهم أن تتقرب إلى ربها وتسلك الصراط المستقيم إليه وتعبده - كما فطروا عليه وكما بلغتهم الرسل من علوه وعظمته - صرفتهم تلك العوائق المضلة عن ذلك حتى تجد خلقا من مقلدة الجهمية يوافقهم بلسانه وأما قلبه فعلى الفطرة والسنة وأكثرهم لا يفهمون ما النفي الذي يقولونه بألسنتهم ؟ بل يجعلونه تنزيها مطلقا مجملا .

ومنهم من لا يفهم قول الجهمية . بل يفهم من النفي معنى صحيحا ويعتقد أن المثبت يثبت نقيض ذلك ويسمع من بعض الناس ذكر ذلك .

مثل أن يفهم من قولهم : ليس في جهة ولا له مكان ولا هو في السماء : أنه ليس في جوف السموات وهذا معنى صحيح ; وإيمانه بذلك حق ولكن [ ص: 59 ] يظن أن الذين قالوا هذا النفي اقتصروا على ذلك وليس كذلك . بل مرادهم : أنه ما فوق العرش شيء أصلا ولا فوق السموات إلا عدم محض ; ليس هناك إله يعبد ولا رب يدعى ويسأل ولا خالق خلق الخلائق ولا عرج بالنبي إلى ربه أصلا هذا مقصودهم

. وهذا هو الذي أوقع الاتحادية في قولهم : هو نفس الموجودات ; إذ لم تجد قلوبهم موجودا إلا هذه الموجودات ; إذا لم يكن فوقها شيء آخر وهذا من المعارف الفطرية الشهودية الوجودية : أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق ; أو وجود آخر مباين له متميز عنه لا سيما إذا علموا أن الأفلاك مستديرة وأن الأعلى هو المحيط . فإنهم يعلمون أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق ; أو موجود فوقه .

فإذا اعتقدوا مع ذلك أنه ليس هناك وجود آخر ولا فوق العالم شيء ; لزم أن يقولوا : هو هذا الوجود المخلوق ; كما قال الاتحادية . وهذه بعينها هي حجة الاتحادية .

وهذا بعينه هو مشرب قدماء الجهمية وحدثائهم كما يقولون : هو في كل مكان وليس هو في مكان . ولا يختص بشيء . يجمعون دائما بين القولين المتناقضين لأنهم يريدون إثبات موجود ; وليس عندهم شيء فوق العالم . فتعين أن يكون هو العالم أو يكون فيه . ثم يريدون إثبات شيء غير المخلوق ; [ ص: 60 ] فيقولون : ليس هو في العالم كما ليس خارجا عنه ; أو يقولون : هو وجود المخلوقات دون أعيانها أو يقولون : هو الوجود المطلق فيثبتونه فيما يثبتون إذا كانت قلوبهم متشابهة في النفي والتعطيل وهو إنكار موجود حقيقي مباين للمخلوقات عال عليها .

وإنما يفترقون فيما يثبتونه ويكرهون فطرهم وعقولهم على قبول المحال المتناقض فيقولون : هو في العالم وليس هو فيه أو هو العالم وليس إياه أو يغلبون الإثبات فيقولون : بل هو نفس الوجود أو النفي فيقولون : ليس في العالم ولا خارجا عنه أو يدينون بالإثبات في حال وبالنفي في حال إذا غلب على أحدهم عقله غلب النفي وهو أنه ليس في العالم وإذا غلب عليه الوجد والعبادة رجح الإثبات وهو أنه في هذا الوجود أو هو هو لا تجد جهميا إلا على أحد هذه الوجوه الأربعة وإن تنوعوا فيما يثبتونه - كما ذكرته لك - فهم مشتركون في التعطيل .

وقد رأيت منهم ومن كتبهم ; وسمعت منهم وممن يخبر عنهم من ذلك ما شاء الله . وكلهم على هذه الأحوال ضالون عن معبودهم وإلههم وخالقهم . ثم رأيت كلام السلف والأئمة كلهم يصفونهم بمثل ذلك . فمن الله علينا باتباع سبيل المؤمنين وآمنا بالله وبرسوله . وكل هؤلاء يجد نفسه مضطربة في هذا الاعتقاد لتناقضه في نفسه . وإنما يسكن بعض اضطرابه نوع تقليد لمعظم عنده أو خوفه من مخالفة أصحابه أو زعمه أن هذا من حكم الوهم والخيال دون العقل . [ ص: 61 ] وهذا التناقض في إثبات هذا الموجود الذي ليس بخارج عن العالم ولا هو العالم الذي ترده فطرهم وشهودهم وعقولهم ; غير ما في الفطرة من الإقرار بصانع فوق العالم فإن هذا إقرار الفطرة بالحق المعروف وذاك إنكار الفطرة بالباطل المنكر .



ومن هذا الباب : ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي في حكايته المعروفة : أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مرة والأستاذ أبو المعالي يذكر على المنبر : " كان الله ولا عرش " ونفى الاستواء - على ما عرف من قوله وإن كان في آخر عمره رجع عن هذه العقيدة ومات على دين أمه وعجائز نيسابور - قال فقال الشيخ أبو جعفر " يا أستاذ دعنا من ذكر العرش - يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع - أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا : ما قال عارف قط " يا الله " إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا ؟ " . فصرخ أبو المعالي ووضع يده على رأسه وقال . " حيرني الهمداني " . أو كما قال ونزل .

فهذا الشيخ تكلم بلسان جميع بني آدم فأخبر أن العرش والعلم باستواء الله عليه إنما أخذ من جهة الشرع وخبر الكتاب والسنة بخلاف الإقرار بعلو الله على الخلق من غير تعيين عرش ولا استواء فإن هذا أمر فطري ضروري نجده في قلوبنا نحن وجميع من يدعو الله تعالى فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا .

[ ص: 62 ] { والجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله ؟ قالت : في السماء قال : أعتقها فإنها مؤمنة } جارية أعجمية أرأيت من فقهها وأخبرها بما ذكرته ؟ وإنما أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله تعالى عليها وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وشهد لها بالإيمان .

فليتأمل العاقل ذلك يجده هاديا له على معرفة ربه والإقرار به كما ينبغي ; لا ما أحدثه المتعمقون والمتشدقون ممن سول لهم الشيطان وأملى لهم .

ومن أمثلة ذلك : أن الذين لبسوا الكلام بالفلسفة من أكابر المتكلمين تجدهم يعدون من الأسرار المصونة والعلوم المخزونة : ما إذا تدبره من له أدنى عقل ودين وجد فيه من الجهل والضلال ما لم يكن يظن أنه يقع فيه هؤلاء حتى قد يكذب بصدور ذلك عنهم مثل تفسير حديث المعراج الذي ألفه أبو عبد الله الرازي الذي احتذى فيه حذو ابن سينا وعين القضاة الهمداني فإنه روى حديث المعراج . بسياق طويل وأسماء عجيبة وترتيب لا يوجد في شيء من كتب المسلمين لا في الأحاديث الصحيحة ولا الحسنة ولا الضعيفة المروية عند أهل العلم . وإنما وضعه بعض السؤال والطرقية أو بعض شياطين الوعاظ أو بعض الزنادقة .

ثم إنه مع الجهل بحديث المعراج - الموجود في كتب الحديث والتفسير والسيرة وعدوله عما يوجد في هذه الكتب إلى ما لم يسمع من عالم ولا يوجد [ ص: 63 ] في أثارة من علم - فسره بتفسير الصابئة الضالة المنجمين وجعل معراج الرسول ترقيه بفكره إلى الأفلاك وأن الأنبياء الذين رآهم هم الكواكب : فآدم هو القمر وإدريس هو الشمس والأنهار الأربعة هي العناصر الأربعة وأنه عرف الوجود الواجب المطلق ثم إنه يعظم ذلك ويجعله من الأسرار والمعارف التي يجب صونها عن أفهام المؤمنين وعلمائهم حتى إن طائفة ممن كانوا يعظمونه لما رأوا ذلك تعجبوا منه غاية التعجب وجعل بعض المتعصبين له يدفع ذلك حتى أروه النسخة بخط بعض المشايخ المعروفين الخبيرين بحاله وقد كتبها في ضمن كتابه الذي سماه : " المطالب العالية " وجمع فيه عامة آراء الفلاسفة والمتكلمين .

وتجد أبا حامد الغزالي - مع أن له من العلم بالفقه والتصوف والكلام والأصول وغير ذلك مع الزهد والعبادة وحسن القصد وتبحره في العلوم الإسلامية أكثر من أولئك - يذكر في كتاب " الأربعين " ونحوه كتابه : " المضنون به على غير أهله " ; فإذا طلبت ذلك الكتاب واعتقدت فيه أسرار الحقائق وغاية المطالب وجدته قول الصابئة المتفلسفة بعينه قد غيرت عباراتهم وترتيباتهم ومن لم يعلم حقائق مقالات العباد ومقالات أهل الملل يعتقد أن ذاك هو السر الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأنه هو الذي يطلع عليه المكاشفون الذين أدركوا الحقائق بنور إلهي .

فإن أبا حامد كثيرا ما يحيل في كتبه على ذلك النور الإلهي وعلى ما يعتقد [ ص: 64 ] أنه يوجد للصوفية والعباد برياضتهم وديانتهم من إدراك الحقائق وكشفها لهم حتى يزنوا بذلك ما ورد به الشرع .

وسبب ذلك أنه كان قد علم بذكائه وصدق طلبه ما في طريق المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب . وآتاه الله إيمانا مجملا - كما أخبر به عن نفسه - وصار يتشوف إلى تفصيل الجملة فيجد في كلام المشايخ والصوفية ما هو أقرب إلى الحق ; وأولى بالتحقيق من كلام الفلاسفة والمتكلمين والأمر كما وجده لكن لم يبلغه من الميراث النبوي الذي عند خاصة الأمة من العلوم والأحوال : وما وصل إليه السابقون الأولون من العلم والعبادة حتى نالوا من المكاشفات العلمية والمعاملات العبادية ما لم ينله أولئك .

فصار يعتقد أن تفصيل تلك الجملة يحصل بمجرد تلك الطريق حيث لم يكن عنده طريق غيرها لانسداد الطريقة الخاصة السنية النبوية عنه بما كان عنده من قلة العلم بها ومن الشبهات التي تقلدها عن المتفلسفة والمتكلمين حتى حالوا بها بينه وبين تلك الطريقة .

ولهذا كان كثير الذم لهذه الحوائل ولطريقة العلم . وإنما ذاك لعلمه الذي سلكه والذي حجب به عن حقيقة المتابعة للرسالة . وليس هو بعلم وإنما هو عقائد فلسفية وكلامية كما قال السلف : " العلم بالكلام هو الجهل " ; وكما قال أبو يوسف : " من طلب العلم بالكلام تزندق " .

[ ص: 65 ] ولهذا صار طائفة ممن يرى فضيلته وديانته يدفعون وجود هذه الكتب عنه حتى كان الفقيه أبو محمد بن عبد السلام - فيما علقه عنه - ينكر أن يكون " بداية الهداية " من تصنيفه ; ويقول : إنما هو تقول عليه مع أن هذه الكتب مقبولها أضعاف مردودها والمردود منها أمور مجملة وليس فيها عقائد ولا أصول الدين .

وأما " المضنون به على غير أهله " فقد كان طائفة أخرى من العلماء يكذبون ثبوته عنه وأما أهل الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كله كلامه لعلمهم بمواد كلامه ومشابهة بعضه بعضا ولكن كان هو وأمثاله - كما قدمت - مضطربين لا يثبتون على قول ثابت . لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوفون به إلى طريقة خاصة الخلق ولم يقدر لهم سلوك طريق خاصة هذه الأمة الذين ورثوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم العلم والإيمان وهم أهل حقائق الإيمان والقرآن - كما قدمناه - وأهل الفهم لكتاب الله والعلم والفهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباع هذا العلم بالأحوال والأعمال المناسبة لذلك كما جاءت به الرسالة .

ولهذا كان الشيخ " أبو عمرو بن الصلاح " يقول - فيما رأيته بخطه - : أبو حامد كثر القول فيه ومنه .

فأما هذه الكتب - يعني المخالفة للحق - فلا يلتفت إليها . وأما الرجل فيسكت عنه ويفوض أمره إلى الله .

[ ص: 66 ] ومقصوده : أنه لا يذكر بسوء لأن عفو الله عن الناسي والمخطئ وتوبة المذنب تأتي على كل ذنب وذلك من أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره وتكفيره الذنوب بالمصائب تأتي على محقق الذنوب فلا يقدم الإنسان على انتفاء ذلك في حق معين إلا ببصيرة لا سيما مع كثرة الإحسان والعلم الصحيح والعمل الصالح والقصد الحسن . وهو يميل إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية .

ولهذا فقد رد عليه علماء المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي فإنه قال : " شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر " .

وقد حكي عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه . ورد عليه أبو عبد الله المازري في كتاب أفرده ورد عليه أبو بكر الطرطوشي ورد عليه أبو الحسن المرغيناني رفيقه رد عليه كلامه في مشكاة الأنوار ونحوه ورد عليه الشيخ أبو البيان والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وحذر من كلامه في ذلك هو وأبو زكريا النواوي وغيرهما ورد عليه ابن عقيل وابن الجوزي وأبو محمد المقدسي وغيرهم .



وهذا باب واسع فإن الخارجين عن طريقة السابقين الأولين من [ ص: 67 ] المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لهم في كلام الرسول ثلاث طرق : طريقة التخييل وطريقة التأويل وطريقة التجهيل .

( فأهل التخييل هم الفلاسفة والباطنية الذين يقولون : إنه خيل أشياء لا حقيقة لها في الباطن وخاصية النبوة عندهم التخييل .

( وطريقة التأويل طريقة المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم يقولون : إن ما قاله له تأويلات تخالف ما دل عليه اللفظ وما يفهم منه وهو - وإن كان لم يبين مراده ولا بين الحق الذي يجب اعتقاده - فكان مقصوده أن هذا يكون سببا للبحث بالعقل حتى يعلم الناس الحق بعقولهم ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما يوافق قولهم ليثابوا على ذلك فلم يكن قصده لهم البيان والهداية والإرشاد والتعليم بل قصده التعمية والتلبيس ولم يعرفهم الحق حتى ينالوا الحق بعقلهم ويعرفوا حينئذ أن كلامه لم يقصد به البيان فيجعلون حالهم في العلم مع عدمه خيرا من حالهم مع وجوده .

وأولئك المتقدمون كابن سينا وأمثاله ينكرون على هؤلاء ويقولون : ألفاظه كثيرة صريحة لا تقبل التأويل لكن كان قصده التخييل وأن يعتقد الناس الأمر على خلاف ما هو عليه .



( وأما الصنف الثالث الذين يقولون : إنهم أتباع السلف فيقولون : إنه لم يكن الرسول يعرف معنى ما أنزل عليه من هذه الآيات ولا أصحابه [ ص: 68 ] يعلمون معنى ذلك بل لازم قولهم : أنه هو نفسه لم يكن يعرف معنى ما تكلم به من أحاديث الصفات بل يتكلم بكلام لا يعرف معناه والذين ينتحلون مذهب السلف يقولون : إنهم لم يكونوا يعرفون معاني النصوص بل يقولون ذلك في الرسول . وهذا القول من أبطل الأقوال ومما يعتمدون عليه من ذلك ما فهموه من قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله } ويظنون أن التأويل هو المعنى الذي يسمونه هم تأويلا وهو مخالف للظاهر .

ثم هؤلاء قد يقولون : تجري النصوص على ظاهرها وتأويلها لا يعلمه إلا الله ويريدون بالتأويل : ما يخالف الظاهر وهذا تناقض منهم . وطائفة يريدون بالظاهر ألفاظ النصوص فقط والطائفتان غالطتان في فهم الآية .

وذلك أن لفظ " التأويل " قد صار بسبب تعدد الاصطلاحات له ثلاث معان : - ( أحدها : أن يراد بالتأويل حقيقة ما يئول إليه الكلام وإن وافق ظاهره . وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة كقوله تعالى : { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق } ومنه { قول عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لي يتأول القرآن } .

[ ص: 69 ] ( والثاني يراد بلفظ التأويل : " التفسير " وهو اصطلاح كثير من المفسرين ولهذا قال مجاهد - إمام أهل التفسير - : إن " الراسخين في العلم " يعلمون تأويل المتشابه فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه وهذا مما يعلمه الراسخون .

( والثالث أن يراد بلفظ " التأويل " : صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك لدليل منفصل يوجب ذلك . وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفا لما يدل عليه اللفظ ويبينه . وتسمية هذا تأويلا لم يكن في عرف السلف وإنما سمى هذا وحده تأويلا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام وظن هؤلاء أن قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله } يراد به هذا المعنى ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين : قوم يقولون : إنه لا يعلمه إلا الله . وقوم يقولون : إن الراسخين في العلم يعلمونه وكلا الطائفتين مخطئة .

فإن هذا التأويل في كثير من المواضع - أو أكثرها وعامتها - من باب تحريف الكلم عن مواضعه من جنس تأويلات القرامطة والباطنية . وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في آثارهم بالشهب .

وقد صنف الإمام أحمد كتابا في الرد على هؤلاء وسماه : " الرد على [ ص: 70 ] الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله " فعاب أحمد عليهم أنهم يفسرون القرآن بغير ما هو معناه . ولم يقل أحمد ولا أحد من الأئمة : إن الرسول لم يكن يعرف معاني آيات الصفات وأحاديثها ولا قالوا : إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرفوا تفسير القرآن ومعانيه .

كيف ؟ وقد أمر الله بتدبر كتابه قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته } ولم يقل : بعض آياته وقال : { أفلا يتدبرون القرآن } وقال : { أفلم يدبروا القول } وأمثال ذلك في النصوص التي تبين أن الله يحب أن يتدبر الناس القرآن كله وأنه جعله نورا وهدى لعباده ومحال أن يكون ذلك مما لا يفهم معناه وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن - عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود - أنهم قالوا : " كنا إذا تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم نجاوزها حتى نتعلم ما فيها من العلم والعمل " قالوا : " فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا " وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع .

والمقصود هنا : أن من يقول في الرسول وبيانه للناس مما هو من قول الملاحدة فكيف يكون قوله في السلف ؟ حتى يدعي اتباعه وهو مخالف للرسول والسلف عند نفسه وعند طائفته فإنه قد أظهر من قول النفاة ما كان الرسول يرى عدم إظهاره لما فيه من فساد الناس . وأما عند أهل العلم والإيمان فلا .

[ ص: 71 ] وقول النفاة باطل باطنا وظاهرا والرسول صلى الله عليه وسلم ومتبعوه منزهون عن ذلك بل مات صلى الله عليه وسلم وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك . وأخبرنا أن : " كل ما حدث بعده من محدثات الأمور فهو بدعة وكل بدعة ضلالة " .

وربما أنشد بعض أهل الكلام بيت مجنون بني عامر : وكل يدعي وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا فمن قال من الشعر ما هو حكمة أو تمثل ببيت من الشعر فيما تبين له أنه حق كان قريبا . أما إثبات الدعوى بمجرد كلام منظوم من شعر أو غيره فيقال لصاحبه : ينبغي أن تبين أن السلف لا يقرون بمن انتحلتهم . وهذا ظاهر فيما ذكره هو وغيره ممن يقولون عن السلف ما لم يقولوه ولا ينقله عنهم أحد له معرفة بحالهم وعدل فيما نقل فإن الناقل لا بد أن يكون عالما عدلا .

فإن فرض أن أحدا نقل مذهب السلف كما يذكره ; فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف كأبي المعالي وأبي حامد الغزالي وابن الخطيب وأمثالهم ممن لم يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يعدون به من عوام أهل الصناعة فضلا عن خواصها ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلما وأحاديثهما إلا بالسماع كما يذكر ذلك العامة ولا يميزون بين الحديث الصحيح المتواتر [ ص: 72 ] عند أهل العلم بالحديث وبين الحديث المفترى المكذوب وكتبهم أصدق شاهد بذلك ففيها عجائب .

وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك إما عند الموت وإما قبل الموت والحكايات في هذا كثيرة معروفة .

هذا أبو الحسن الأشعري : نشأ في الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم .

وهذا أبو حامد الغزالي [ مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ] وصنف " إلجام العوام عن علم الكلام " .

[ وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات ] : " لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن : [ أقرأ في الإثبات { الرحمن على العرش استوى } { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } وأقرأ في النفي { ليس كمثله شيء } { ولا يحيطون به علما } { هل تعلم له سميا } ثم قال : ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ] وكان يتمثل كثيرا :     نهاية إقدام العقول عقال
وأكثر سعي العالمين ضلال     وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيانا أذى ووبال     ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وهذا إمام الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف . وكان [ يقول : " يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به " وقال عند موته : " لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت فيما نهوني عنه . والآن : إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني وها أنذا أموت على عقيدة أمي - أو قال - : عقيدة عجائز نيسابور " .

وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني : " أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم " ] وكان ينشد :     لعمري لقد طفت المعاهد كلها
وسيرت طرفي بين تلك المعالم     فلم أر إلا واضعا كف حائر
على ذقن أو قارعا سن نادم وابن الفارض - من متأخري الاتحادية - صاحب القصيدة التائية المعروفة " بنظم السلوك " وقد نظم فيها الاتحاد نظما رائق اللفظ فهو أخبث من لحم [ ص: 74 ] خنزير في صينية من ذهب . وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك الله أعلم بها وبما اشتملت عليه وقد نفقت كثيرا وبالغ أهل العصر في تحسينها والاعتداد بما فيها من الاتحاد - لما حضرته الوفاة أنشد :     إن كان منزلتي في الحب عندكم
ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي     أمنية ظفرت نفسي بها زمنا
واليوم أحسبها أضغاث أحلام



ولقد كان من أصول الإيمان : أن يثبت الله العبد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة كما قال تعالى : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء } { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } .

والكلمة : أصل العقيدة . فإن الاعتقاد هو الكلمة التي يعتقدها المرء وأطيب الكلام والعقائد : كلمة التوحيد واعتقاد أن لا إله إلا الله . وأخبث الكلام والعقائد : كلمة الشرك وهو اتخاذ إله مع الله . فإن ذلك باطل لا حقيقة له ولهذا قال سبحانه : { ما لها من قرار } ولهذا كان كلما بحث الباحث وعمل العامل على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزداد إلا ضلالا وبعدا عن الحق وعلما ببطلانها كما قال تعالى : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب } { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } . فذكر سبحانه مثلين : - ( أحدهما : مثل الكفر والجهل المركب الذي يحسبه صاحبه موجودا وفي الواقع يكون خيالا معدوما كالسراب وأن القلب عطشان إلى الحق كعطش الجسد إلى الماء . فإذا طلب ما ظنه ماء وجده سرابا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب . وهكذا تجد عامة هؤلاء الخارجين عن السنة والجماعة .

( والمثل الثاني : مثل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبين فيه صاحبه حقا ولا يرى فيه هدى والكفر المركب مستلزم للبسيط وكل كفر فلا بد فيه من جهل مركب .

فضرب الله سبحانه المثلين بذلك ليبين حال الاعتقاد الفاسد ويبين حال عدم معرفة الحق - وهو يشبه حال المغضوب عليهم والضالين - حال المصمم على الباطل حتى يحل به العذاب وحال الضال الذي لا يرى طريق الهدى .

فنسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن يرزقنا الاعتصام بالكتاب والسنة .



[ ص: 76 ] ومن أمثلة ما ينسبه كثير من أتباع المشايخ والصوفية إلى المشايخ الصادقين : من الكذب والمحال أو يكون من كلامهم المتشابه الذي تأولوه على غير تأويله أو يكون من غلطات بعض الشيوخ وزلاتهم أو من ذنوب بعضهم وخطئهم مثل : كثير من البدع والفجور الذي يفعله بعضهم بتأويل سائغ أو بوجه غير سائغ فيعفى عنه أو يتوب منه أو يكون له حسنات يغفر له بها أو مصائب يكفر عنه بها أو يكون من كلام المتشبهين بأولياء الله من ذوي الزهادات والعبادات والمقامات وليس هو من أولياء الله المتقين بل من الجاهلين الظالمين المعتدين أو المنافقين أو الكافرين .

وهذا كثير ملأ العالم تجد كل قوم يدعون من الاختصاص بالأسرار والحقائق ما لا يدعي المرسلون وأن ذلك عند خواصهم وأن ذلك لا ينبغي أن يقابل إلا بالتسليم ويحتجون لذلك بأحاديث موضوعة وتفسيرات باطلة . مثل قولهم عن عمر : " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث هو وأبو بكر بحديث وكنت كالزنجي بينهما " فيجعلون عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم وصديقه كالزنجي وهو حاضر يسمع الكلام . ثم يدعي أحدهم أنه علم ذلك بما قذف في قلبه ويدعي كل منهم : أن ذلك هو ما يقوله من الزور والباطل ولو ذكرت ما في هذا الباب من أصناف الدعاوى الباطلة لطال .

فمنهم من يجعل للشيخ قصائد يسميها " جنيب القرآن " ويكون وجده بها وفرحه بمضمونها أعظم من القرآن ويكون فيها من الكذب والضلال أمور . [ ص: 77 ] ومنهم من يجعل له قصائد في الاتحاد وأنه خالق جميع الخلق وأنه خلق السموات والأرض وأنه يسجد له ويعبد .

ومنهم من يصف ربه في قصائده بما نقل في الموضوعات من أصناف التمثيل والتكييف والتجسيم التي هي كذب مفترى وكفر صريح : مثل مواكلته ومشاربته ومماشاته ومعانقته ونزوله إلى الأرض وقعوده في بعض رياض الأرض ونحو ذلك . ويجعل كل منهم ذلك من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة التي تكون لخواص أولياء الله المتقين .

ومن أمثلة ذلك : أنك تجد عند الرافضة والمتشيعة ومن أخذ عنهم من دعوى علوم الأسرار والحقائق التي يدعون أخذها عن أهل البيت إما من العلوم الدينية وإما من علم الحوادث الكائنة ما هو عندهم من أجل الأمور التي يجب التواصي بكتمانها والإيمان بما لا يعلم حقيقته من ذلك . وجميعها كذب مختلق وإفك مفترى .

فإن هذه الطائفة " الرافضة " من أكثر الطوائف كذبا وادعاء للعلم المكتوم ولهذا انتسبت إليهم الباطنية والقرامطة .

وهؤلاء خرج أولهم في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وصاروا يدعون أنه خص بأسرار من العلوم والوصية حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه فيخبرهم بانتفاء ذلك . ولما بلغه أن ذلك قد قيل كان يخطب الناس وينفي ذلك عن نفسه .

[ ص: 78 ] وقد خرج أصحاب الصحيح كلام علي هذا من غير وجه مثل ما في الصحيح عن " أبي جحيفة " قال : " سألت عليا هل عندكم شيء ليس في القرآن ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطيه الله الرجل في كتابه وما في هذه الصحيفة . قلت : وما في الصحيفة ؟ قال : العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر " ولفظ البخاري " هل عندكم شيء من الوحي غير ما في كتاب الله ؟ قال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن " .

وفي الصحيحين عن إبراهيم التيمي عن أبيه - وهذا من أصح إسناد على وجه الأرض - عن علي قال : " ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حرام ما بين عير إلى ثور " وفي رواية لمسلم " خطبنا علي بن أبي طالب فقال : من زعم أن عندنا كتابا نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة - قال : وصحيفته معلقة في قراب سيفه - فقد كذب فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم { المدينة حرام } الحديث .



وأما الكذب والأسرار التي يدعونها عن جعفر الصادق : فمن أكبر الأشياء [ كذبا ] حتى يقال : ما كذب على أحد ما كذب على جعفر رضي الله عنه .

ومن هذه الأمور المضافة كتاب " الجفر " الذي يدعون أنه كتب فيه [ ص: 79 ] الحوادث والجفر : ولد الماعز . يزعمون أنه كتب ذلك في جلده وكذلك كتاب " البطاقة " الذي يدعيه ابن الحلي ونحوه من المغاربة ومثل كتاب : " الجدول " في الهلال و " الهفت " عن جعفر وكثير من تفسير القرآن وغيره .

ومثل كتاب " رسائل إخوان الصفا " الذي صنفه جماعة في دولة بني بويه ببغداد وكانوا من الصابئة المتفلسفة المتحنفة جمعوا بزعمهم بين دين الصابئة المبدلين وبين الحنيفية وأتوا بكلام المتفلسفة وبأشياء من الشريعة وفيه من الكفر والجهل شيء كثير ومع هذا فإن طائفة من الناس - من بعض أكابر قضاة النواحي - يزعم أنه من كلام جعفر الصادق . وهذا قول زنديق وتشنيع جاهل .

ومثل ما يذكره بعض العامة من ملاحم " ابن غنضب " ; ويزعمون أنه كان معلما للحسن والحسين . وهذا شيء لم يكن في الوجود باتفاق أهل العلم وملاحم " ابن غنضب " إنما صنفها بعض الجهال في دولة نور الدين ونحوها وهو شعر فاسد يدل على أن ناظمه جاهل .

وكذلك عامة هذه الملاحم المروية بالنظم ونحوه عامتها من الأكاذيب وقد أحدث في زماننا من القضاة والمشايخ غير واحدة منها وقد قررت بعض هؤلاء على ذلك بعد أن ادعى قدمها وقلت له : بل أنت صنفتها ولبستها [ ص: 80 ] على بعض ملوك المسلمين لما كان المسلمون محاصري عكة وكذلك غيره من القضاة وغيرهم لبسوا على غير هذا الملك .

وباب الكذب في الحوادث الكونية أكثر منه في الأمور الدينية لأن تشوف الذين يغلبون الدنيا على الدين إلى ذلك أكثر وإن كان لأهل الدين إلى ذلك تشوف لكن تشوفهم إلى الدين أقوى وأولئك ليس لهم من الفرقان بين الحق والباطل من النور ما لأهل الدين . فلهذا كثر الكذابون في ذلك ونفق منه شيء كثير وأكلت به أموال عظيمة بالباطل وقتلت به نفوس كثيرة من المتشوفة إلى الملك ونحوها .

ولهذا ينوعون طرق الكذب في ذلك ويتعمدون الكذب فيه : تارة بالإحالة على الحركات والأشكال الجسمانية الإلهية من حركات الأفلاك والكواكب . والشهب والرعود والبروق والرياح وغير ذلك وتارة بما يحدثونه هم من الحركات والأشكال كالضرب بالرمل والحصا والشعير والقرعة باليد ونحو ذلك مما هو من جنس الاستقسام بالأزلام ; فإنهم يطلبون علم الحوادث بما يفعلونه من هذا الاستقسام بها سواء كانت قداحا أو حصى أو غير ذلك مما ذكره أهل العلم بالتفسير .

فكل ما يحدثه الإنسان بحركة من تغيير شيء من الأجسام ليستخرج به علم ما يستقبله فهو من هذا الجنس ; بخلاف الفأل الشرعي وهو الذي كان [ ص: 81 ] يعجب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أن يخرج متوكلا على الله فيسمع الكلمة الطيبة : { وكان يعجبه الفأل ويكره الطيرة } لأن الفأل تقوية لما فعله بإذن الله والتوكل عليه والطيرة معارضة لذلك فيكره للإنسان أن يتطير وإنما تضر الطيرة من تطير لأنه أضر نفسه . فأما المتوكل على الله فلا .

وليس المقصود ذكر هذه الأمور وسبب إصابتها تارة وخطئها تارات . وإنما الغرض : أنهم يتعمدون فيها كذبا كثيرا من غير أن تكون قد دلت على ذلك دلالة كما يتعمد خلق كثير الكذب في الرؤيا التي منها الرؤيا الصالحة وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وكما كانت الجن تخلط بالكلمة تسمعها من السماء مائة كذبة ثم تلقيها إلى الكهان . ولهذا ثبت في صحيح مسلم { عن معاوية بن الحكم السلمي قال : قلت : يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان . قال : فلا تأتهم . قال : قلت : ومنا رجال يتطيرون . قال : ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم . قال : قلت : ومنا رجال يخطون . قال : كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك } .

فإذا كان ما هو من أجزاء النبوة ومن أخبار الملائكة ما قد يتعمد فيه الكذب الكثير فكيف بما ه