الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون "

القول في تأويل قوله تعالى : ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ( 66 ) ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ( 67 ) )

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط ) فقال بعضهم : معنى ذلك : ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى ، وأضللناهم عن قصد المحجة .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) يقول : أضللتهم وأعميتهم عن الهدى . وقال آخرون : معنى ذلك : ولو نشاء لتركناهم عميا .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن في قوله ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ) قال : لو يشاء لطمس على أعينهم فتركهم عميا يترددون .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ) يقول : لو شئنا لتركناهم عميا يترددون . وهذا القول الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبه بتأويل الكلام ؛ لأن الله إنما تهدد به قوما كفارا ، فلا وجه لأن يقال - وهم كفار - لو نشاء لأضللناهم وقد أضلهم . ولكنه قال : لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم ، فطمسنا على أعينهم فصيرناهم عميا لا يبصرون طريقا ، ولا يهتدون له . والطمس على العين : هو أن لا يكون بين جفني العين غر ، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين كما تطمس الريح الأثر ، يقال : أعمى مطموس وطميس .

وقوله ( فاستبقوا الصراط ) يقول : فابتدروا الطريق .

كما حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( فاستبقوا الصراط ) قال الطريق .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فاستبقوا الصراط ) أي : الطريق .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( فاستبقوا الصراط ) قال : الصراط الطريق .

وقوله ( فأنى يبصرون ) يقول : فأي وجه يبصرون أن يسلكوه من الطرق ، وقد طمسنا على أعينهم .

كما حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله ( فأنى يبصرون ) وقد طمسنا على أعينهم .

وقال الذين وجهوا تأويل قوله ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) إلى أنه معني به العمى عن الهدى : تأويل قوله ( فأنى يبصرون ) : فأنى يهتدون للحق [ ص: 547 ] .

ذكر من قال ذلك :

- حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ( فأنى يبصرون ) يقول : فكيف يهتدون .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( فأنى يبصرون ) يقول : لا يبصرون الحق .

وقوله ( ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ) يقول - تعالى ذكره - : ولو نشاء لأقعدنا هؤلاء المشركين من أرجلهم في منازلهم ( فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ) يقول : فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ، ولا أن يرجعوا وراءهم .

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ( ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ) قال : لو نشاء لأقعدناهم .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، ثنا سعيد عن قتادة ( ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ) أي : لأقعدناهم على أرجلهم ( فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ) فلم يستطيعوا أن يتقدموا ولا يتأخروا .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولو نشاء لأهلكناهم في منازلهم .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ) يقول : ولو نشاء أهلكناهم في مساكنهم ، والمكانة والمكان بمعنى واحد . وقد بينا ذلك فيما مضى قبل .

[ ص: 548 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث