الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - والمستحب أن تنحر الإبل معقولة من قيام لما روي { أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلا أضجع بدنة فقال : قياما ، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم } [ ص: 95 ] وتذبح البقر والغنم مضجعة لما روى أنس رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين أملحين ذبحهما بيده ووضع رجله على صفاحهما وسمى وكبر } والبقر كالغنم في الذبح فكان مثله في الاضطجاع والمستحب أن توجه الذبيحة إلى القبلة لأنه لا بد لها من جهة فكانت جهة القبلة أولى ، والمستحب أن يسمي الله تعالى على الذبح لما روى عدي بن حاتم قال : { سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال : إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه وكل } فإن ترك التسمية لم يحرم لما روت عائشة رضي الله عنها { أن قوما قالوا : يا رسول الله إن قوما من الأعراب يأتون باللحم لا ندري أذكروا اسم الله تعالى عليه أم لا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذكر اسم الله تعالى عليه وكل } والمستحب أن يقطع الحلقوم والمريء والودجيند لأنه أوحى وأروح للذبيحة فإن اقتصر على الحلقوم والمريء أجزأه لأن الحلقوم مجرى النفس والمريء مجرى الطعام والروح لا تبقى مع قطعهما والمستحب أن ينحر الإبل ويذبح البقر والشاة فإن خالف ونحر البقر والشاة وذبح الإبل أجزأه لأن الجميع موت من غير تعذيب ويكره أن يبين الرأس وأن يبالغ في الذبح إلى أن يبلغ النخاع وهو عرق يمتد من الدماغ ويستبطن الفقار إلى عجب الذنب لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه ( نهي عن النخع ) ولأن فيه زيادة تعذيب فإن فعل ذلك لم يحرم لأن ذلك يوجد بعد حصول الذكاة وإن ذبحه من قفاه فإن بلغ السكين الحلقوم والمريء وقد بقيت فيه حياة مستقرة حل لأن الذكاة صادفته وهو حي وإن لم يبق فيه حياة مستقرة إلا حركة مذبوح لم يحل لأنه صار ميتا قبل الذكاة فإن جرح السبع شاة فذبحها صاحبها وفيها حياة مستقرة حلت وإن لم يبق فيها حياة مستقرة لم تحل لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة الخشني : وإن رد عليك كلبك غنمك وذكرت اسم الله عليه ، وأدركت ذكاته فذكه ، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكله } .

والمستحب إذ ذبح أن لا يكسر عنقها ولا يسلخ جلدها قبل أن تبرد لما روي أن الفرافصة قال لعمر رضي الله عنه إنكم تأكلون طعاما لا نأكله فقال : وما ذاك يا أبا حسان ؟ فقال : تعجلون الأنفس قبل أن تزهق فأمر عمر رضي الله عنه مناديا ينادي إن الذكاة في الحلق واللبة لمن قدر ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق

[ ص: 96 ]

التالي السابق


( فرع ) في مذاهب العلماء في ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح . قد ذكرنا أن السنة ذبح البقر والغنم ونحر الإبل فلو خالف وذبح الإبل ونحر البقر والغنم جاز . هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء قال ابن المنذر : قال بهذا أكثر أهل العلم منهم عطاء وقتادة والزهري والثوري والليث بن سعد وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وقال مالك : إن ذبح البعير من غير ضرورة أو نحر الشاة من غير ضرورة كره أكلها ، وإن نحر البقر فلا بأس . قال ابن المنذر : وأجمع الناس على أن من نحر الإبل وذبح البقر [ ص: 103 ] والغنم فهو مصيب ، قال : ولا أعلم أحدا حرم أكل بعير مذبوح أو بقرة وشاة منحورين ، قال : وإنما كره مالك ذلك كراهة تنزيه ، وقد يكره الإنسان الشيء ولا يحرمه ، وذكر القاضي عياض عن مالك رواية بالكراهة ، ورواية بالتحريم ، ورواية بإباحة ذبح المنحور دون نحر المذبوح ، ونقل العبدري عن داود أنه قال : إذا ذبح الإبل ونحر البقر لم يؤكل ، وهو محجوج بإجماع من قبله وبما ذكره المصنف



( فرع ) في مذاهبهم فيما يشترط قطعه لحصول الذكاة . قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط قطع الحلقوم والمريء بكمالهما ، وأن الودجين سنة ، وهو أصح الروايتين عن أحمد . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنه إذا قطع بما يجوز الذبح به وسمى ، وقطع الحلقوم والمريء والودجين وأسال الدم حصلت الذكاة ، وحلت الذبيحة قال : واختلفوا في قطع البعض وكان الشافعي يقول : يشترط قطع الحلقوم والمريء ويستحب الودجين وقال الليث وداود : يشترط قطع الجميع واختاره ابن المنذر . وقال أبو حنيفة إذا قطع ثلاثة من الأربعة حل والأربعة هي الحلقوم والمريء والودجان . وقال أبو يوسف لا لروايات ( إحداها ) كأبي حنيفة ( والثانية ) إن قطع الحلقوم واثنين من الثلاثة الباقية حل وإلا فلا ( والثالثة ) يجب قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين ، وقال محمد بن الحسن : إن قطع من كل واحد من الأربعة أكثره حل وإلا فلا ، وقال مالك : يجب قطع الحلقوم والودجين ، ولا يشترط المريء ، ونقله العبدري عنه وعن الليث بن سعد ، فيصير عن الليث روايتان ، وعن مالك رواية كاشتراط قطع الأربعة ، وهو قول أبي ثور ، وعن مالك أيضا الاكتفاء بالودجين . دليلنا ما ذكره المصنف [ ص: 104 ] فرع ) إذا ذبح الشاة ونحوها من قفاها ، فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه إن وصل السكين إلى الحلقوم والمريء . وفيه حياة مستقرة ، حل وإلا فلا . قال العبدري وقال مالك وداود : لا تحل بحال . وقال أحمد فيه روايتان ( إحداهما ) تحل ( والثانية ) لا تحل إن تعمد ، وقال الرازي الحنفي : قال أصحابنا : إن مات بعد قطع الأوداج الأربعة حل ، وإلا فلا وحكى ابن المنذر عن الشعبي والثوري والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق وأبي ثور ومحمد ، حل المذبوح من قفاه ، وعن ابن المسيب وأحمد منعها .

( فرع ) في مذاهبهم إذا قطع رأس الذبيحة . مذهبنا أنها إذا ذكيت الذكاة المعتبرة وقطع رأسها في تمام الذبح حلت ، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعمران بن الحصين وعطاء والحسن البصري والشعبي والنخعي والزهري وأبي حنيفة وإسحاق وأبي ثور ومحمد وكرهها ابن سيرين ونافع وقال مالك : إن تعمد ذلك لم يأكلها ، وهي رواية عن عطاء .



( فرع ) في مذاهبهم في الشاة المنخوعة : قد ذكرنا أن النخع أن يعجل الذابح فيبلغ بالذبح إلى النخاع ، ومذهبنا أن هذا الفعل مكروه والذبيحة حلال ، قال ابن المنذر : وقال ابن عمر : لا تؤكل ، وبه قال نافع وكرهه إسحاق . وقال مالك : لا أحب أن يتعمد ذلك ، وكرهت طائفة الفعل وأباحت الأكل ، وبه قال النخعي والزهري والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور ، قال ابن المنذر : بقول هؤلاء أقول ، قال : ولا حجة لمن منع أكله بعد الذكاة .



( فرع ) في مذاهبهم فيما يقطع من الشاة بعد الذكاة قبل أن تبرد . مذهبنا أن الفعل مكروه ، والعضو المقطوع حلال ، وبه قال مالك وأبو حنيفة [ ص: 105 ] وأحمد وإسحاق قال ابن المنذر : وكره ذلك عطاء : قال : وقال عمرو بن دينار : ذلك العضو ميتة ، وقال عطاء : ألق ذلك العضو .



( فرع ) في مذاهبهم في نحر الإبل قائمة . أجمعوا أن الأفضل ذبح البقر والغنم مضجعة ( وأما ) الإبل فمذهبنا [ ص: 106 ] أنه يسن نحرها قائمة معقولة اليد اليسرى كما سبق ، وبه قال العلماء كافة إلا الثوري وأبا حنيفة فقالا : سواء نحرها قائمة وباركة ، ولا فضيلة . وحكى القاضي عياض عن عطاء ، أن نحرها باركة معقولة أفضل من قائمة . وهذان المذهبان مردودان بالأحاديث الصحيحة السابقة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث