الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون

وآية لهم الليل بيان لقدرته تعالى الباهرة في الزمان بعد ما بينها سبحانه في المكان، و(آية) خبر مقدم و(الليل) مبتدأ مؤخر، وقوله - تعالى - : نسلخ منه النهار استئناف لبيان كونه آية، وفي التركيب احتمالات أخر تعلم مما مر، إلا أن الأرجح ما ذكر أي نكشف ونزيل الضوء من مكان الليل وموضع إلقاء ظله وظلمته وهو الهواء، [ ص: 10 ] فالنهار عبارة عن الضوء إما على التجوز أو على حذف المضاف، وقوله - تعالى - : (منه) على حذف مضاف وذلك لأن النهار والليل عبارتان عن زمان كون الشمس فوق الأفق وتحته، ولا معنى لكشف أحدهما عن الآخر. وأصل السلخ كشط الجلد عن نحو الشاة، فاستعير لكشف الضوء عن مكان الليل وملقى ظلمته وظله استعارة تبعية مصرحة، والجامع ما يعقل من ترتب أمر على آخر، فإنه يترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل، وجوز أن يكون في النهار استعارة مكنية وفي السلخ استعارة تخييلية، والجمهور على ما ذكرنا. و(من) ابتدائية، وقيل: تبعيضية، وجعلها سببية ليس بشيء، وهذا التفسير محكي عن الفراء ، ونحوه تفسير السلخ بالنزع، واستعمال الفاء في قوله تعالى: فإذا هم مظلمون أي داخلون في الظلام؛ كما يفيده همزة الإفعال عليه - ظاهر، ووقع في عبارة الشيخ عبد القاهر والإمام السكاكي "أن المستعار له في الآية ظهور النهار من ظلمة الليل، والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلده"، وذلك - على ما قال العلامة الطيبي والفاضل اليمني - مأخوذ من قول الزجاج "معنى نسلخ منه النهار نخرج منه النهار إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوئه"، فالظهور في عبارتهما بمعنى الخروج، وهو يتعدى بـ"من" فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن.

وقد جاء بهذا المعنى كما في قول عمر لأبي عبيدة رضي الله تعالى عنهما: اظهر بمن معك من المسلمين إليها، أي الأرض، يعني اخرج إلى ظاهرها. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان صلى الله عليه وسلم يصلي العصر ولم يظهر الفيء بعد من الحجرة.) أي لم يخرج إلى ظاهرها، فسقط ما أورد عليه من أنه لو أريد الظهور لقيل "فإذا هم مبصرون" ولم يقل "فإذا هم مظلمون"؛ لأن الواقع عقيب ظهور النهار من ظلمة الليل إنما هو الإبصار لا الإظلام من غير حاجة إلى حمل العبارة على القلب؛ أي ظهور ظلمة الليل من النهار، وبعضهم رفع هذا الإيراد بأن النهار عبارة عن مجموع المدة من طلوع الفجر أو الشمس إلى الغروب لا عن بعضها، فالواقع عقيب هذه المدة كلها الدخول في الظلام. وتعقبه السالكوتي بأن الدخول في الظلام مترتب على السلخ لا على انقضاء مدة النهار.

ولعل مراد البعض أن السلخ بمعنى ظهور النهار لا يتحقق إلا بظهور كل أجزائه ومتى ظهرت أجزاء النهار كلها انقضت مدته، وذكر العلامة القطب أن السلخ قد يكون بمعنى النزع نحو سلخت الإهاب عن الشاة، وقد يكون بمعنى الإخراج نحو سلخت الشاة من الإهاب، والشاة مسلوخة، فذهب الشيخ عبد القاهر والسكاكي إلى الثاني وغيرهما إلى الأول، فاستعمال الفاء في (فإذا هم) ظاهر على قول الغير، وأما على قولهما فإنما يصح من جهة أنها موضوعة لما يعد في العادة مرتبا غير متراخ، وهذا يختلف باختلاف الأمور والعادات، فقد يطول الزمان والعادة في مثله تقتضي عدم اعتبار المهلة، وقد يكون بالعكس كما في هذه الآية. فإن زمان النهار وإن توسط بين إخراج النهار من الليل وبين دخول الظلام لكن لعظم دخول الظلام بعد إضاءة النهار وكونه مما ينبغي أن لا يحصل إلا في أضعاف ذلك الزمان عد الزمان قريبا وجعل الليل كأنه يفاجئهم عقيب إخراج النهار من الليل بلا مهلة.

ثم لا يخفى أن إذا المفاجئة إنما تصح إذا جعل السلخ بمعنى الإخراج كما يقال: أخرج النهار من الليل ففاجأه دخول الليل فإنه مستقيم بخلاف ما إذا جعل بمعنى النزع فإنه لا يستقيم أن يقال: نزع ضوء الشمس عن الهواء ففاجأه الظلام، كما لا يستقيم أن يقال: كسرت الكوز ففاجأه الانكسار؛ لأن دخولهم في الظلام عين حصول الظلام فيكون نسبة دخولهم في الظلام إلى نزع ضوء النهار كنسبة الانكسار إلى الكسر فلهذا جعلا السلخ [ ص: 11 ] بمعنى الإخراج دون النزاع اهـ كلامه، وقواه العلامة الثاني بأنه لا شك أن الشيء إنما يكون آية إذا اشتمل على نوع استغراب واستعجاب بحيث يفتقر إلى نوع اقتدار إنما هو مفاجأة الظلام عقيب ظهور النهار لا عقيب زوال ضوء النهار.

وقال السالكوتي : إن عدم استقامة المفاجأة فيما ذكر لأنها إنما تتصور فيما لا يكون مترقبا بل يحصل بغتة وحينئذ يمكن أن يقال في الجواب: إن نزع الضوء عن الليل لكون ظهوره في غاية الكمال كان المترقب فيه أن يكون في مدة مديدة، فحصول الظلام بعده في مدة قصيرة أمر غير مترقب، ثم قال: وبهذا ظهر الجواب عن التقوية، وقيل: إن الظلمة لكونها مما تنفر عنها الطباع وتكرهها النفوس يكون حصولها كأنه غير مترقب ويكفي نفس السلخ في الدلالة على الاقتدار، والذي يقتضيه ما سبق عن الطيبي واليمني أن الشيخ والسكاكي أرادا إخراج النهار من الليل إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوئه كما قال الزجاج ، ومآله إزالة ضوء النهار من مكان الليل وموضع ظلمته كما قال الفراء ، وجاء في كلامهم الظهور بمعنى الزوال كما في قول أبي ذؤيب:


وعيرها الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها



وحكى الجوهري : يقال هذا أمر ظاهر عنك عاره أي زائل. وقال المرزوقي في قول الحماسي:


وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر



أيضا، كذلك فلا مانع من أن يكون في كلام الشيخين بهذا المعنى، ويراد بالظهور الإظهار، والتعبير به مساهلة لظهور أن (نسلخ) متعد فيرجع الأمر إلى الإزالة فيتحد كلامهما بما قاله الفراء وكذا على ما قيل المراد بالظهور الخروج على وجه المفارقة لظهور الزوال فيه حينئذ وأمر المساهلة على حاله، وعلى القول بالاتحاد يجيء اعتراض العلامة والجواب هو الجواب فتأمل والله تعالى الهادي إلى الصواب.

وفي الآية على ما قال غير واحد دلالة على أن الأصل الظلمة والنور طارئ عليها يسترها بضوئه وفي الحديث ما يشعر بذلك أيضا. روى الإمام أحمد، والترمذي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره اهتدى ومن أخطأه ضل" .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث