الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 8182 ) مسألة ; قال : ( وإذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام ، لم يجزئه إلا أن يمشي في حج أو عمرة ، فإن عجز عن المشي ، ركب ، وكفر كفارة يمين ) وجملته أن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام ، لزمه الوفاء بنذره .

وبهذا قال مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو عبيد ، وابن المنذر ولا نعلم فيه خلافا ; وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ; المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى . } ولا يجزئه المشي إلا في حج أو عمرة . وبه يقول الشافعي . ولا أعلم فيه خلافا ; وذلك لأن المشي المعهود في الشرع ، هو المشي في حج أو عمرة ، فإذا أطلق الناذر ، حمل على المعهود الشرعي ، ويلزمه المشي فيه ; لنذره ، فإن عجز عن المشي ، ركب ، وعليه كفارة يمين . وعن أحمد ، رواية أخرى ، أنه يلزمه دم . وهو قول للشافعي .

وأفتى به عطاء لما روى ابن عباس ، { أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى بيت الله الحرام ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب ، وتهدي هديا } . رواه أبو داود ، وفيه ضعف . ولأنه أخل بواجب في الإحرام ، فلزمه هدي ، كتارك الإحرام من الميقات . وعن ابن عمر ، وابن الزبير ، قالا : يحج من قابل ، ويركب ما مشى ويمشي ما ركب . ونحوه قال ابن عباس ، وزاد فقال : ويهدي . وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة ، وعن النخعي روايتان ; إحداهما ، كقول ابن عمر . والثانية ، كقول ابن عباس . وهذا قول مالك .

وقال أبو حنيفة : عليه هدي سواء عجز عن المشي أو قدر عليه ، وأقل الهدي شاة . وقال الشافعي : لا تلزمه مع العجز كفارة بحال ، إلا أن يكون النذر مشيا إلى بيت الله ، فهل يلزمه هدي ؟ فيه قولان ، وأما غيره ، فلا يلزمه مع العجز شيء .

ولنا ، { قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأخت عقبة بن عامر ، لما نذرت المشي إلى بيت الله : لتمش ، ولتركب ، ولتكفر عن يمينها } . وفي رواية : { فلتصم ثلاثة أيام } . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { كفارة النذر كفارة اليمين } . ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام ، فلم يجب الدم بتركه ، كما لو نذر صلاة ركعتين ، فتركهما ، وحديث الهدي ضعيف ، وهذا حجة على [ ص: 75 ] الشافعي ، حيث أوجب الكفارة عليها من غير ذكر العجز .

فإن قيل : فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة عليها من غير ذكر العجز . قلنا : يتعين حمله على حالة العجز ; لأن المشي قربة ، لأنه مشي إلى عبادة ، والمشي إلى العبادة أفضل ولهذا روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يركب في عيد ولا جنازة . } فلو كانت قادرة على المشي ، لأمرها به . ولم يأمرها بالركوب والتكفير ، ولأن المشي المقدور عليه لا يخلو من أن يكون واجبا أو مباحا ; فإن كان واجبا ، لزم الوفاء به ، وإن كان مباحا ، لم تجب الكفارة بتركه عند الشافعي ، وقد أوجب الكفارة هاهنا . وترك ذكره في الحديث ; إما لعلم النبي صلى الله عليه وسلم بحالها وعجزها ، وإما لأن الظاهر من حال المرأة العجز عن المشي إلى مكة . أو يكون قد ذكر في الخبر فترك الراوي ذكره .

وقول أصحاب أبي حنيفة : إنه أخل بواجب في الحج . قلنا : المشي لم يوجبه الإحرام ، ولا هو من مناسكه ، فلم يجب بتركه هدي ، كما لو نذر صلاة ركعتين في الحج ، فلم يصلهما . فأما إن ترك المشي مع إمكانه ، فقد أساء ، وعليه كفارة أيضا ; لتركه صفة النذر .

وقياس المذهب أن يلزمه استئناف الحج ماشيا ; لتركه صفة المنذور ، كما لو نذر صوما متتابعا فأتى به متفرقا . وإن عجز عن المشي بعد الحج ، كفر ، وأجزأه . وإن مشى بعض الطريق ، وركب بعضا ، فعلى هذا القياس ، يحتمل أن يكون كقول ابن عمر ، وهو أن يحج فيمشي ما ركب ، ويركب ما مشى . ويحتمل أن لا يجزئه إلا حج يمشي في جميعه ; لأن ظاهر النذر يقتضي هذا .

ووجه القول الأول ، أنه لا يلزمه بترك المشي المقدور عليه أكثر من كفارة ; لأن المشي غير مقصود في الحج ، ولا ورد الشرع باعتباره في موضع ، فلم يلزم بتركه أكثر من كفارة ، كما لو نذر التحفي وشبهه ، وفارق التتابع في الصيام ; فإنها صفة مقصودة فيه ، اعتبرها الشرع في صيام الكفارات ، كفارة الظهار والجماع واليمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث