الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم

ولما كان هذا الإخبار عن إحاطة علمه وشمول قدرته مع أنه بديهي التصور - يحتاج عند من جره الهوى إلى الشرك المقتضي للنقص إلى دليل [معه] فقد كان العرب ينكرون أن يسع الناس كلهم إله [ ص: 361 ] واحد، قال تعالى دالا على ذلك بدليل شهودي ليفيد الإنسان بما يراه من المحسوسات، قاصرا الخطاب على أعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره: ألم تر أي تعلم علما هو في وضوحه كالرؤية بالعين أن الله أي الذي له صفات الكمال كلها يعلم ما في السماوات كلها. ولما كان الخطاب لأعلى الخلق، وكان المقام لإحاطة العلم، وكان خطابه صلى الله عليه وسلم بذلك إشارة للسامعين إلى وعورة هذا المقام وأنه بحيث لا يكاد يتصوره ولا يفهمه حق فهمه إلا هو صلى الله عليه وسلم ومن ألحق به ممن صفا فهمه وسوي ذهنه وانخلع من الهوى والعوائق، جمع وأكد بإعادة الموصول، فإفراده صلى الله عليه وسلم بالخطاب بعد أن كان مع المظاهرين ثم المحادين إشارة إلى التعظيم وتأكيده تنبيه على صعوبة المقام بالتعميم ليرعى حق الرعي توفية بحق التعليم كما رعته الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قولها (سبحان من وسع سمعه الأصوات) يعني في سماعه مجادلة المرأة وهو في غاية الخفاء فقال تعالى: وما في الأرض أي كليات ذلك وجزئياته، لا يغيب عنه شيء منه، بدليل أن تدبيره محيط بذلك على أتم ما يكون، وهو يخبر من يشاء من أنبيائه وأصفيائه بما يشاء من أخبار ذلك، القاصية والدانية، الحاضرة والغائبة، الماضية [ ص: 362 ] والآتية، فيكون كما أخبر.

ولما كان ذلك وإن كان معلوما يتعذر إحاطة الإنسان بكل جزئي منه، دل عليه بما هو أقرب [منه] فقال: " ما تكون " بالفوقانية في قراءة أبي جعفر لتأنيث النجوى إشارة إلى العلم بها ولو ضعفت إلى أعظم حد، وقرأ الباقون بالتحتانية للحائل، ولأن التأنيث غير حقيقي، وهي على كل حال من "كان" التامة، وعمم النفي بقوله: من نجوى أي تناجي متناجين، جعلوا نجوى مبالغة، والنجوى: السر والمسارون، اسم ومصدر - قاله في القاموس، وقال عبد الحق في الواعي: النجوى /الكلام بين الاثنين كالسر والتشاور - انتهى. [و]أصله من النجوى - للمرتفع من الأرض، والنجو: الخلوص والقطع وكشط الجلد والحدث والكشف، لأن المسارر يرفع ما كان في ضميره إلى صاحبه ويخلصه بمساررته له ويقطعه من ضميره ويكشطه منه ويحدثه ويكشفه.

ولما كانت النجوى لا تكمل إلا بثالث يحفظ الأنس بإدامة الاجتماع لأن الاثنين ينفردان عند عروض حاجة لأحدهما ويكونان [في] التناجي والتشاور كالمتنازعين، والثالث وسط بينهما مع أنه سبحانه [ ص: 363 ] وتر يحب الوتر، والثلاثة أول أوتار العدد، كما كان حافظا لها في أزل الأزل قال: ثلاثة أي في حال من الأحوال إلا هو رابعهم أي مصيرهم أربعة، فهو اسم فاعل والمعنى بعلمه وقدرته كما يكون كل من المتناجين عالما بنجوى البعض، فروح النجوى العلم بالسر.

ولما كان الثلاثة قد يريد أحدهم أن ينفرد بآخر منهم، فيصير الثالث وحده، فإذا كانوا أربعة دام الأنس بينهم ثم لا يكمل إلا بخامس يحفظ الاجتماع إذا عرضت لأحد الاثنين حاجة قال: ولا خمسة أي من نجواهم إلا هو سادسهم كذلك، فالحاصل أنه ما يكون من وتر إلا كان هو سبحانه شافع وتريته، وأما وتريته [هو] سبحانه فقد كانت ولا شيء معها أصلا، وستكون ولا حي معها، فلا وتر في الوجود على الحقيقة غيره.

ولما علم بالتكرير أن ما ذكر على سبيل المثال لا لمعنى يخصه من جهة بالعلم، عم بقوله: ولا أدنى فبدأ بالقليل لأنه قبل الكثير و[هو] أخفى منه من ذلك أي الذي ذكر وهو الواحد والاثنان والأربعة الذي بعيد عن رتبته وإن كان قد شرفه سبحانه بإطلاق معيته بعد أن لا نسبة له منها.

ولما كان العلم بالكثير أعسر من أجل انتشاره [قال]: [ ص: 364 ] ولا أي يكون من نجوى أكثر أي من ذلك كالستة فما فوقها لا إلى نهاية - هذا التقدير على قراءة الجماعة بالجر بفتحة الراء ورفع يعقوب على محل من نجوى إلا هو معهم أي يعلم ما يجري منهم وبينهم، ويلزم من إحاطة علمه إحاطة قدرته كما تقدم في طه لتكمل شهادته.

ولما كان العموم في المكان يستلزم [العموم] في الزمان، وكان المكان أظهر في الحس قال: أين ما أي في أي مكان كانوا فإنه لا مسافة بينه وبين شيء من الأشياء لأنه الذي خلق المسافة، وعلمه بالأشياء ليس لقرب مكان حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة ولا بسبب من الأسباب غير وجوده على ما هو عليه من صفات الكمال، قال الرازي: ما فارق الأكوان الحق ولا قارنها، كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها ومظهرها، وكيف يقارن الحدث القدم وهو به قوام الكل، وهو القيوم على الكل - انتهى. والحاصل أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء من العالم وإن بلغ في دقته إلى ما لا ينقسم، وهو شاهد لذلك كله حفظا وعلما وإحاطة وحضورا، وآية ذلك في خلقه أن جملة الجسم يحيى بالروح، فلا يبقى جزء منه إلا وهو محفوظ بالروح [ ص: 365 ] يحس بسببها وهو سبحانه لا يحجب علمه ولا شيئا من صفاته حجاب، فقد صحت المعية وهو بحيث لا يحويه المكان ولا يحصره العد، يقبض المخلوق ويبسطه، لا يصعد المخلوق ولا صفته ولا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته، إنما له من المكان المكانة، ومن العلم العلا، ومن الأسماء والصفات مقتضاها - أشار إلى ذلك ابن برجان وقال: ومن تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من التحقيق ما نحن بسبيل تبيانه ما قدر له، ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن كانوا موصوفين به ثم الملائكة أرفع قدرا ومكانة، بل إن الروح من جميع الجملة التي تحمله، به حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإذن الله خالقه،

"قال عليه الصلاة والسلام في خطبته الكبرى وهي آخر خطبة خطبها أخرجها الحارث بن أبي أسامة: رقي المنبر وقال: أيها الناس ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم - ثلاث مرات، فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض، والتفتوا فلم يروا أحدا، فقال رجل منهم بعد الثالثة: لمن نوسع يا رسول الله أللملائكة؟ فقال: لا إنهم إذ كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم [ولا من خلفكم] ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم [وعلى ذلك] فليسوا في مكان [ ص: 366 ] الأيمان هنا والشمائل بل في المكان من ذلك، فالله جل جلاله أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء - انتهى.

ولما كان الإنسان نساء ولا سيما إن تمادى [به] الزمان، قال عاطفا على ما تقديره: فيضبط عليهم حركاتهم وسكناتهم من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، ويحفظها على طول الزمان كما كان حافظا لها قبل خلقها ثم أزل الأزل ثم ينبئهم أي يخبر أصحابها إخبارا عظيما بما عملوا دقيقة وجليلة يوم القيامة الذي هو المراد الأعظم من الوجود لإظهار الصفات العلى فيه أتم إظهار. ولما أخبر تعالى بهذا الأمر العظيم، علله بما هو دليل على الشهادة فقال مؤكدا لما لهم [من الإنكار] قولا أو فعلا بالاشتراك الذي [يلزم] منه النقص إن الله أي الذي له الكمال كله. ولما كان المقام للإبلاغ في إحاطة العلم، قدم الجار كما مضت الإشارة إليه غير مرة قال: بكل شيء مما ذكر وغيره عليم أي بالغ العلم فهو على كل شيء قدير، فهو على كل شيء شهيد، لأن نسبة ذاته الأقدس إلى الأشياء كلها على حد سواء لا فرق أصلا بين شيء وآخر، قال القشيري: معية الحق سبحانه وإن كانت على العموم بالعلم والرؤية وعلى الخصوص بالفضل والنصرة، فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثر عظيم إلى أن ينتهي الأمر بهم [ ص: 367 ] إلى التأويل، فللوله والهيمان في خمار سماع هذا عين رغد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث