الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية

( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) .

قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) .

اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشبهات في إبطال نبوته .

فالشبهة الأولى قولهم : ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) [الفرقان : 7] وهذه الشبهة إنما ذكرها الله تعالى في سورة أخرى.

والشبهة الثانية : قولهم : الرسول الذي يرسله الله إلى الخلق لا بد وأن يكون من جنس الملائكة كما حكى الله عنهم في قوله : ( لو ما تأتينا بالملائكة ) [الحجر : 7] وقوله : ( لولا أنزل عليه ملك ) [الأنعام : 8].

فأجاب الله تعالى عنه هاهنا بقوله : ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) يعني أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا من جنس البشر لا من جنس الملائكة ، فإذا جاز ذلك في حقهم ، فلم لا يجوز أيضا مثله في حقه.

الشبهة الثالثة : عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الزوجات ، وقالوا : لو كان رسولا من عند الله لما كان مشتغلا بأمر النساء بل كان معرضا عنهن مشتغلا بالنسك والزهد ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) وبالجملة فهذا الكلام يصلح أن يكون جوابا عن الشبهة المتقدمة ، ويصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة ، فقد كان لسليمان عليه السلام ثلاثمائة امرأة مهيرة وسبعمائة سرية ولداود مائة امرأة.

والشبهة الرابعة : قالوا لو كان رسولا من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول ، فأجاب الله عنه بقوله : ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) وتقريره : أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر والعلة ، وفي إظهار الحجة والبينة ، فأما الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها ، وإن شاء لم يظهرها ولا اعتراض لأحد عليه في ذلك.

الشبهة الخامسة : أنه عليه السلام كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة له ولقومه ، ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر ، فلما لم يشاهدوا تلك الأمور احتجوا بها على الطعن في نبوته ، وقالوا : لو كان نبيا صادقا لما ظهر كذبه.

فأجاب الله عنه بقوله : ( لكل أجل كتاب ) يعني نزول العذاب على الكفار وظهور الفتح والنصر للأولياء قضى الله بحصولها في أوقات معينة مخصوصة ، ولكل حادث وقت معين و ( لكل أجل كتاب ) فقبل حضور [ ص: 51 ] ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث ، فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذبا.

الشبهة السادسة : قالوا : لو كان في دعوى الرسالة محقا لما نسخ الأحكام التي نص الله تعالى على ثبوتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والإنجيل ، لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة ، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل ، فوجب أن لا يكون نبيا حقا.

فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) ويمكن أيضا أن يكون قوله : ( لكل أجل كتاب ) كالمقدمة لتقرير هذا الجواب ، وذلك لأنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيوانا عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة ، ثم يبقيه مدة مخصوصة ، ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه ، فلما لم يمتنع أن يحيي أولا ، ثم يميت ثانيا فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات ، ثم ينسخه في سائر الأوقات؟ فكان المراد من قوله : ( لكل أجل كتاب ) ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) والمعنى : أنه يوجد تارة ويعدم أخرى ، ويحيي تارة ويميت أخرى ، ويغني تارة ويفقر أخرى ، فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة ، أو بحسب ما اقتضته رعاية المصالح عند المعتزلة ، فهذا إتمام التحقيق في تفسير هذه الآية ، ثم هاهنا مسائل :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث