الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إخراج اليهود من جزيرة العرب

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 2630 ] باب إخراج اليهود من جزيرة العرب

الفصل الأول

4050 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : بينا نحن في المسجد ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال " انطلقوا إلى يهود " فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا معشر يهود أسلموا تسلموا ، اعلموا أن الأرض لله ولرسوله ، وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض ، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه " متفق عليه .

التالي السابق


باب إخراج اليهود من جزيرة العرب

في النهاية : الجزيرة اسم موضع من الأرض ، وهو ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول ، وما بين رمل يزن إلى منقطع السماوة في العرض قاله أبو عبيدة . وقال الأصمعي : من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ، ومن جدة وساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا . قال الأزهري : سميت جزيرة لأن بحر فارس وبحر السودان أحاط بجانبيها ، وأحاط بالجانب الشمال دجلة والفرات اهـ .

وعن مالك : أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن . وفي القاموس : جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ، ثم دجلة والفرات .

الفصل الأول

4050 - ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينا ) : وفي نسخة بينما بالميم أي : بين أوقات ( نحن في المسجد ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال " انطلقوا " ) أي : اذهبوا معي ( إلى يهود فخرجنا معه ) أي : من المسجد ، أو من المدينة ( حتى جئنا بيت المدراس ) : قال القاضي مفعال من الدراسة إما للمبالغة كالمكثار والمعطاء والمراد صاحب دراسة كتبهم الذي يدارسها للناس وإما بمعنى المدرسة والمراد به الموضع الذي يقرأ فيه أهل الكتاب كتبهم ويدرسونها فيه إضافة البيت كإضافة المسجد إلى الجامع ويدل على المعنى الثاني أن بعض الروايات الصحاح حتى أتى المدراس ( فقام النبي صلى الله عليه وسلم ) أي : فوقف عليهم ، والمعنى فثبت قائما ولم يجلس ( قال : يا معشر يهود أسلموا ) أمر من الإسلام ( تسلموا ) جواب الأمر من السلامة أي : تنجوا من الذل في الدنيا والعذاب في العقبى قال الطيبي قوله تسلموا من العام الذي خص منه البعض بقرينة الحال أي : تسلموا من الإجلاء ، وفائدته أن أول ما يسلمون من الآفات هو الإجلاء ، ومفارقة الأوطان المألوفة التي هي أشد البلاء ومن ثم فسر قوله تعالى ( والفتنة أشد من القتل ) بالإخراج من الوطن ; لأنه عقب بقوله ( وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) وأنشد :

لقتل بحد السيف أهون موقعا على النفس من قتل بحد فراق

وقال :

يقولون إن الموت صعب وإنما     مفارقة الأوطان والله أصعب

( اعلموا ) استئناف كلام توطئة لما بعده بعد اليأس مما قبله . وقال الطيبي اعلموا جملة مستأنفة فإنه صلى الله عليه وسلم لما خاطبهم بقوله : ( أسلموا تسلموا ) اتجه لهم أن يقولوا لم إذا تخاطبنا بهذا وما سنح لك من الرأي ؟ قال : ( اعلموا أن الأرض لله ) أي : حقيقة لقوله تعالى : ( إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ) وتبعا وعاقبة قال الطيبي ومعنى قوله : إن الأرض لله ولرسوله كما في قوله تعالى : ) إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ( أي : أرضكم هذه قد تعلقت مشيئة الله تعالى بأن يورثها المسلمين ففارقوها ، وإنما أسند الجلاء إلى نفسه صلى الله عليه وسلم ; لأنه خليفة الله في أرضه تعظيما لشأنه وأن إجلاءه نحو قوله تعالى ( قل الأنفال لله والرسول ) وحاصل كلامه أن ذكر الله للتزيين كما في قوله تعالى ( يخادعون الله والذين آمنوا ) . ( وأني ) بفتح الهمزة عطفا على ما سبق وفي نسخة بالكسر أي : والحال أني ( أريد أن أجليكم ) : من الإجلاء أي : أبعدكم وأخرجكم " من هذه الأرض " : [ ص: 2631 ] أي : من جزيرة العرب والخطاب لمن بقي في المدينة ومن حولها من اليهود بعد إخراج بني النضير ، وقتل قريظة كيهود بني قينقاع فإن إجلاء بني النضير كان في السنة الرابعة من الهجرة وقتل قريظة في خامسها ، وإسلام أبي هريرة رضي الله عنه في السنة السابعة ، فيكون ما ذكره بعد ذلك بسنتين ( فمن وجد منكم بماله ) أي : من ماله فالباء بمعنى ( من ) كقوله تعالى ( يشرب بها عباد الله ) ( شيئا ) أي : مما لا يتيسر له نقله كالعقار والأشجار ، وقيل الباء بمعنى ( في ) وقيل الباء للبدلية كما في قوله بعت هذا بهذا ، والمعنى من صادف عوض ماله الذي لا يمكنه حمله ( فليبعه ) قال الخطابي استدل بهذا الحديث أبو عبد الله البخاري على جواز بيع المضطر أشبه ، وأما المكروه على البيع فهو الذي يحمل على بيع الشيء شاء ، أو أبى ، واليهود لو لم يبيعوا أراضيهم لم يحملوا عليه وإنما أشفقوا على أموالهم فاختاروا بيعها ، فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها كمن اضطر إلى بيع ماله ، فيكون ذلك جائزا ولو أكره عليه لم يجز ، قال النووي : أوجب مالك والشافعي وغيرهما من العلماء إخراج الكافر من جزيرة العرب وقالوا لا يجوز تمكينهم سكناها ولكن الشافعي خص هذا الحكم بالحجاز وهو عند مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره وقالوا : لا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ، ولا يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام ، قال الشافعي : إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال ، فإن دخلها بخفية وجب إخراجه فإن مات ودفن فيها نبش ، وأخرج منها ما لم يتغير ، وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم ، وحجة الجماهير قوله تعالى ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) اهـ . وفي المعالم : أراد منعهم من دخول الحرم ; لأنهم إن دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام . قال وجوز أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم ، وفي المدارك : فلا يقربوا المسجد الحرام فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية بعد عامهم هذا وهو عام تسع من الهجرة حيث أمر أبو بكر رضي الله عنه على الموسم وهو مذهبنا ، ولا يمنعون من دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندنا ، وعند الشافعي يمنعون من المسجد الحرام خاصة ، وعند مالك يمنعون منه ومن غيره ( متفق عليه ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث