الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم

ولما أدب عباده المؤمنين في الممتحنة عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتمه في الصف بما حذر من إزاغة القلوب لمن آذى نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، وأعلم أنه سبحانه جمع الآداب كلها في هذا الكتاب الذي أنزله على نبيهم الذي جعله خاتم الأنبياء وأشرف الأصفياء، ودل على فضله العظيم بتعليم الجاهل، دل على عقابه الأليم تتميما للدلالة على باهر قدرته بتجهيل العالم بإزاغة قلبه وإذهاب لبه بيأسه من الآخرة لغضبه عليه تحذيرا من الوقوع بما يوجب الإضلال بعد العلم، فقال جوابا لمن كأنه قال: هذا فضله على الجاهل فكيف [ ص: 55 ] فعله بالعالم؟ فقال تحذيرا من يزكي فلا يتزكى بأن يقول ما لا يعمل، ويحمل الكتاب فيحمله غير عالم به من أن يفعل به ما فعل باليهود من الذل في الدنيا والخزي [والعذاب] في الآخرة بإزاغة القلوب وإحاطة الذنوب فيكون أقبح مما قيل فيه.


من فاته العلم وأخطأ الغنى ... فذاك والكلب على حد سوا



مثل الذين ولما كان العلم ولا سيما الرباني يجب أن يفرح به ويرغب فيه من أي موصل كان، بني للمجهول قوله وصيانة لاسمه الشريف عن أن يذكر عن العصيان: حملوا التوراة أي كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف والتلبيس وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع.

ولما كان تركهم لحملها وهي من عند الله وعلى لسان رجل منهم هو أعظم في أنفسهم وأجلهم إحسانا إليهم في غاية البعد ولا سيما مع طول الزمان المسهل لحفظها الميسر لتدبرها وتعرف مقدارها، عبر بأداة البعد فقال: ثم لم يحملوها بأن حفظوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها من الوصية باتباع عيسى عليه الصلاة والسلام إذا جاءهم ثم محمد صلى الله عليه وسلم إذا جاء، فهي ضارة لهم بشهادتها عليهم قاذفة لهم في النار [ ص: 56 ] من غير نفع أصلا كمثل أي مثل مثل الحمار الذي هو أبله الحيوان، فهو مثل [في] الغباوة، حال كونه يحمل أسفارا أي كتبا من العلم كاشفة للأمور تنفع الألباء، جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه.

ولما كان المثل الجامع لهما - وهو وجه الشبه - شخصا مثقلا متعبا جدا بشيء لا نفع له به أصلا فهو ضرر عليه صرف لا يدرك ما هو حامله غير أنه متعب ولا يدري أصخر هو أم كتب، أنتج قوله معبرا بالأداة التي هي لجامع الذم ترهيبا للآدميين من أن يتهاونوا بشيء من أحكام القرآن فيكونوا أسوأ مثلا من أهل الكتاب فيكونوا دون الحمار لأن رسولهم صلى الله عليه وسلم أعظم وكتابهم أعلى وأفخم فقال: بئس مثل القوم أي الذين لهم قوة شديدة على محاولة ما يريدونه فلم يؤتوا من عجز يعذرون به الذين كذبوا أي عمدوا على علم عنادا منهم وكفرا بآيات الله أي دلالات الملك الأعظم على رسله ولا سيما محمد صلى الله عليه وسلم وجميع ما يرضيه مثلهم فإن مثلهم قد تكفل بتعريف أنهم قد اجتمعوا مع الحمار في وصف هو الروح الباطني، وهو الضرر الصرف الذي لا نفع فيه بوجه بأنفع الأشياء، وهو ما دل على الله فضمن سعادة الدارين، وهذا المثل وإن كان نصا [ ص: 57 ] في اليهود فهو لجميع قراء السوء من كل ملة لاشتراكهم معهم في وجه الشبه كما أن مثل الكلب في الأعراف على هذا النحو، وكأنه لم يدخل سبحانه هذه الأمة في ذلك صريحا إشارة إلى حفظها من غير أن يكلها إلى نفسها كما أنه آتاها العلم مع الأمية منها ومن رسولها من غير أن يكلهم إلى كتابة ولا تقدم علم ما ولا تكلف لشيء.

ولما كان التقدير: فاستحقوا الوصف بجميع المذام لأنهم ظلموا أشد الظلم، عطف عليه قوله: والله أي الذي له جميع صفات الكمال لا يهديهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: لا يهدي القوم أي لا يخلق الهداية في قلوب الأقوياء الذين تعمدوا الزيغ: الظالمين أي الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان الذي لم يدع لبسا حتى صار الظلم لهم صفة راسخة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث