الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان الأوجه الجائزة وقفا في المد العارض للسكون

فصل في بيان الأوجه الجائزة وقفا في المد العارض للسكون

المد العارض للسكون لا يخلو من أن يكون سكونه العارض في همز - ونعني به المد المتصل العارض - نحو: إن شاء [التوبة: 28] لا نحو: سوء [مريم: 28] أو هاء التأنيث نحو: مزجاة [يوسف: 88] أو هاء ضمير نحو: بوالديه [الأحقاف: 15] لا ريب فيه [البقرة: 2] أو في غير ذلك نحو: آمنا برب العالمين [الأعراف: 121] [ ص: 308 ] لا ضير [الشعراء: 50] وتفصيلا لكل شيء [الأعراف: 145] ظن السوء [الفتح: 12] وحسن مآب [الرعد: 29] وما إلى ذلك.

فإن كان المد العارض للسكون في غير ما آخره همز نحو: السفهاء [البقرة: 13] أو هاء تأنيث نحو: إلى النجاة [غافر: 41] أو هاء ضمير نحو: فبشرناه [الصافات: 101] وكان آخره مرفوعا نحو: نستعين [الفاتحة: 5] والله قدير [الممتحنة: 7] إن الله بالناس لرءوف رحيم [البقرة: 143] بأن وقف على " لرءوف " ليس كمثله شيء [الشورى: 11] أو مضموما نحو: يا هود [هود: 53] " يا شعيب " [هود: 87، 91] " وحيث " [البقرة: 144، 150] - ففيه سبعة أوجه لجميع القراء، وهي: المدود الثلاثة التي هي القصر والتوسط والإشباع بالسكون المجرد، أي الخالي من الروم والإشمام، ثم يؤتى بهذه المدود [ ص: 309 ] الثلاثة مرة أخرى بالسكون مع الإشمام، ثم الروم ولا يكون إلا مع القصر؛ وذلك لأن الروم مثل الوصل، وأصل المد العارض في حالة الوصل كان طبيعيا ومده حركتان، ولهذا كان الوقف بالروم كالوصل، أي على مد حركتين.

ويستثنى من ذلك المد العارض للسكون الذي سكونه بعد حرف اللين فقط نحو: من عند الله خير [البقرة: 103] ليس كمثله شيء [الشورى: 11] في حالة الوقف بالروم مطلقا، فإن الروم فيه لا يكون على القصر المعروف الذي هو حركتان كالوقف على نحو: ونعم النصير [الأنفال: 40] بل على القصر الذي هو بمعنى مد ما؛ وذلك لأن حرف اللين في الوصل يمد مدا يسيرا بقدر الطبع، وقدروه بأنه دون المد الطبيعي، فالروم فيه يكون كذلك، أي بمد ما، ويضبط هذا المشافهة، والإخلال بشيء من ذلك لحن، وهذا هو المستفاد من التعريف الاصطلاحي للقصر في أول الباب.

وقد تكلم في هذه المسألة غير واحد من علمائنا، ونورد هنا ما قاله العلامة الضباع في كتاب الإضاءة قال: "إن في حروف المد واللين مدا أصليا وفي حروف اللين فقط مدا ما، يضبط كلا منهما المشافهة، والإخلال بشيء منهما لحن، وهذا معنى قول مكي : "في حروف اللين من المد بعض ما في حروف المد" وقد نص عليه سيبويه ... إلى أن قال: والدليل على أن في حرفي اللين مدا ما من العقل والنقل: -

أما العقل فإن علة المد موجودة فيهما، والإجماع على دوران المعلول من علته، وأيضا فقد قوي شبههما بحروف المد؛ لأن فيهما شيئا من الخفاء، ويجوز إدغام الحرف بعدهما بإجماع في نحو: كيف فعل [الفجر: 6] قوم موسى [الأعراف: 159] بلا عسر" ويجوز مع [ ص: 310 ] إدغامهما الثلاثة الجائزة في حروف المد بلا خلاف، وأيضا جوز أكثر القراء التوسط والطول فيهما وقفا، وجوز ورش مدهما مع السبب.

وأما النقل فنص سيبويه - وناهيك به على ذلك - وكذلك الداني ومكي إذ قالا: في حرفي اللين من المد بعض ما في حروف المد، وكذلك الجعبري قال: واللين لا يخلو من أيسر مد، فيمد بقدر الطبع.

فإن قلت: أجمع القائلون به على أنه دون ألف، والمد لا يكون دون ألف.

(قلت) : الألف إنما هي نهاية الطبيعي، وهذا لا ينافي أن ما دونها يسمى مدا، لا سيما وقد تضافرت النصوص الدالة على ثبوت مدهما.

فإن (قلت) قال أبو شامة: فمن مد عليهم [الفاتحة: 7] و إليهم [آل عمران : 199] و لديهم [آل عمران : 44] ونحو ذلك وقفا أو وصلا أو مد نحو والصيف [قريش: 2] و البيت [البقرة: 127] و الخوف [الأحزاب: 19] و الموت [العنكبوت: 57] في الوصل - فهو مخطئ، وهذا صريح في أن اللين لا مد فيه.

(قلت) : ما أعظمه مساعدا لو كان في محل النزاع؛ لأن النزاع في الطبيعي، وكلامه هنا في الفرعي بدليل قوله قبل: فقد بان لك أن حرف اللين لا مد فيه إلا إذا كان بعده همزة أو ساكن عند من رأى ذلك، وأيضا فهو يتكلم على قول الشاطبي "وإن تسكن اليا بين فتح وهمزة" وليس كلام الشاطبي إلا في الفرعي.

بل أقول: في كلام أبي شامة تصريح بأن اللين ممدود، وأن مده قدر حرف المد [ ص: 311 ] وذلك أنه قال في الانتصار لمذهب الجماعة على ورش في قصر اللين: "وهنا لما لم يكن فيهما مد كان القصر عبارة عن مد يسير يصيران به على لفظهما إذا كانت حركة ما قبلهما من جنسهما" فقوله: "على لفظهما" دليل المساواة، وعلى هذا فهو بريء مما فهم السائل من كلامه، وهذا مما لا ينكره عاقل، والله أعلم، اهـ بحروفه.

هذا، وما ذكرناه من كلام العلامة الضباع هنا قد نص عليه الإمام النويري في شرحه على الطيبة بكلام أوسع مما هنا، كما نص عليه شيخه الحافظ ابن الجزري في النشر.

وبعد، فقد ظهر لك مما قدمنا من نصوص أئمتنا أن الوقف بالروم على المد العارض للسكون الذي سكونه العارض بعد حرفي اللين - لا يكون على القصر الذي هو حركتان كما قد يتبادر، بل على القصر الذي هو بمعنى مد ما؛ لأنه في حالة الوصل يكون كذلك كما قدمنا.

ومن ثم تعلم أن ما قاله الدكتور محمد سالم محيسن في كتابه الرائد في تجويد القرآن ص (34): "واعلم أن المد العارض للسكون إذا كان حرف لين مثل "بيت وخوف" فإن الروم يكون على عدم المد مطلقا؛ لأن الروم مثل حالة الوصل، وقد علمت أنه في حالة الوصل لا يمد أصلا" اهـ - هو كلام لا يلتفت إليه، ولا يعول عليه، وكاتبه يعوزه الاطلاع، وصحة الفهم، وضبط المسائل العلمية.

ولنرجع إلى بقية الكلام على أوجه المد العارض للسكون الجائزة وقفا فنقول:

وإن كان المد العارض للسكون آخره مجرورا نحو: من غفور رحيم [فصلت: 14] [ ص: 312 ] والله عنده حسن المآب [آل عمران : 14] وتفصيلا لكل شيء [الأنعام: 154] وآمنهم من خوف [قريش: 4] أو مكسورا نحو: سنفرغ لكم أيه الثقلان [الرحمن: 31] زوجين اثنين [هود: 40] ففيه أربعة أوجه لكل القراء، وهي المدود الثلاثة التي هي القصر فالتوسط فالإشباع، وكلها بالسكون المجرد، ثم الوقف بالروم، ولا يكون إلا مع القصر، وقد مر قريبا بيان كيفية الوقف بالروم في المد العارض للسكون الذي سكونه بعد حرفي اللين فقط، فتأمله.

وإن كان المد العارض للسكون آخره منصوبا نحو: وهديناهما الصراط المستقيم [الصافات: 118] وقدرنا فيها السير [سبأ: 18] لا يذوقون فيها الموت [الدخان: 56] أو مفتوحا نحو: إنا كفيناك المستهزئين [الحجر: 95] فسوف يعلمون [الحجر: 96] لا ريب فيه هدى للمتقين [البقرة: 2] فلا فوت [سبأ: 51] كيف [الفيل: 1] ففيه المدود الثلاثة المتقدمة بالسكون المجرد فقط.

وقد نظم أوجه المد الجائز العارض للسكون حالة الوقف في أحواله الثلاثة المتقدمة صاحب الجواهر الغوالي فقال رحمه الله تعالى:


في العارض الممدود سبعة أتت إن ضم نحو نستعين قد ثبت



[ ص: 313 ]

مد توسط وقصر سكنا     وأشمم وزد روما بقصر أعلنا
وأربع في الجر لا تشمم سما     في النصب إسكان كما تقدما

اهـ

وهنا انتهى كلامنا على المد العارض للسكون وما فيه من أوجه حال الوقف في غير ما آخره همز، وهو المد المتصل العارض للسكون، أو هاء تأنيث، أو هاء ضمير، فبقيت هذه الأنواع الثلاثة، وإليك الكلام عليها على هذا الترتيب، فنقول وبالله التوفيق:

الكلام على المد المتصل العارض للسكون

ومثاله الوقف على نحو: الضراء والسراء [الأعراف: 95] ثلاثة قروء [البقرة: 228] ولا المسيء [غافر: 58] وهذا المد قد يكون مسبوقا بأحد المدين - المنفصل أو المتصل - أو بهما معا، وقد لا يكون مسبوقا بشيء من ذلك، ويسمى الأول بالمد المتصل العارض للسكون المجموع مع ما قبله، ويسمى الثاني بالمد المتصل العارض للسكون المنفرد، ولكل منهما كلام خاص سنقتصر فيه هنا على ما يوافق رواية حفص عن عاصم من الشاطبية موافقة لقراءة العامة، فنقول وبالله التوفيق، ومنه نستمد العون والقول:

الكلام على أوجه المد المتصل العارض للسكون المنفرد

المد المتصل العارض للسكون المنفرد - أي الذي لم يسبق بمد متصل ولا بمنفصل - إن كان آخره منصوبا نحو: نسوق الماء [السجدة: 27] أو مفتوحا نحو: فقد باء [الأنفال: 16] ففيه ثلاثة أوجه لفحص عن عاصم من الشاطبية، وهي: الوقف بأربع حركات أو خمس أو ست بالسكون المجرد فقط.

[ ص: 314 ] وإن كان آخره مجرورا نحو: على سواء [الأنبياء: 109] أو مكسورا نحو: أولاء [آل عمران : 119] ففيه خمسة أوجه لحفص من الطريق المذكور، وهي: الوقف بأربع حركات أو خمس أو ست بالسكون المجرد، ثم الروم مع المد بأربع حركات وخمس فقط؛ ذلك لأن الروم كالوصل كما تقدم، وهنا المد المتصل يمد في الوصل أربع حركات وخمس.

وإن كان آخره مرفوعا نحو قوله تعالى: والله يضاعف لمن يشاء [البقرة: 261] أو مضموما نحو: ويا سماء [هود: 44] ففيه لحفص من الطريق السالف الذكر ثمانية أوجه، وهي: الوقف بأربع حركات أو خمس أو ست وكلها بالسكون المجرد، ثم يؤتى بهذه الأوجه الثلاثة مرة ثانية بالسكون مع الإشمام، ثم الروم مع المد بأربع حركات وخمس فحسب، فهذه هي الأوجه الثمانية، وقد نظمها غير واحد من الأفاضل الأعلام، وإليك أوضحها لشيخنا الموقر صاحب الفضيلة الشيخ محمد السباعي عامر رحمه الله تعالى قال:


وقف على متصل تطرفا     إن كان منصوبا بست وكفى
وأربع ثم بخمس فاقض     وكلها مع السكون المحض
كجاء ساء شاء مع أضاء     أفاء والسماء لا بناء
ومثله المجرور دون لبس     والروم زد بأربع وخمس



[ ص: 315 ]

مثاله لفظ من السماء     ونحو في السراء والضراء
ومثله المرفوع لكن زد له الـ     إشمام في الكل أراه قد سهل
مثاله يشاء أولياء      (فما بكت عليهم السماء)
إذن ففيه أوجه ثمانيه     والخمس في المخفوض منك دانيه
والروم في ثلاثة المنصوب     دعه كإشمام بلا لغوب
والروم لا يأتي مع الإشباع     أي فيهما ففز بالاتباع

اهـ تنبيه: ما ذكره الدكتور محمد سالم محيسن في كتابه "الرائد في تجويد القرآن" من أوجه العارض للسكون الذي أصله المد المتصل حيث قال فيه: "وإن كان مجرورا مثل من الماء [الأنبياء: 30] ففيه ستة أوجه، وهي: الثلاثة التي في المنصوب ومثلها مع الروم، وإن كان مرفوعا مثل يشاء [البقرة: 261] ففيه تسعة أوجه، وهي: الثلاثة التي في المنصوب ومثلها على كل من الروم والإشمام" اهـ - فقد بناه على ما ذكره من قبل من أن المد المتصل يجوز فيه الإشباع بقدر ست حركات لحفص ، وعليه فقد جوز الوقف بالروم على الإشباع.

ومرتبة الإشباع هذه قلنا عليها فيما سبق أنها لا تجوز لحفص من طريق الشاطبية التي هي طريق العامة، وإنما تجوز له في وجه من الطيبة، ولم ينبه الدكتور على ذلك، ولا على ما يتعين عليها من أحكام حال الأداء، ولا بد من هذا التنبيه.

وقد بينا خطأ هذا القول وإقحامه على ما عرفه عامة الناس، واستوفينا الرد عليه فيما تقدم بما لا مزيد عليه لمستزيد، فراجعه في موضعه في التنبيه الثالث ص (284).

[ ص: 316 ] ولا التفات إلى قول هذا الدكتور، وعليه فالوجوه ثمانية في العارض للسكون الذي أصله المتصل المرفوع، وخمسة في المجرور منه كما قلنا سابقا، وكما أجمع عليه المسلمون لحفص من طريق الشاطبية.

وعليه، فاعلم أن الوقف بالروم لا يأتي لحفص على الإشباع بحال من الطريق المذكور، وقد مر عليك قريبا قول أستاذنا العلامة فضيلة الشيخ محمد السباعي عامر - عليه رحمة الله - :


والروم لا يأتي مع الإشباع      .......... البيت

نعم، يأتي الروم لحفص من الإشباع في المرفوع والمجرور من الطيبة فقط، وفي قول كما أسلفنا، وفي هذا الشأن يقول العلامة صاحب سراج المعالي في آخر بيت من نظم "باب القصر لحفص من طريق طيبة النشر":


وإن تقف نحو يشاء زد لدى     ست به روما كذا الجر بدا

اهـ

فقوله: "زد" أي زد لحفص الوقف بالروم على الحركات الست من طريق الطيبة على طريق الشاطبية الذي فيه الروم على الأربع حركات والخمس فقط.

وعليه فيكون لحفص من طريق الطيبة في العارض للسكون الذي أصله المد المتصل المرفوع تسعة أوجه، وفي المجرور منه ستة بزيادة الروم في الوقف بالإشباع في كل منهما.

ولا يخفى عليك ما قدمناه من أحكام لا يجوز مخالفتها بحال على إشباع المد المتصل لحفص من الطيبة، سواء قرئ بالإشباع وصلا أو وقفا في المتطرف مع الروم، فالأحكام التي ذكرناها هناك والحالات المطردة في التنزيل المترتبة عليها هي هي لا تتغير، فلا تغفل عنها، والله يتولانا وإياك.

الكلام على أوجه المد المتصل العارض للسكون المسبوق بأحد المدين أو بهما معا

المد المتصل العارض للسكون المسبوق بأحد المدين - المتصل أو المنفصل - أو المسبوق بهما معا فأوجه حفص فيه من الشاطبية تختلف عن أوجهه في المد المتصل العارض للسكون المنفرد الذي تقدم الكلام عليه قريبا من الطريق نفسه.

[ ص: 317 ] فالمنصوب منه أو المفتوح فيه أربعة أوجه، والمجرور منه أو المكسور فيه ستة، والمرفوع منه أو المضموم فيه عشرة.

وإليك مثالا لكل حالة من هذه الحالات الثلاث للقياس عليها:

فمثال المد المتصل العارض للسكون المنصوب آخره أو المفتوح المسبوق بالمد المنفصل نحو قوله تعالى:فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء [التوبة: 28] ومثال المسبوق بالمد المتصل نحو قوله تعالى: أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء [هود: 20] فهنا لحفص من الشاطبية أربعة أوجه، وهي: مد المنفصل في الآية الأولى والمتصل في الثانية أربع حركات، وعليه يأتي في المتصل الموقوف عليه فيهما أربع حركات أو ست بالسكون المجرد، ثم مد المنفصل والمتصل في الآيتين خمس حركات، وعليه يأتي في المتصل الموقوف عليه فيهما خمس حركات أو ست بالسكون المجرد أيضا، وما ذكرناه هنا في المتصل الموقوف عليه هو مثال للمفتوح، ومثاله بالضبط المتصل المنصوب، فتفطن.

ومثال المد المتصل العارض للسكون المكسور آخره المسبوق بالمد المنفصل نحو قوله تعالى: وجئنا بك شهيدا على هؤلاء [النحل: 89] ومثال المجرور المسبوق بالمنفصل أيضا قوله تعالى: ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء [إبراهيم: 38].

وهنا لحفص من الشاطبية ست أوجه، وبيانها كما يلي:

مد المنفصل في الآيتين أربع حركات، وعليه يأتي في المتصل الموقوف عليه أربع حركات أو ست بالسكون المجرد فيهما. ثم الوقف بالروم مع المد بأربع حركات فيهما كذلك، فهذه ثلاثة أوجه. ثم مد المنفصل خمس حركات في الآيتين أيضا، وعليه يأتي في المتصل الموقوف عليه خمس حركات أو ست بالسكون المجرد، ثم الوقف بالروم مع المد بخمس حركات فيهما أيضا، فهذه ثلاثة تضم [ ص: 318 ] للثلاثة الأولى فتصير ستة أوجه.

ومثل ذلك بالضبط ونفس الطريقة المد المتصل العارض للسكون المجرور المسبوق بالمد المتصل كقوله تعالى: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء [الأحزاب: 32] وكذلك تجري الأوجه الستة السابقة بنفس الطريقة والترتيب في المتصل العارض المكسور المسبوق بالمدين معا - المنفصل والمتصل - كقوله تعالى: لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143] فيمد المنفصل (وإن تعدد) والمتصل المتقدمان أربع حركات فيهما، وعلى هذه الأربع يأتي في المتصل الموقوف عليه أربع حركات أو ست بالسكون المجرد فيهما، ثم الوقف بالروم مع المد بأربع حركات، ثم يؤتى بخمس حركات في المنفصل والمتصل المتقدمان، وعلى هذه الخمس يأتي في المتصل الموقوف عليه خمس حركات أو ست بالسكون المجرد فيهما، ثم الوقف بالروم مع المد بخمس حركات، فتفطن.

ومثال المد المتصل العارض للسكون المرفوع المسبوق بالمد المنفصل أو المتصل.

فمثال الأول نحو قوله تعالى: وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء [البقرة: 13].

ومثال الثاني نحو قوله تعالى: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء [البقرة: 284].

وهنا يتحصل لحفص من الشاطبية عشرة أوجه في كل من كلمة السفهاء [البقرة: 13] و يشاء [البقرة: 284].

وبيان كيفية إجراء الأوجه العشرة لحفص كما يلي:

أولا: مد الأول في الآيتين أربع حركات، وعليه في الأخير الموقوف عليه السفهاء [البقرة: 13] و يشاء [البقرة: 284] أربع حركات أو ست بالسكون المجرد فيهما ثم بالسكون مع الإشمام مرة ثانية، ثم الوقف بالروم مع المد بأربع حركات فقط، فهذه خمسة أوجه أتت على مد الأول أربعا.

[ ص: 319 ] ثانيا: مد الأول في الآيتين خمس حركات، وعليه في الأخير الموقوف عليه خمس حركات أو ست بالسكون المجرد فيهما، ثم بالسكون مع الإشمام مرة ثانية، ثم الوقف بالروم مع المد بخمس حركات فحسب، فهذه خمسة أوجه أيضا أتت على مد الأول خمسا، تضم للخمسة السابقة فتصير عشرة أوجه، كلها صحيحة لا سقيم فيها ولا فيما سبق من أوجه.

ومثل المد المتصل العارض للسكون المرفوع المد المتصل العارض للسكون المضموم، وكذلك تجري الأوجه العشرة السابقة بنفس الطريقة والترتيب في المتصل العارض للسكون المرفوع المسبوق بالمدين معا - المنفصل والمتصل - كقوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء [البقرة: 284].

وكيفية إجراء الأوجه العشرة لحفص هنا كالآتي:

أولا: يمد المنفصل والمتصل المتقدمان معا أربع حركات، ويؤتى في الأخير الموقوف بأربع حركات أو ست بالسكون المجرد فيهما، ثم بالسكون مع الإشمام مرة ثانية، ثم الوقف بالروم مع المد بأربع حركات فقط، فهذه خمسة أوجه أتت على مد الأولين أربعا.

ثانيا: يمد المنفصل والمتصل المتقدمان معا خمس حركات، ويؤتى في الأخير الموقوف عليه بخمس حركات أو ست بالسكون المجرد فيهما، ثم بالسكون مع الإشمام مرة ثانية، ثم الوقف بالروم مع المد بخمس حركات ليس غير، فهذه خمسة أوجه أتت على مد الأولين خمسا، تضاف للخمسة السابقة فتصير عشرة أوجه، كلها صحيحة.

وهنا انتهى كلامنا على المد المتصل العارض للسكون المنفرد والمسبوق بالمدين معا أو بأحدهما، فتأمله جيدا، وبالله التوفيق.

[ ص: 320 ] الكلام على أوجه المد الجائز العارض للسكون الذي آخره هاء التأنيث

إذا كان المد العارض للسكون آخره هاء التأنيث - وهي التي في الوصل تاء وفي الوقف هاء نحو: بالغداة [الأنعام: 52] - ففيه المدود الثلاثة لكل القراء التي هي القصر والتوسط والإشباع بالسكون المجرد فقط، سواء كان منصوبا نحو قوله تعالى: ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة [البينة: 5] أو مجرورا نحو قوله سبحانه: وجئنا ببضاعة مزجاة [يوسف: 88] أو مرفوعا نحو قوله تعالى: من قبل أن تنـزل التوراة [آل عمران : 93] من غير روم ولا إشمام؛ لأن هاء التأنيث ضمن المواضع التي لا يدخلها روم ولا إشمام - كما سيأتي - والعلة في ذلك أن الهاء مبدلة من التاء التي كانت في الوصل، والروم والإشمام لا يدخلان في حرف كانت الحركة في غيره ولم تكن فيه، ولم يأت هذا العارض مفتوحا ولا مكسورا ولا مضموما؛ لأن هاء التأنيث معربة دائما وليست مبنية، فتأمل.

تتمة: ما ذكرناه قريبا من جواز المدود الثلاثة في المد العارض للسكون الذي آخره هاء تأنيث هو أحد القولين فيه.

والثاني: يمد مدا طويلا وجها واحدا كالمد اللازم، نص عليه العلامة المارغني في النجوم الطوالع، وحجته أن السكون لازم في الحرف الموقوف عليه لعدم تحرك الهاء في الوصل والوقف.

أما عدم تحركها في الوصل فلعدم وجودها فيه، وأما عدم تحركها في الوقف فظاهر، وحينئذ تندرج فيما سكونه لازم، وتمد الألف قبلها مدا طويلا في الوقف، ولا يجوز فيه القصر ولا التوسط، ولأهمية هذه المسألة فقد نقلنا كلام النجوم الطوالع هنا برمته، قال العلامة المارغني - رحمه الله تعالى - في باب الممدود والمقصور ما نصه:

"تنبيه" يتعين المد الطويل في الوقف [ ص: 321 ] على اللائي لورش على مذهب من أخذ له بتسهيل الهمزة بين بين في الوصل وإبدالها ياء في الوقف، ويتعين المد الطويل أيضا لجميع القراء في الوقف على كل ما آخره في الوصل تاء قبلها ألف، وإذا وقف عليه أبدلت تاؤه هاء نحو: الصلاة [البقرة: 3] و الزكاة [البقرة: 177] و الحياة [البقرة: 86] و تقاة [آل عمران : 28] ولا يجوز في ذلك كله توسط ولا قصر، كما نص عليه في اللائي [الأحزاب: 4] الحافظ أبو عمرو الداني في كتابيه التلخيص والمفردة، وخاتمة المحققين سيدي علي النوري في غيث النفع، وقرأت به على شيخنا - رحمه الله - في اللائي [الأحزاب: 4] وفي نحو: الصلاة [البقرة: 3] ونبهنا عليه غير مرة، واقتصر عليه في المسألتين بعض شراح المتن.

ووجهه لزوم السكون للحرف الموقوف عليه وهو الياء في اللائي [الأحزاب: 4] والهاء في نحو: الصلاة [البقرة: 3] إذ يصدق عليهما أنهما لا يتحركان لا وصلا ولا وقفا.

أما عدم تحركهما وصلا فلعدم وجودهما فيه، وأما عدم تحركهما وقفا فظاهر، وحينئذ يندرجان فيما سكونه لازم، فيمد الألف قبلهما في الوقف مدا طويلا لازما لأجلهما.

فإن (قلت): الياء في (اللائي) والهاء في نحو (الصلاة) عارضان في أنفسهما؛ لأنهما لا يوجدان إلا في الوقف فيكون سكونهما عارضا بعروضهما.

(قلت): المعتبر لزوم السكون لهما - وإن كانا في أنفسهما عارضين - إذ لو اعتبر عروض سكونهما لعروضهما لجاز الروم والإشمام في كل ما رسم بالهاء من " رحمة " [البقرة: 157] و نعمة [النحل: 53] و بالصلاة والزكاة [مريم: 31] لأن الروم والإشمام إنما يكونان فيما سكونه عارض، مع أنهم اتفقوا على منع الروم والإشمام في ذلك - كما سيأتي في باب الوقف - وذكر العلامة الشيخ سيدي أحمد الشقانصي في كتابه (الشهب الثواقب) [ ص: 322 ] أنه قرأ في ذلك بالأوجه الثلاثة في الوقف، وهو مخالف لما قدمناه، وكل يقرأ بما أخذ، لكن ينبغي لمن أخذ بالأوجه الثلاثة في الوقف أن يقف بذلك بالطويل؛ احتياطا وخروجا من الخلاف. اهـ بلفظه.

قلت: وكما نص العلامة المارغني على أن المد في نحو "الصلاة" وقفا هو من باب المد اللازم - كما مر - نص عليه كذلك العلامة الشيخ الأمين الطرابلسي في مذكرته، وعبارته: "ويتعين الإشباع في الوقف على المختوم بهاء التأنيث نحو "الصلاة" ولا يجوز التوسط ولا القصر" وقد نظمت ذلك فقلت:


وأشبع فقط مد الصلاة ونحوه     لدى الوقف عند الكل يا صاح فاعقلا

اهـ

يقول مقيده عفا الله عنه: ويؤخذ مما تقدم أن المد العارض للسكون الذي سكونه واقع في هاء التأنيث كمشكاة [النور: 35] يجوز فيه الوجهان وقفا.

الأول: الوقف بالمدود الثلاثة قياسا على غيره من العوارض كما مر.

الثاني: الوقف بالإشباع وجها واحدا كالمد اللازم وفق قول المارغني والطرابلسي ، ولا مانع عندي من الأخذ بالوجهين، غير أني أميل إلى الإشباع أكثر؛ لأنه لا فرق بينه وبين اللائي [الأحزاب: 4] في وجه الوقف بالياء الساكنة لورش وموافقيه، فالياء في اللائي [الأحزاب: 4] لا توجد إلا في الوقف، وكذلك هاء التأنيث لا توجد إلا في الوقف أيضا.

وقد أجمعوا على وجه الإشباع في اللائي [الأحزاب: 4] على وجه الوقف بالياء الساكنة لورش ومن وافقه من القراء، فإذا لم نعتبر الإشباع وجها واحدا في نحو الصلاة [البقرة: 3] وقفا واعتبرنا المدود الثلاثة فيه إذا فلنعتبرها في وقف اللائي [الأحزاب: 4] أيضا؛ إذ الحجة واحدة، ولا قائل بذلك.

وعليه فالإشباع هو المعتمد، بل هو الواجب في الوقف على نحو "الصلاة" [ ص: 323 ] كما قرره المارغني والطرابلسي .

وإذا وقف بالمدود الثلاثة فيه على القول الثاني فينبغي الوقف بوجه الإشباع احتياطا وخروجا من الخلاف - كما تقدم في كلام شيخنا العلامة المارغني - والله أعلم.

الكلام على أوجه المد الجائز العارض للسكون الذي آخره هاء الضمير

إذا كان المد الجائز العارض للسكون الذي وقع سكونه العارض في هاء الضمير نحو: اجتباه وهداه [النحل: 121] ما فعلوه [الأنعام: 112] لا ريب فيه [البقرة: 2] ووصينا الإنسان بوالديه [الأحقاف: 15] وليرضوه [الأنعام: 113] ففيه المدود الثلاثة المتقدمة بالسكون المجرد لجميع القراء، واختلف في جواز الروم والإشمام في هاء الضمير على ثلاثة مذاهب.

الأول: منع الروم والإشمام فيها مطلقا، قياسا على هاء التأنيث؛ لما بينهما من التشابه في الوقف.

الثاني: جواز الروم والإشمام فيها مطلقا بشروطهما المعروفة.

الثالث: التفصيل، وهو مذهب أكثر المحققين، وأعدل المذاهب عند الحافظ ابن الجزري كما في النشر، وحاصله منع الروم والإشمام فيها في أربع صور، وجوازهما فيما عداها، وإليك صور المنع والجواز.

أما صور المنع الأربع فهي كالآتي:

الأولى: أن يقع قبل الهاء ياء ساكنة، سواء كانت مدية نحو: أن أرضعيه [القصص: 7] [ ص: 324 ] أو لينة نحو: لوالديه [الأحقاف: 17].

الثانية: أن يقع قبلها واو ساكنة، ويستوي في ذلك الواو المدية نحو: أو حرقوه [العنكبوت: 24] أو اللينة نحو: فلما رأوه [الأحقاف: 24].

الثالثة: أن يقع قبلها كسرة نحو: إلى أهله [الذاريات: 26] حق قدره [الحج: 74].

الرابعة: أن يقع قبلها ضمة نحو: قلته [المائدة: 116] فما جزاؤه [يوسف: 74]. وفيما سوى هذه الصور الأربع يجوز الوقف بالروم والإشمام، وبالاستقراء وجدنا أن صور الجواز ثلاث، وهي كما يلي:

الأولى: أن يقع قبلها فتحة نحو: فقد علمته [المائدة: 116].

الثانية: أن يقع قبلها ساكن صحيح نحو: فليصمه [البقرة: 185] استأجره [القصص: 26].

الثالثة: أن يقع قبلها ألف المد نحو: فبشرناه [الصافات: 101] وعلمناه [الأنبياء: 80].

وقد أشار الحافظ ابن الجزري إلى هذه المذاهب الثلاثة في الطيبة بقوله:


وخلف ها الضمير وامنع في الأتم     من بعد يا أو واو أو كسر وضم

اهـ

وعلى ضوء ما تقدم يمكن معرفة ما في هاء الضمير الواقع فيها السكون [ ص: 325 ] العارض بعد حرف المد واللين أو بعد حرف اللين وحده من الأوجه اتفاقا واختلافا، وعليه فنقول:

إذا كانت الهاء مضمومة نحو: ما فعلوه [الأنعام: 112] وهداه [النحل: 121] وشروه [يوسف: 20] ففيه على المذهب الأول - وهو مذهب المنع - ثلاثة أوجه، وهي: المدود الثلاثة المتقدمة غير مرة بالسكون المجرد فقط.

وعلى المذهب الثاني - وهو مذهب الجواز - سبعة أوجه، وهي المدود الثلاثة بالسكون المجرد، ثم بالسكون مع الإشمام مرة ثانية، ثم الروم مع القصر، والمراد من القصر هنا هو حذف صلة الهاء كلية، وهذا معنى من معاني القصر، كما هو المأخوذ من التعريف الاصطلاحي الذي قدمناه في صدر الباب، فتأمله.

وعلى المذهب الثالث - وهو مذهب التفصيل - هو أن نحو: ما فعلوه وليرضوه [الأنعام: 112 - 113] فيه المدود الثلاثة بالسكون المجرد فحسب؛ لأن الروم والإشمام في مذهب التفصيل لا يجوزان في هاء الضمير المسبوقة بالواو المدية أو اللينة.

وفي نحو: فبشرناه [الصافات: 101] الأوجه السبعة المتقدمة؛ لأن الروم والإشمام في هذا المذهب يجوزان في هاء الضمير المسبوقة بألف المد.

وإن كانت الهاء مكسورة نحو: قصيه [القصص: 11] بوالديه [مريم: 14] ففيه على المذهب الأول - الذي هو مذهب المنع - ثلاثة أوجه، وهي المدود الثلاثة بالسكون المجرد لا غير، وعلى المذهب الثاني - الذي هو مذهب الجواز - أربعة أوجه، وهي المدود الثلاثة بالسكون المجرد ثم الروم مع القصر، وتقدم قريبا معنى القصر هنا، فتذكر.

وعلى المذهب الثالث - الذي هو مذهب التفصيل - ثلاثة أوجه فقط، وهي المدود الثلاثة بالسكون المجرد كمذهب المنع بالضبط؛ لأن الروم في مذهب التفصيل ممنوع إذا وقعت الهاء بعد الياء المدية أو اللينة، ولم يأت هذا المد العارض مفتوحا ولا منصوبا ولا مرفوعا ولا مجرورا؛ لأن هاء الضمير مبنية دائما وليست معربة، وبناؤها لا يكون إلا على الضم أو الكسر، وسيأتي الكلام على تعريفها وأحوالها الأربعة في التنزيل في ختام باب المد والقصر، إن شاء الله تعالى.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث