الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون "

القول في تأويل قوله تعالى : ( ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ( 31 ) وإن كل لما جميع لدينا محضرون ( 32 ) )

يقول - تعالى ذكره - : ألم ير هؤلاء المشركون بالله من قومك يا محمد كم أهلكنا قبلهم بتكذيبهم رسلنا ، وكفرهم بآياتنا من القرون الخالية ( أنهم إليهم لا يرجعون ) يقول : ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل [ ص: 513 ] .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ) قال : عاد ، وثمود ، وقرون بين ذلك كثير .

و " كم " من قوله ( كم أهلكنا ) في موضع نصب إن شئت بوقوع يروا عليها . وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : ( ألم يروا من أهلكنا ) وإن شئت بوقوع أهلكنا عليها ; وأما " أنهم " ، فإن الألف منها فتحت بوقوع يروا عليها . وذكر عن بعضهم أنه كسر الألف منها على وجه الاستئناف بها ، وترك إعمال يروا فيها .

وقوله ( وإن كل لما جميع لدينا محضرون ) يقول - تعالى ذكره - : وإن كل هذه القرون التي أهلكناها والذين لم نهلكهم وغيرهم عندنا يوم القيامة جميعهم محضرون .

كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وإن كل لما جميع لدينا محضرون ) أي هم يوم القيامة .

واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة ، والبصرة ، وبعض الكوفيين : ( وإن كل لما ) بالتخفيف توجيها منهم إلى أن ذلك " ما " أدخلت عليها اللام التي تدخل جوابا لإن ، وأن معنى الكلام : وإن كل لجميع لدينا محضرون . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة ( لما ) بتشديد الميم . ولتشديدهم ذلك عندنا وجهان : أحدهما : أن يكون الكلام عندهم كان مرادا به : وإن كل لمما جميع ، ثم حذفت إحدى الميمات لما كثرت ، كما قال الشاعر :

غداة طفت علماء بكر بن وائل وعجنا صدور الخيل نحو تميم

[ ص: 514 ] والآخر : أن يكونوا أرادوا أن تكون ( لما ) بمعنى إلا مع إن خاصة فتكون نظيرة إنما إذا وضعت موضع " إلا " . وقد كان بعض نحويي الكوفة يقول : كأنها " لم " ضمت إليها " ما " ، فصارتا جميعا استثناء ، وخرجتا من حد الجحد . وكان بعض أهل العربية يقول : لا أعرف وجه " لما " بالتشديد .

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث