الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني في بيان الكلمات المقطوعة والموصولة والمختلف فيها بين القطع والوصل في غير المقدمة الجزرية

[ ص: 451 ] الفصل الثاني

في بيان الكلمات المقطوعة والموصولة والمختلف فيها بين القطع والوصل التي جاءت من غير المقدمة الجزرية

ما تقدم ذكره في بيان الكلمات المقطوعة والموصولة اتفاقا واختلافا هو ما أورده الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية وهناك كلمات أخرى لم يرد ذكرها في تلك المقدمة ويجب على القارئ معرفتها كسابقتها وسنذكر منها المهم، وتنحصر هذه الكلمات في هذا الفصل في اثنتي عشرة كلمة وإليك بيانها :

الكلمة الأولى : " أن " مفتوحة الهمزة ساكنة النون مع " لو " وقعت هذه الكلمة في القرآن الكريم في أربعة مواضع وهي قسمان :

القسم الأول : مقطوع باتفاق المصاحف أي قطع " أن " عن " لو " وإدغام النون في اللام لفظا لا خطا وذلك في ثلاثة مواضع :

الأول : قوله تعالى : أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم بسورة الأعراف.

الثاني : قوله تعالى : أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا بسورة الرعد.

الثالث : قوله تعالى : أن لو كانوا يعلمون الغيب في سورة سبأ.

القسم الثاني : مختلف فيه بين القطع والوصل وذلك في الموضع الرابع وهو قوله تعالى : وأن لو استقاموا على الطريقة بسورة الجن فرسم في بعض المصاحف مقطوعا وفي بعضها موصولا وقد اختلف في المشهور . فعند المغاربة القطع أشهر وعليه العمل في رسم مصاحفهم وعند المشارقة الوصل أشهر وعليه العمل في [ ص: 452 ] رسم مصاحفهم ولا وجه لإطلاق بعض المحدثين شهرة القطع في هذا الموضع دون تقييد كما ذكرنا آنفا فتنبه .

الكلمة الثانية : " ابن " مع " أم " في قوله تعالى : قال ابن أم إن القوم استضعفوني بسورة الأعراف فقد اتفقت المصاحف العثمانية على قطع كلمة " ابن " عن كلمة " أم " وعليه : فـ " ابن " كلمة و " أم " كلمة أخرى أما كلمة " يبنؤم " في قوله تعالى : قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي بسورة طه عليه الصلاة والسلام فاتفقت المصاحف على وصلها أي وصل ياء النداء بابن مع حذف همزة الوصل ووصلها بأم كلمة واحدة وترسم هكذا " يبنؤم " .

قال الحافظ أبو عمرو الداني في المحكم : " وأما رسم يبنؤم كلمة واحدة وهي في الأصل ثلاث كلم " يا " كلمة و " ابن " كلمة و " أم " كلمة فعلى مراد الوصل وتحقيق اللفظ فذلك حذفت ألف " يا " وألف " ابن " لعدمهما في النطق بكون الأولى ساكنة والثانية للوصل وقد اتصلتا بالباء الساكنة مع " ابن " وصورت همزة " أم " المبتدأة واوا لما وصلت بما قبلها كما تصور الهمزة المضمومة المتوسطة في نحو يكلؤكم و يذرؤكم و نقرؤه وشبهه سواء فصار ذلك كلمة واحدة وخرج رسمه على لفظه دون أصله " ا هـ منه بلفظه .

إذا تقرر هذا فاعلم أنه لا يجوز الوقف على الياء والابتداء بـ " ابنؤم " ولا على " ابن " والابتداء " بأم " بل الوقف على الكلمة بأسرها " يبنؤم " والابتداء بكلها للاتصال الرسمي بخلاف موضع الأعراف فإنه يجوز فيه الوقف ضرورة أو اختبارا " بالموحدة " على " ابن " وعلى " أم " لانفصالهما رسما كما مر ولا يجوز الابتداء [ ص: 453 ] بلفظ " أم " دون " ابن " معها فتأمل .

الكلمة الثالثة : " أيا " مع " ما " في قوله تعالى : أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى بسورة الإسراء فقد اتفقت المصاحف على قطع كلمة " أيا " عن " ما " وعليه فتكون " أيا " كلمة و " ما " كلمة أخرى وقد اختلف القراء على الوقف عليهما فمنهم من وقف على " أيا " دون " ما " ومنهم من وقف على " ما " دون أيا " ومن بين هؤلاء حفص عن عاصم والأولى والأقرب للصواب كما ذكر الحافظ ابن الجزري في النشر وطيبته وتقريبه جواز الوقف على كل من " أيا " و " ما " اختبارا " بالموحدة " أو اضطرارا لكل القراء العشرة اتباعا للرسم لأنهما كلمتان منفصلتان رسما : وفي هذه المسألة يقول الإمام أحمد الطيبي في " التنوير " :


وقف للبتلا على أيا وما لكلهم صحح كل منهما

ا هـ

الكلمة الرابعة : كلمة " إل ياسين " في قوله تعالى : سلام على إل ياسين بسورة الصافات . اتفقت المصاحف العثمانية على قطع كلمة " إل " عن كلمة " ياسين " سواء قرئت بفتح الهمزة ممدودة وكسر اللام " ءال [ ص: 454 ] ياسين " أم قرئت بكسر الهمزة مقصورة وسكون اللام " إل ياسين " كقراءة حفص عن عاصم وموافقيه . ويمتنع الوقف على كلمة " إل " بدون كلمة " ياسين " على القراءة بكسر الهمزة مقصورة وسكون اللام لأنها وإن كانت مقطوعة رسما إلا أنها متصلة لفظا . ولا يجوز اتباع الرسم فيها وقفا بالإجماع ولم يقع لهذه الكلمة في القرآن نظير . ويجوز الوقف اختبارا " بالموحدة " أو اضطرارا على " إل " بدون " ياسين " على القراءة بفتح الهمزة ممدودة وكسر اللام لأنها أصبحت كلمة مستقلة بنفسها و " ياسين " كلمة أخرى غيرها مثلها حينئذ مثل آل موسى وآل هارون

قال صاحب لآلئ البيان مشيرا إلى ما ذكرناه في هذه الكلمة :


وجاء إل ياسين بانفصال     وصح وقف من تلاها آل

ا هـ

الكلمة الخامسة : " يوم " مع " إذ " في نحو قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة وقوله تعالى : وجوه يومئذ ناعمة فقد اتفقت المصاحف على وصل " يوم " بـ " إذ " كلمة واحدة ولا يجوز الوقف على " يوم " دون " إذ " ولا الابتداء بإذ دون يوم بل الوقف على الكلمة بأسرها " يومئذ " والابتداء منها كذلك .

الكلمة السادسة : " حين " مع " إذ " في قوله تعالى : وأنتم حينئذ تنظرون [ ص: 455 ] بسورة الواقعة ولا ثاني لها في التنزيل فقد اتفقت المصاحف على وصل " حين " بـ " إذ " كلمة واحدة كيومئذ ولا يجوز الوقف على " حين " دون " إذ " ولا الابتداء بـ " إذ " دون " حين " بل الوقف على الكلمة بأكملها " حينئذ " والابتداء منها كذلك .

الكلمة السابعة : " كأن " مشددة النون مع " ما " حيث وقعت في القرآن الكريم اتفقت المصاحف العثمانية على وصل " كأن " بـ " ما " كلمة واحدة كقوله تعالى : فكأنما أحيا الناس جميعا وقوله سبحانه : كأنما يساقون إلى الموت وقوله سبحانه : فكأنما خر من السماء ولا يجوز الوقف على " كأن " دون " ما " ولا ابتداء بـ " ما " دون " كأن " بل الوقف على كلمة " كأنما " كلها والابتداء منها كذلك .

الكلمة الثامنة : " رب " مع " ما " في قوله تعالى : ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين بأول سورة الحجر اتفقت المصاحف على وصل كلمة " رب " بـ " ما " كلمة واحدة ولا يجوز الوقف على كلمة " رب " دون " ما " ولا الابتداء بـ " ما " دون " رب " بل الوقف على " ربما " بأكملها والابتداء منها كذلك .

الكلمة التاسعة : " وي " مع " كأن " أو مع " كأنه " في قوله تعالى : وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون بسورة القصص وقد اختلف القراء في الوقف على هذه الكلمة فوقف الكسائي على الياء فيقول : " وي " والابتداء عنده من " كأن " أو " كأنه " ووقف أبو عمرو بن العلاء على الكاف فيقول " ويك " والابتداء عنده من " أن " أو " أنه " وهذا في وقف الاختبار " بالموحدة " أو [ ص: 456 ] الاضطرار وكلاهما ضعيف ووقف باقي القراء العشرة ومنهم حفص عاصم على الكلمة بأسرها فيقفون على النون في الكلمة الأولى وعلى الهاء في الكلمة الثانية .

وهذا هو المختار لجميع القراء لاتصالهما رسما بالإجماع كما في النشر وإتحاف البشر وغيرهما .

الكلمة العاشرة : " نعم " مع " ما " في قوله تعالى : فنعما هي بسورة البقرة وقوله تعالى : إن الله نعما يعظكم به بسورة النساء ولا ثالث لهما في التنزيل فقد اتفقت المصاحف العثمانية على وصل كلمة " نعم " بـ " ما " كلمة واحدة ولا يجوز الوقف على الكلمة " نعم " دون " ما " ولا الابتداء بـ " ما " دون " نعم " بل الوقف على الكلمة بأكملها " نعما " والابتداء بها كلها كذلك .

الكلمة الحادية عشرة : " مهما " في قوله تعالى : وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين بسورة الأعراف فقد اتفقت المصاحف العثمانية على وصلها سواء على القول بأنها مركبة من " مه " و " ما " الشرطية أم من " ما " الشرطية وما المزيدة وأبدلت الألف الأولى هاء دفعا للتكرار . أو على القول بأنها اسم شرط بسيط غير مركب وهذا القول اختاره ابن هاشم في المغني .

ولا يجوز الوقف على " مه " دون " ما " ولا الابتداء بـ " ما " دون " مه " بل الوقف على الكلمة بأسرها " مهما " والابتداء بها كذلك .

[ ص: 457 ] الكلمة الثانية عشرة : " الم " فاتحة سورة البقرة ونحوها من فواتح السور التي افتتحت بحروف التهجي نحو " المص " و " الر " و " المر " و " كهيعص " و " طه " و " يس " و " طسم " ، و " طس تلك " و " حم " فكل كلمة من هذه الكلمات ونحوها التي وجدت في فواتح السور سواء كانت مؤلفة من حرفين أم أكثر فهي كلمة برأسها ولا يجوز فصل حرف من حروفها ولا الوقف عليه بالإجماع . بل الوقف على آخرها تبعا للرسم إذ أنها رسمت موصولة في جميع المصاحف العثمانية باستثناء " حم . عسق " فاتحة سورة الشورى فإنها رسمت مفصولة في كل المصاحف أي " حم " كلمة و " عسق " كلمة أخرى وهما آيتان في العدد الكوفي .

وعليه : فالوقف جائز بل مسنون على " حم " وعلى " عسق " أيضا باعتبار كل منهما رأس آية : هذا إذا قرأنا للكوفيين كحفص أو لشيخه عاصم أو لحمزة أو للكسائي أو لخلف العاشر .

[ ص: 458 ] أما إذا قرأنا لغير الكوفيين كما لو قرأنا لنافع وابن كثير وأبي جعفر مثلا فلا يجوز الوقف على " حم " دون " عسق " ولا الابتداء بـ " عسق " دون " حم " لأنهما حينئذ كالكلمة الواحدة وإن انفصلتا رسما .

ومن وقف على " حم " لضرورة أعاد ووقف على " عسق " وهو وقف تام أو كاف .

وما ذكره صاحب غيث النفع من قوله : " ولا يجوز الوقف على " حم " ومن وقف عليه من ضرورة أعاد . والوقف على " عسق " تام وقيل كاف " ا هـ منه بلفظه .

وكذلك ما ذكره صاحب حل المشكلات من قوله : " ولا يجوز الوقف على " حم " هنا اختيارا " بالياء المثناة تحت " لأنه نص في النشر على أن حروف الفواتح يوقف على آخرها لأنها كالكلمة الواحدة . وقال: إلا أنه رسم " حم . عسق " مفصولا بين الميم والعين انتهى . ولم ينص على جواز الوقف على " حم " وحدها فمن وقف عليها من ضرورة أعاد والوقف على " عسق " تام وقيل كاف " ا هـ منه بلفظه .

نقول : وهذا وإن كان محل اعتبار لأن الأولى الوقف على " حم عسق " معا خروجا من الخلاف فإنه ليس محل التزام لأن الوقف على " حم " وحدها صحيح جائز عند الكوفيين لأنها عندهم رأس آية والوقف على رءوس الآي سنة كما سبق بيانه .

وكان على صاحب غيث النفع وصاحب حل المشكلات أن يقيدا الوقف على " حم " وحدها في الضرورة بقراءة غير الكوفيين وبهذا يكون الكلام سليما متفقا عليه أما عند الكوفيين فالوقف جائز مسنون على " حم " وحدها لأنها رأس آية عندهم كما بينا فيما سبق فتنبه والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث