الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما "

القول في تأويل قوله تعالى : ( وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ( 111 ) )

يقول تعالى ذكره : استرت وجوه الخلق ، واستسلمت للحي القيوم الذي لا يموت ، القيوم على خلقه بتدبيره إياهم وتصريفهم لما شاءوا ، وأصل العنو الذل ، يقال منه : عنا وجهه لربه يعنو عنوا ، يعني خضع له وذل ، وكذلك قيل للأسير : عان لذلة الأسر ، فأما قولهم : أخذت الشيء عنوة ، فإنه يكون وإن كان معناه يئول إلى هذا أن يكون أخذه غلبة ، ويكون أخذه عن تسليم وطاعة ، كما قال الشاعر : [ ص: 377 ]

هل أنت مطيعي أيها القلب عنوة ولم تلح نفس لم تلم في اختيالها



وقال آخر :


هل أخذوها عنوة عن مودة     ولكن بحد المشرفي استقالها



وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) يقول : ذلت .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمى ، قال : ثنى أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) يعني ب " عنت " : استسلموا لي .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله ( وعنت الوجوه ) قال : خشعت .

حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد [ ص: 378 ] عن قتادة قوله ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) أي ذلت الوجوه للحي القيوم .

حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) قال : ذلت الوجوه .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه ، قال : قال طلق : إذا سجد الرجل فقد عنا وجهه ، أو قال : عنا .

حدثني أبو حصن عبد الله بن أحمد قال : ثنا عبثر قال : ثنا حصين عن عمرو بن مرة عن طلق بن حبيب في هذه الآية ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) قال : هو وضع الرجل رأسه ويديه وأطراف قدميه .

حدثني أبو السائب قال : ثنا ابن فضيل عن ليث عن عمرو بن مرة عن طلق بن حبيب في قوله ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) قال : وهو وضعك جبهتك وكفيك وركبتيك وأطراف قدميك في السجود .

حدثنا خلاد بن أسلم قال ثنا محمد بن فضيل عن حصين عن عمرو بن مرة عن طلق بن حبيب في قوله ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) قال : وضع الجبهة والأنف على الأرض .

حدثني يعقوب : قال : ثنا هشيم قال : أخبرنا حصين عن عمرو بن مرة عن طلق بن حبيب في قوله ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) قال : هو السجود على الجبهة والراحة والركبتين والقدمين .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) قال : أستأسرت الوجوه للحي القيوم ، صاروا أسارى كلهم له ، قال : والعاني : الأسير ، وقد بينا معنى الحي القيوم فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته هاهنا .

وقوله ( وقد خاب من حمل ظلما ) يقول تعالى ذكره : ولم يظفر بحاجته وطلبته من حمل إلى موقف القيادة شركا بالله وكفرا به وعملا بمعصيته .

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله ( وقد خاب من حمل ظلما ) قال : من حمل شركا .

[ ص: 379 ] حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( وقد خاب من حمل ظلما ) قال : من حمل شركا . الظلم هاهنا : الشرك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث