الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وقوله تعالى: لابثين فيها أي: مقيمين في جهنم ملازمين لها، حال مقدرة من المستكن في: للطاغين .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ عبد الله وعلقمة وزيد بن علي وابن وثاب وعمرو بن شرحبيل وابن جبير وطلحة والأعمش وحمزة وقتيبة وسورة وروح: «لبثين» بغير ألف بعد اللام وفيه من المبالغة ما ليس في لابثين وقال أبو حيان: إن فاعلا يدل على من وجد منه الفعل وفعلا يدل على من شأنه ذلك كحاذر وحذر.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله تعالى: أحقابا ظرف للبثهم وهو وكذا أحقب جمع حقب بالضم وبضمتين وهو على ما روي عن الحسن بزمان غير محدود ونحوه تفسير بعض اللغويين له بالدهر، وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه قال: الحقب الواحد ثمانون سنة، وأخرج نحوه البزار عن أبي هريرة، وابن جرير عن ابن عباس، [ ص: 15 ] وابن المنذر عن ابن عمر، وروي عن جمع من السلف بيد أنهم قالوا: إن كل يوم منه؛ أي: هنا مقدار ألف سنة من سني الدنيا.

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر مرفوعا أنه بضع وثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم ألف سنة مما تعدون.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: أربعون سنة، وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت فيه حديثا مرفوعا وقال بعض اللغويين سبعون ألف سنة. واختار غير واحد تفسيره بالدهر وأيا ما كان فالمعنى لابثين فيها أحقابا متتابعة كلما مضى حقب تبعه حقب آخر، وإفادة التتابع في الاستعمال بشهادة الاشتقاق؛ فإنه من الحقيبة وهي ما يشد خلف الراكب، والمتتابعات يكون أحدها خلف الآخر فليس في الآية ما يدل على خروج الكفرة من النار وعدم خلودهم فيها لمكان فهم التتابع في الاستعمال، وصيغة القلة لا تنافي عدم التناهي؛ إذ لا فرق بين تتابع الأحقاب الكثيرة إلى ما لا يتناهى، وتتابع الأحقاب القليلة كذلك، وقيل: إن الصيغة هنا مشتركة بين القلة والكثرة؛ إذ ليس للحقب جمع كثرة فليرد بها بمعونة المقام جمع الكثرة، وتعقب بثبوت جمع الكثرة له وهو الحقب كما ذكر الراغب، والذي رأيته في مفرداته أن الحقب؛ أي بكسر الحاء وفتح القاف الحقبة المفسرة بثمانين عاما، نعم قيل: إنه ينافيه ما ورد أنه يخرج أناس من أهل النار من النار ويقربون من الجنة حتى إذا استنشقوا ريحها ورأوا ما أعد الله تعالى لعباده المؤمنين فيها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيردون إلى النار بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها، وتعقب بأنه إن صح إنما ينافيه لو كان الخروج حقبا تاما، أما لو كان في بعض أجزاء الحقب فلا لبقاء تتابع الأحقاب جملة سلمنا لكن هذا الإخراج الذي يستعقب الرد لزيادة التعذيب كاللبث في النار أشد، والكلام من باب التغليب وليس فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، ثم إن وجد أن في الآية ما يقتضي الدلالة على التناهي والخروج من النار ولو بعد زمان طويل فهو مفهوم معارض بالمنطوق الصريح بخلافه كآيات الخلود، وقوله تعالى: وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم إلى غير ذلك وإن جعل قوله تعالى:

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية