الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ 1 ] باب في النذور

الفصل الأول

3426 - عن أبي هريرة ، وابن عمر رضي الله عنهم ، قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تنذروا ; فإن النذر لا يغني من القدر شيئا ، وإنما يستخرج به من البخيل " . متفق عليه .

التالي السابق


[ 1 ] باب في النذور أي : مخصص بها ، والجمع باعتبار أنواعها .

الفصل الأول

3426 - ( عن أبي هريرة وابن عمر ، رضي الله عنهم ، قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تنذروا " ) ، بضم الذال وفي نسخة بكسرها . قال ابن الملك : بضم الذال وكسرها ، وكذا في القاموس ، والضياء ( " فإن النذر " ) : وفي بعض شروح المصابيح فإنه أي النذر ( " لا يغني " ) : أي لا يدفع أو لا ينفع ( " من القدر " ) : بفتحتين أي من القضاء السماوي ( " شيئا " ) ، فإن المقدر لا يتغير ( " وإنما يستخرج به " ) : أي بسبب النذر ( " من البخيل " ) . ; لأن غير البخيل يعطي باختياره بلا واسطة النذر . قال القاضي : عادة الناس تعليق النذور على حصول المنافع ودفع المضار فنهى عنه ، فإن ذلك فعل البخلاء إذ السخي إذا أراد أن يتقرب إلى الله تعالى استعجل فيه وأتى به في الحال ، والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض يستوفى أولا ، فيلتزمه في مقابلة ما سيحصل له ، ويعلقه على جلب نفع أو دفع ضر ، وذلك لا يغني عن القدر شيئا أي نذر لا يسوق إليه خيرا لم يقدر له ، ولا يرد عنه شرا قضي عليه ، ولكن النذر قد يوافق القدر فيخرج من البخيل ما لولاه لم يكن يريد أن يخرجه . وقال الخطابي : معنى نهيه عن النذر إنما هو التأكيد لأمره وتحذير التهاون به بعد إيجابه ، ولو كان معناه الزجر عنه [ ص: 2246 ] حتى يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به ، إذ صار معصية ، وإنما وجه الحديث أنه أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعا ولا يصرف عنهم ضرا ، ولا يرد شيئا قضاه الله تعالى بقول : " فلا تنذروا " . على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم ، أو تصرفون عن أنفسكم شيئا جرى القضاء به عليكم ، إذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء ، فإن الذي نذرتموه لازم لكم .

قال الطيبي : تحريره أنه علل النهي بقوله : فإن النذر لا يغني من القدر ، ونبه به على أن النذر المنهي عنه هو النذر المقيد الذي يعتقد أنه يغني عن القدر بنفسه ، كما زعموا ، وكما نرى في عهدنا جماعة يعتقدون ذلك لما شاهدوا من غالب الأحوال حصول المطالب بالنذر ، وأما إذا نذر واعتقد أن الله تعالى هو الذي يسهل الأمور ، وهو الضار والنافع . والنذور كالذرائع والوسائل ، فيكون الوفاء بالنذر طاعة ، ولا يكون منهيا عنه ، كيف وقد مدح الله تعالى جل شأنه الخيرة من عباده بقوله : يوفون بالنذر و إني نذرت لك ما في بطني محررا قلت : وكذا قوله : إني نذرت للرحمن صوما وفيه أن قوله : أن النذر المقيد هو المنهي عنه غير مستقيم ، لأنه يترتب عليه ما سبق من أنه يكون معصية لا يجب الوفاء به ، والحال أنه ليس كذلك ، فالظاهر أن يقال : إن المنهي عنه هو القيد ، أعني الاعتقاد الفاسد من أن النذر يغني عن القدر . قال : وأما معنى " فإنما يستخرج به من البخيل " فإن الله تعالى يحب البذل والإنفاق ، فمن سمحت أريحيته فذلك ، وإلا فشرع النذور ليستخرج به مال البخيل . وقال المازري : يحتمل أن يكون سبب النهي عن النذر كون الناذر يصير ملتزما له ، فيأتي به تكلفا بغير نشاط ، قلت : وهو مشاهد كثيرا فيمن ينذر صيام الدهر . أو البيض ، أو صلاة الضحى وغيرها ، أو بأن يتصدق كل يوم ونحوه قال : ويحتمل أن يكون سببه كونه يأتي بالقربة التي التزمها في نذره على صورة المعاوضة للأمر الذي طلبه ، فينقص أجره ، وشأن العبادة أن تكون متمحضة لله تعالى اهـ . وهو توضيح وبيان لما في كلام القاضي مما مضى . وقال القاضي عياض : ويحتمل أن يكون النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النذر قد يرد القدر ، ويمنع من حصول المقدر ، فنهى عنه خوفا من جاهل يعتقد ذلك اهـ . وحاصله أن النهي عن النذر لم يتعلق بذاته ، وإنما تعلق بما ينشأ عنه من الاعتقاد الفاسد كما سبقت الإشارة إليه . ( متفق عليه ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث