الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى بأن ربك أوحى لها

( بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ) أما قوله تعالى : ( بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ) ففيه سؤالان :

السؤال الأول : بم تعلقت الباء في قوله : ( بأن ربك ) ؟ الجواب : بـ"تحدث" ، ومعناه تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها .

السؤال الثاني : لم لم يقل أوحى إليها ؟ الجواب : فيه وجهان :

الأول : قال أبو عبيدة : ( أوحى لها ) أي أوحى إليها وأنشد العجاج :


أوحى لها القرار فاستقرت



الثاني : لعله إنما قال : لها ؛ أي : فعلنا ذلك لأجلها حتى تتوسل الأرض بذلك إلى التشفي من العصاة .

قوله تعالى : ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ) الصدور ضد الورود ، فالوارد : الجائي ، والصادر : المنصرف ، وأشتاتا : متفرقين ، فيحتمل أن يردوا الأرض ، ثم يصدرون عن الأرض إلى عرصة القيامة ، ويحتمل أن يردوا عرصة القيامة للمحاسبة ثم يصدرون عنها إلى موضع الثواب والعقاب ، فإن قوله : ( أشتاتا ) أقرب إلى الوجه الأول ولفظة الصدر أقرب إلى الوجه الثاني ، وقوله : ( ليروا أعمالهم ) أقرب إلى الوجه الأول لأن رؤية أعمالهم مكتوبة في الصحائف أقرب إلى الحقيقة من رؤية جزاء الأعمال ، وإن صح أيضا أن يحمل على رؤية جزاء الأعمال ، وقوله : ( أشتاتا ) فيه وجوه :

أحدها : أن بعضهم يذهب إلى الموقف راكبا مع الثياب الحسنة وبياض الوجه والمنادي ينادي بين يديه : هذا ولي الله ، وآخرون يذهب بهم سود الوجوه حفاة عراة مع السلاسل والأغلال والمنادي ينادي بين يديه هذا عدو الله .

وثانيها : أشتاتا أي : كل فريق مع شكله ؛ اليهودي مع اليهودي ، والنصراني مع النصراني .

وثالثها : أشتاتا من أقطار الأرض من كل ناحية ، ثم إنه سبحانه ذكر المقصود وقال : ( ليروا أعمالهم ) قال بعضهم : ليروا صحائف أعمالهم ، لأن الكتابة يوضع بين يدي الرجل فيقول : هذا طلاقك وبيعك هل تراه والمرئي وهو الكتاب . وقال آخرون : ليروا جزاء أعمالهم ، وهو الجنة أو النار ، وإنما أوقع اسم العمل على الجزاء لأنه الجزاء وفاق ، فكأنه نفس العمل ، بل المجاز في ذلك أدخل من الحقيقة ، وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : " ليروا " بالفتح .

[ ص: 58 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث