الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فرش حروف سورة آل عمران

31 - باب فرش حروف سورة آل عمران


1 - وإضجاعك التوراة ما رد حسنه وقلل في جود وبالخلف بللا



المعنى: أن ابن ذكوان والكسائي وأبا عمرو أمالوا الألف من لفظ التوراة، حيث وقع في القرآن الكريم، سواء كان منصوبا نحو: وأنزل التوراة والإنجيل ، أم كان مرفوعا، أم مجرورا نحو: من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة ، والمراد (بالإضجاع) الإمالة الكبرى.

وقرأ حمزة، وورش بتقليل هذه الألف وهو الإمالة الصغرى، وقد يعبر عن هذا التقليل بالإمالة بين بين، واختلف فيها عن قالون، فروي عنه فيها وجهان: الفتح، والتقليل، وقرأ الباقون بالفتح، وقد ذكرنا فيما سبق أن الناظم إذا أطلق حكما في الفرش يكون المراد منه ما في السورة فحسب، ولا يكون عاما شاملا لجميع المواضع إلا إذا ذكر قرينة تدل على العموم كقوله: (حيث أتى)، أو (جميعا)، أو (في الكل)، أو نحو ذلك، هذه هي سنة الناظم في الفرش، وقد يخرج عنها في بعض المواضع فيذكر حكما في الفرش، ويطلق هذا الحكم ولا يذكر قرينة تدل على عمومه وشموله لجميع المواضع، ومع ذلك يكون المراد منه العموم والشمول، وإن لم تذكر القرينة، وما هنا من جملة هذه المواضع التي حاد فيها عن سنته، فإن هذا الحكم الذي ذكره وهو [ ص: 231 ] إمالة ألف التوراة، وتقليلها لمن ذكرهم عام شامل لجميع المواضع في القرآن الكريم، ومع ذلك لم يأت بلفظ يفيد العموم كقوله: (جميعا)، أو نحو هذا. و(الجود) بفتح الجيم المطر الغزير، ولا يخفى ما في لفظ (بللا) من المناسبة للفظ (جود).


2 - وفي تغلبون الغيب مع تحشرون في     رضا وترون الغيب خص وخللا



قرأ حمزة والكسائي: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم بالياء المثناة التحتية على الغيب، فتكون قراءة الباقين بالتاء المثناة الفوقية على الخطاب. وقرأ المرموز لهم بالخاء، وهم القراء السبعة سوى نافع بياء الغيب في يرونهم مثليهم فتكون قراءة نافع وحده بتاء الخطاب. و(خلل) بمعنى خص، وذكره بعد للتأكيد.


3 - ورضوان اضمم غير ثاني العقود كسـ     ره صح إن الدين بالفتح رفلا



أمر بضم كسر راء لفظ (رضوان) لشعبة حيث ورد في القرآن الكريم، سواء كان مرفوعا كما في هذه السورة: ورضوان من الله أم منصوبا نحو: يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ، وكرهوا رضوانه ، أم مجرورا نحو: يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ثم استثني لشعبة من هذا الحكم الموضع الثاني في المائدة وهو: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، فقرأه شعبة بكسر الراء، فتكون قراءة الباقين بكسر الراء في الجميع واستثناء الموضع الثاني في العقود يخرج الموضع الأول فيها وهو: يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، فإن شعبة يقرأ بضم الراء فيه على أصل مذهبه، ثم أخبر أن الكسائي قرأ: إن الدين عند الله الإسلام ، بفتح همزة إن، فتكون قراءة غيره بكسرها. و(رفلا) بمعنى عظم.


4 - وفي يقتلون الثان قال يقاتلو     ن حمزة وهو الحبر ساد مقتلا



قرأ حمزة (ويقاتلون الذين) بضم الياء وفتح القاف وألف بعدها وكسر التاء كما لفظ به، وهذا هو الموضع الثاني، وقرأ غيره (ويقتلون) بفتح الياء وسكون القاف وضم التاء كما لفظ به أيضا، واحترز بقوله (الثان) عن الموضع الأول، وهو (ويقتلون النبيين) فقد اتفق القراء السبعة على قراءته بفتح الياء وسكون القاف وضم التاء. و(الحبر) بفتح الحاء [ ص: 232 ] وكسرها العالم المتمكن. و(ساد) مأخوذ من السيادة وهي العظمة. و(المقتل) المجرب للأمور، وفي هذا ثناء على الإمام حمزة بالعلم والتحقيق والتجربة للأمور حتى فاق أقرانه وساد على أترابه.


5 - وفي بلد ميت مع الميت خففوا     صفا نفرا والميتة الخف خولا
6 - وميتا لدى الأنعام والحجرات خذ     وما لم يمت للكل جاء مثقلا



قرأ شعبة وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بتخفيف الياء بمعنى إسكانها في لفظ (ميت) المنكر، وهو في موضعين: سقناه لبلد ميت بالأعراف، فسقناه إلى بلد ميت بفاطر. وفي لفظ الميت المصاحب للام التعريف حيث وقع نحو: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، وقرأ الباقون وهم نافع، وحفص، وحمزة، والكسائي بتشديد الياء وكسرها في كل ما ذكر، وقرأ السبعة إلا نافعا بتخفيف الياء في لفظ (الميتة) في سورة يس في قوله تعالى: وآية لهم الأرض الميتة ، وقرأ نافع بالتشديد. وكان ينبغي للناظم أن يقيد هذا الموضع بسورته حتى لا يلتبس بغيره. وقرأ السبعة إلا نافعا أيضا بتخفيف الياء في: أومن كان ميتا بالأنعام، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا بالحجرات، وقرأ نافع بالتشديد في الموضعين. وقوله: (وما لم يمت للكل جاء مثقلا)، معناه: أن ما لم تتحقق فيه صفة الموت فهو مقروء بالتشديد لجميع القراء، نحو: وما هو بميت ، إنك ميت وإنهم ميتون ، ثم إنكم بعد ذلك لميتون ، أفما نحن بميتين ، وكما أجمع السبعة على تشديد ما لم تتحقق فيه صفة الموت أجمعوا على التخفيف في: " إنما حرم عليكم الميتة " في البقرة والنحل، حرمت عليكم الميتة بالمائدة، وإن يكن ميتة ، إلا أن يكون ميتة بالأنعام، لنحيي به بلدة ميتا بالفرقان، فأنشرنا به بلدة ميتا بالزخرف، وأحيينا به بلدة ميتا في سورة (ق).


7 - وكفلها الكوفي ثقيلا وسكنوا     وضعت وضموا ساكنا صح كفلا



قرأ الكوفيون بتشديد الفاء في (وكفلها) وغيرهم بتخفيفها، وقرأ شعبة وابن عامر بتسكين العين وضم سكون التاء في لفظ (وضعت) فتكون قراءة غيرهما بفتح العين [ ص: 233 ] لأن الفتح ضد السكون. وبسكون التاء لأنه قيد قراءة شعبة وابن عامر بضم السكون، فتكون قراءة غيرهم بالسكون. و(كفلا) بضم الكاف وتشديد الفاء مفتوحة جمع كافل.


8 - وقل زكريا دون همز جميعه     صحاب ورفع غير شعبة الاولا



قرأ حفص وحمزة والكسائي لفظ (زكريا) بدون همزة بعد الألف في جميع مواضعه من القرآن الكريم، فتكون قراءة الباقين بثبوت الهمز بعد الألف، وهم: أهل سما، وابن عامر، وشعبة، وقرأ هؤلاء الذين أثبتوا الهمز بعد الألف برفع الهمزة في لفظ (زكريا) في الموضع الأول، وهو (وكفلها زكريا) إلا شعبة، فقرأه بالنصب فيتحصل من هذا ومن ضم (وكفلها إلى زكريا) أن أهل سما وابن عامر يقرءون بتخفيف الفاء وإثبات الهمز ورفعه. وأن شعبة يقرأ بتشديد الفاء وإثبات الهمز ونصبه، وأن الباقين يقرءون بتشديد الفاء وحذف الهمز. وكل من يقرأ بالهمز يكون المد عنده من قبيل المتصل فيمده كل حسب مذهبه في المد المتصل، هذا، وقد ذكر الناظم هنا حكم الهمز رفعا ونصبا عند من يهمز في الموضع الأول فقط، ولم يتعرض لحكمه في بقية المواضع، وحكمه فيها بحسب العوامل، فهو مرفوع في ثلاثة مواضع وهي: (كلما دخل عليها زكرياء المحراب)، (هنالك دعا زكرياء ربه)، وكلاهما في هذه السورة، (يا زكرياء إنا نبشرك بغلام) في مريم، وسبب رفعه في الموضعين الأولين أنه فاعل، وفي الثالث أنه منادى مفرد علم.

ومنصوب في ثلاثة مواضع وهي: (وزكرياء ويحيى) في الأنعام، (ذكر رحمة ربك عبده زكرياء إذ نادى) في مريم، (وزكرياء إذ نادى ربه) في الأنبياء، وسبب نصبه في الأول والثالث أنه معطوف على المنصوب قبله، وفي الثاني أنه بدل أو بيان من (عبده)، وهو منصوب.


9 - وذكر فناداه وأضجعه شاهدا     ومن بعد أن الله يكسر في كلا



قرأ حمزة والكسائي فنادته الملائكة بالتذكير، أي بحذف تاء التأنيث والإتيان بدلها بألف مع إضجاع هذه الألف يعني إمالتها إمالة كبرى، وقرأ غيرهما بالتأنيث أي بإثبات تاء التأنيث بدلا من الألف. وقرأ حمزة وابن عامر أن الله الواقع في التلاوة بعد (فنادته) وهو: أن الله يبشرك بيحيى بكسر الهمزة، وقرأ غيرهما بفتحها. و(كلاء) بكسر [ ص: 234 ] الكاف والمد وقصر للوزن: الحراسة والحفظ.


10 - مع الكهف والإسرا يبشركم سما     نعم ضم حرك واكسر الضم أثقلا
11 - نعم عم في الشورى وفي التوبة اعكسوا     لحمزة مع كاف مع الحجر أولا



قرأ ابن عامر وأهل سما وعاصم لفظ (يبشر) في هذه السورة وهو في موضعين: أن الله يبشرك بيحيى ، إن الله يبشرك بكلمة ، مع اللفظ الذي في سورة الكهف والذي في سورة الإسراء وهو: ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات فيهما.

قرءوا هذه الألفاظ الأربعة بضم الياء، وتحريك الباء، أي فتحها وكسر ضم الشين وتثقيلها، فتكون قراءة حمزة والكسائي في هذه المواضع الأربعة بعكس ما ذكر أعني بفتح الياء وإسكان الباء لأنه ضد التحريك، وضم الشين وتخفيفها، وأخذ ضم الشين لهما من قوله: (واكسر الضم)، وقوله (نعم عم)، في الشورى معناه أن عاصما ونافعا وابن عامر يقرءون في موضع الشورى كقراءة ابن عامر، ومن معه في المواضع الأربعة، وموضع الشورى: ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فيقرءون بضم الياء وتحريك الباء بالفتح وكسر الشين وتشديدها، فتكون قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي بفتح الياء، وإسكان الباء وضم الشين وتخفيفها.

وقوله: (وفي التوبة اعكسوا لحمزة) إلخ، معناه أن حمزة يقرأ بضد قراءة هؤلاء المذكورين وهم: ابن عامر، ومن ذكر معه في الترجمتين.

المعنى: أنه يقرأ في المواضع الآتية مثل قراءته في المواضع الماضية، والمواضع الآتية هي: يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان في التوبة، يا زكريا إنا نبشرك بغلام ، لتبشر به المتقين كلاهما في مريم، والذي دلنا على أنه أراد الموضعين معا إطلاقه في قوله: (مع كاف) أي مع ما في هذه السورة فشمل موضعيها. وعبر عن مريم بكاف، لأنه أول هجائها، والموضع الأخير هو إنا نبشرك بغلام عليم وهو أول موضع في سورة الحجر. واحترز به عن الموضع الثاني فيها وهو: فبم تبشرون فقد اتفق السبعة على قراءته بالتشديد. وأما أبشرتموني فهو فعل ماض وكلامنا في الفعل المضارع، وقد اتفق القراء على التشديد في الفعل الماضي والأمر في القرآن الكريم حيث وقعا نحو: [ ص: 235 ] فبشرناها بإسحاق ، فبشرهم بعذاب .


12 - نعلمه بالياء نص أئمة     وبالكسر أني أخلق اعتاد أفصلا



قرأ عاصم ونافع: ويعلمه الكتاب والحكمة بالياء، فتكون قراءة غيرهما بالنون. وقرأ نافع: أني أخلق لكم ، بكسر همزة (أني) فتكون قراءة الباقين بفتحها، وقيد (أني) بـ(أخلق)، احترازا عن أني قد جئتكم المتفق على قراءته بفتح الهمزة. وفي قوله: (أفصلا) إشارة إلى توجيه قراءة نافع، وهو أن قوله تعالى (إني) بكسر الهمزة مفصول عما قبله من حيث الإعراب، فيكون مستأنفا، ويتم الكلام على ما قبله فيصح الوقف عليه، ويبتدأ بقوله أني أخلق .


13 - وفي طائرا طيرا بها وعقودها     خصوصا وياء في نوفيهم علا



قرأ الأئمة السبعة إلا نافعا فيكون طيرا بإذن الله هنا، فتكون طيرا بإذني في المائدة بياء ساكنة بين الطاء والراء، فتكون قراءة نافع بألف وهمزة مكسورة بينهما في الموضعين دون غيرهما. وقد نطق الناظم بالقراءتين معا، فاستغني باللفظ عن التقييد. وقرأ حفص فيوفيهم أجورهم بالياء، فتكون قراءة غيره بالنون.


14 - ولا ألف في ها هأنتم زكا جنى     وسهل أخا حمد وكم مبدل جلا



قرأ قنبل، وورش (هأنتم) حيث وقع في القرآن الكريم بلا ألف قبل الهمزة، فتعين للباقين القراءة بألف بين الهاء والهمزة. وقرأ نافع وأبو عمرو بتسهيل الهمزة بين بين، أي بينها وبين الألف، وكثير من أهل الأداء روى عن ورش إبدالها ألفا مع المد المشبع للساكنين.

والخلاصة: أن قنبلا يقرأ بحذف الألف وتحقيق الهمزة، وأن قالون وأبا عمرو يقرءان بإثبات الألف وتسهيل الهمزة، وأن ورشا يقرأ بحذف الألف وله في الهمزة وجهان: تسهيلها بين بين، وإبدالها ألفا مع إشباع المد لأجل الساكنين. وقرأ الباقون وهم البزي، وابن عامر، والكوفيون بإثبات الألف وتحقيق الهمزة، وهذا من جملة المواضع التي يكون الحكم فيها عاما، ولم يأت الناظم بما يدل على العموم بل أطلق الحكم فيها فأوهم إطلاقه أن الحكم خاص بهذه السورة وليست الحقيقة كذلك، بل [ ص: 236 ] هذا الحكم ثابت في لفظ (هأنتم) في جميع مواضعه.


15 - وفي هائه التنبيه من ثابت هدى     وإبداله من همزة زان جملا
16 - ويحتمل الوجهين عن غيرهم وكم     وجيه به الوجهين للكل حملا
17 - ويقصر في التنبيه ذو القصر مذهبا     وذو البدل الوجهان عنه مسهلا



المعنى: أن ها من (هأنتم) حرف فيه معنى التنبيه في قراءة ابن ذكوان والكوفيين والبزي، وحرف التنبيه يدخل على أسماء الإشارة وعلى الضمائر، ودخل هنا على الضمير الذي هو أنتم، والذي دلنا على أنها للتنبيه عند هؤلاء وليست بدلا من الهمزة: أنهم أثبتوا الألف بعد الهاء وهم لا يدخلون ألفا بين الهمزتين، وأما في قراءة قنبل وورش فالهاء بدل من همزة الاستفهام، والأصل (ءأنتم) إذ ليس من مذهبهما إدخال ألف بين الهمزتين أيضا، ولا ألف عندهما هنا، فلم تكن للتنبيه، وإنما لم يسهل قنبل الثانية لأنه قد أبدل الأولى هاء، فلم تجتمع في الكلمة همزتان، وأما ورش فسهلها نظرا للأصل.

وأما في قراءة قالون وأبي عمرو وهشام فيحتمل أن تكون ها للتنبيه عندهم، وسهل الهمزة قالون وأبو عمرو على خلاف مذهبهما، كما سهل البزي همزة لأعنتكم

ويحتمل أن تكون الهاء عند هؤلاء بدلا من الهمزة لأن مذهبهم إدخال ألف الفصل بين الهمزتين من كلمة مع تسهيل الثانية وهم يكتبون الألف هنا ويسهلون الهمزة، فكان ذلك دليلا على أن الهاء عندهم مبدلة من الهمزة، ثم إن جماعة من علماء القراءة من ذوي الرأي المسموع والقول المقبول ذكروا احتمال الوجهين للقراء السبعة، ولكن العلامة محرر الفن ابن الجزري رد هذا القول واعتمد القول الأول، وهو أن ها للتنبيه عند الكوفيين والبزي وابن ذكوان، ومبدلة من الهمزة عند ورش وقنبل، ومحتملة لهذين الوجهين عند قالون والبصري وهشام. ومعنى قوله: (ويقصر في التنبيه ذو القصر) إلخ، أننا إذا قلنا: إن ها للتنبيه يصير المد في ذلك عند من يثبتون الألف من قبيل المنفصل فيقصره من مذهبه القصر، ويوسطه من مذهبه التوسط، ويمده من مذهبه المد، ومذاهب القراء في المنفصل معلومة. وقوله: (وذو البدل الوجهان عنه مسهلا) قال الإمام [ ص: 237 ] السخاوي في شرحه وهو تلميذ الإمام الشاطبي: أراد بذي البدل ورشا، لأن ذا البدل المسهل لا يكون إلا ورشا، وأما قنبل وإن كان مذهبه البدل فإنه لا يسهل.

والمراد بالتسهيل: مطلق التغيير الشامل للإبدال وبين بين، فورش وهو ذو البدل له الوجهان المد المشبع على الإبدال، والقصر على التسهيل، والله أعلم.


18 - وضم وحرك تعلمون الكتاب مع     مشددة من بعد بالكسر ذللا



قرأ الكوفيون وابن عامر: بما كنتم تعلمون الكتاب ، بضم التاء وتحريك العين، أي فتحها وكسر اللام التي بعد العين وتشديدها، وقرأ الباقون بفتح التاء وسكون العين وفتح اللام وتخفيفها.


19 - ورفع ولا يأمركم روحه سما     وبالتاء آتينا مع الضم خولا
20 - وكسر لما فيه وبالغيب ترجعو     ن عاد وفي تبغون حاكيه عولا



قرأ الكسائي ونافع وابن كثير وأبو عمرو: ولا يأمركم ، برفع الراء فتكون قراءة عاصم وابن عامر وحمزة بنصبها. وقوله: (ولا يأمركم) مقيدا له بالواو، ولا احتراز عن أيأمركم بالكفر ، فلا خلاف بين القراء في نصب رائه، وقرأ القراء السبعة إلا نافعا (آتيتكم) بتاء مضمومة بين الياء والكاف، وقرأ نافع (آتيناكم) في موضع (آتيتكم) كما لفظ به. وقرأ حمزة لما آتيتكم بكسر اللام، فيكون غيره بفتحها، وضمير (فيه) يعود على (آتيتكم) لأن (لما) مذكور معه وملاصق له كأنه فيه. وقرأ حفص: وإليه يرجعون بياء الغيب وغيره بتاء الخطاب.

وقرأ أبو عمرو وحفص: أفغير دين الله يبغون بياء الغيب، وغيرهما بتاء الخطاب.


21 - وبالكسر حج البيت عن شاهد وغيـ     ب ما تفعلوا لن تكفروه لهم تلا



قرأ حفص وحمزة والكسائي: حج البيت بكسر الحاء، فتكون قراءة غيرهم بفتحها، وقرأ هؤلاء (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) بياء الغيب في الفعلين. وقرأ غيرهم بتاء الخطاب فيهما.

[ ص: 238 ]

22 - يضركم بكسر الضاد مع جزم رائه     سما ويضم الغير والراء ثقلا



قرأ أهل (سما): لا يضركم كيدهم شيئا بكسر الضاد وجزم الراء، وقرأ غيرهم بضم الضاد ورفع الراء وتثقيلها، وأخذ رفع الراء من الضد، لأن الرفع ضد الجزم، وإنما صرح بقراءة الغير في الضاد لأنها لا تؤخذ من الضد، وكذلك صرح بتثقيل الراء لأنه لا يؤخذ من الضد أيضا.


23 - وفيما هاهنا قل منزلين ومنزلو     ن لليحصبي في العنكبوت مثقلا



قرأ اليحصبي وهو ابن عامر: من الملائكة منزلين في هذه السورة، إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا بتشديد الزاي في الموضعين، ويلزمه فتح النون، وقرأ غيره بتخفيف الزاي فيهما، ويلزمه سكون النون.


24 - وحق نصير كسر واو مسومي     ن قل سارعوا لا واو قبل كما انجلى

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم: من الملائكة مسومين بكسر الواو. وقرأ غيرهم بفتحها. وقرأ ابن عامر ونافع: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم بلا واو قبل السين.

وقرأ غيرهما بثبوت الواو قبل السين.


25 - وقرح بضم القاف والقرح صحبة     ومع مد كائن كسر همزته دلا
26 - ولا ياء مكسورا وقاتل بعده     يمد وفتح الضم والكسر ذو ولا



قرأ شعبة وحمزة والكسائي: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، من بعد ما أصابهم القرح ، والثلاثة في هذه السورة، وليس غيرها في القرآن الكريم، قرأ هؤلاء بضم القاف في الثلاثة، وغيرهم بفتحها فيها. وقرأ ابن كثير (وكأين) حيث أتى وكيف نزل سواء كان أوله واوا كما هنا، أو فاء نحو: فكأين من قرية ، بألف وهمزة مكسورة بين الكاف والنون من غير ياء، وأراد بالمد إثبات الألف، وقرأ الباقون (وكأين) بهمزة مفتوحة وياء مكسورة مشددة بين الكاف والنون من غير ألف ونطق بـ(كائن) في البيت مجردة عن الواو والفاء ليعم جميع ما في القرآن نحو وكأين من دابة [ ص: 239 ] فكأين من قرية . وقرأ ابن عامر والكوفيون: قاتل معه ربيون كثير بالمد، أي بألف قبل التاء، وبعد القاف، وفتح ضم القاف، وفتح كسر التاء، وقرأ غيرهم بالقصر، أي بحذف الألف وضم القاف وكسر التاء. وقوله: (ذو ولا) أي متابعة.


27 - وحرك عين الرعب ضما كما رسا     ورعبا ويغشى أنثوا شائعا تلا



قرأ ابن عامر والكسائي لفظ الرعب كيف جاء في القرآن مقرونا بأل أو مجردا منها بتحريك عينه بالضم، وقرأ الباقون بسكون العين. وقرأ حمزة والكسائي (تغشى طائفة) بتاء التأنيث في (يغشى)، وقرأ غيرهما بياء التذكير.


28 - وقل كله لله بالرفع حامدا     بما يعملون الغيب شايع دخللا



قرأ أبو عمرو: قل إن الأمر كله لله برفع لام (كله) وقرأ غيره بنصبها.

وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: (والله بما يعملون بصير)، الذي بعده ولئن قتلتم بياء الغيب، وقرأ غيرهم بتاء الخطاب.


29 - ومتم ومتنا مت في ضم كسرها     صفا نفر وردا وحفص هنا اجتلا



قرأ شعبة وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر لفظ (متم، ومتنا، ومت)، حيث وقعت هذه الألفاظ في القرآن الكريم بضم كسر الميم نحو: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ، ولئن متم أو قتلتم ، أيعدكم أنكم إذا متم ، أإذا متنا وكنا ، ويقول الإنسان أإذا ما مت ، أفإن مت فهم الخالدون .

وقرأ حفص بضم الميم في هذه السورة وبكسرها في غيرها. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الميم في جميع القرآن الكريم.


30 - وبالغيب عنه تجمعون وضم في     يغل وفتح الضم إذ شاع كفلا



الضمير في (عنه) يعود على حفص يعني أن حفصا يقرأ خير مما يجمعون بياء الغيب. وقرأ غيره بتاء الخطاب. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابن عامر أن يغل بضم الياء وفتح الغين. وقرأ غيرهم بفتح الياء وضم الغين.


31 - بما قتلوا التشديد لبى وبعده     وفي الحج للشامي والآخر كملا


[ ص: 240 ] 32 - دراك وقد قالا في الانعام قتلوا     وبالخلف غيبا يحسبن له ولا



قرأ هشام: لو أطاعونا ما قتلوا بتشديد التاء، والذي دلنا على أن الناظم أراد هذا الموضع أنه ذكره بعد (متم)، (يجمعون)، (ويغل)، فخرج بذلك لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فمتفق على تخفيفه. وقرأ ابن عامر بتشديد التاء في الموضع الذي بعد هذا وهو: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، وفي موضع الحج وهو: ثم قتلوا أو ماتوا ، وقرأ ابن عامر، وابن كثير بالتشديد في الموضع الأخير في هذه السورة وهو: وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ، وفي موضع الأنعام وهو: " قد خسر الذين قتلوا أولادهم " ، وقرأ الباقون في هذه المواضع بالتخفيف، وقرأ هشام بخلف عنه (ولا يحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا) بياء الغيب. وقرأ غيره بتاء الخطاب وهو الوجه الثاني لهشام.


33 - وأن اكسروا رفقا ويحزن غير الان     بياء بضم واكسر الضم أحفلا



قرأ الكسائي: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين بكسر همزة وأن الله وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ نافع لفظ (يحزن) حيث وقع في القرآن بضم الياء وكسر الزاي نحو: ولا يحزنك الذين ، ليحزنني أن تذهبوا به ، ليحزن الذين آمنوا ، إلا قوله تعالى: لا يحزنهم الفزع الأكبر فقرأه كالجماعة بفتح الياء وضم الزاي. وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاي في جميع المواضع. و(أحفلا) منصوب على الحال من فاعل و(اكسر) أي حال كونك حافلا بهذه القراءة عاملا على نشرها.


34 - وخاطب حرفا يحسبن فخذ وقل     بما تعملون الغيب حق وذو ملا



قرأ حمزة: (ولا يحسبن الذين كفروا)، (ولا يحسبن الذين يبخلون) بتاء الخطاب فيهما، والباقون بياء الغيبة فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (والله بما تعملون خبير) بياء الغيبة وغيرهما بتاء الخطاب. وقوله: (وذو ملا) بتخفيف الهمزة أي أشراف والغرض تقوية القراءة.


35 - يميز مع الأنفال فاكسر سكونه     وشدده بعد الفتح والضم شلشلا



قرأ حمزة والكسائي: حتى يميز الخبيث من الطيب هنا، ليميز الله الخبيث من الطيب [ ص: 241 ] بالأنفال بضم الياء الأولى وفتح الميم وكسر الياء الثانية وتشديدها. وقرأ غيرهما بفتح الياء الأولى وكسر الميم وسكون الياء الثانية.


36 - سنكتب ياء ضم مع فتح ضمه     وقتل ارفعوا مع يا نقول فيكملا



قرأ حمزة: سنكتب ما قالوا بياء مضمومة في مكان النون المفتوحة مع فتح ضم التاء، ورفع اللام في " وقتلهم " مع قراءة (ويقول) بالياء في مكان النون. وقرأ غيره (سنكتب) بنون مفتوحة وتاء مضمومة ونصب اللام في وقتلهم مع قراءة (ونقول) بالنون.


37 - وبالزبر الشامي كذا رسمهم وبال     كتاب هشام واكشف الرسم مجملا



قرأ الشامي وهو ابن عامر (وبالزبر) بزيادة الباء، وهكذا رسم هذا اللفظ في مصحف الشاميين. وقرأ هشام وحده (وبالكتاب) بالباء، وإنما انفرد هشام في زيادة الباء في (وبالكتاب) لاختلاف مصاحف الشام فيه، فقد قال الإمام الداني في المقنع: هو في الموضعين بالباء، وقال هارون بن موسى الأخفش: إن الباء زيدت في المصحف الذي وجه به إلى الشام في (وبالزبر) وحده، وإلى هذا الاختلاف أشار الناظم بقوله (واكشف الرسم مجملا) أي حال كونك آتيا بالجميل في القول والفعل.

والخلاصة: أن هشاما يقرأ بزيادة الباء في الموضعين: (وبالزبر وبالكتاب)، وابن ذكوان يقرأ بزيادتها في الموضع الأول، (وبالزبر) وأن الباقين يقرءون بترك الباء في الموضعين.


38 - صفا حق غيب يكتمون يبينن     ن لا تحسبن الغيب كيف سما اعتلا
39 - وحقا بضم البا فلا تحسبنهم     وغيب وفيه العطف أو جاء مبدلا



قرأ شعبة وابن كثير وأبو عمرو: (ليبيننه للناس ولا يكتمونه) بياء الغيب في الفعلين، والباقون بتاء الخطاب فيهما. وقرأ ابن عامر ونافع وابن كثير وأبو عمرو (لا تحسبن الذين يفرحون) بياء الغيب. وقرأ الباقون بتاء الخطاب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (فلا تحسبنهم) بضم الباء وياء الغيبة. ثم ذكر وجه قراءة ابن كثير وأبي عمرو في (فلا تحسبنهم) بأن الفعل إما معطوف على الفعل قبله وإما بدل منه.

[ ص: 242 ]

40 - هنا قاتلوا أخر شفاء وبعد في     براءة أخر يقتلون شمردلا



قرأ حمزة والكسائي هنا (وقتلوا وقاتلوا) بتقديم (وقتلوا) وتأخير (وقاتلوا)، وفي سورة براءة (فيقتلون ويقتلون) بتقديم الفعل المبني للمفعول وتأخير المبني للفاعل، وقرأ الباقون بعكس قراءة حمزة والكسائي في السورتين، والشمردل الكريم.


41 - وياءاتها وجهي وإني كلاهما     ومني واجعل لي وأنصاري الملا



اشتملت السورة على ياءات الإضافة الآتية: أسلمت وجهي لله ، وإني أعيذها ، أني أخلق لكم ، فتقبل مني إنك ، اجعل لي آية ، من أنصاري إلى الله ، (والملاء) بكسر الميم والمد وقصر لضرورة الشعر جمع مليء، وهو الثقة الثبت.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث