الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومن الحوادث أن الله عز وجل ابتلى الخليل بذبح ولده بعد فراغه من الحج

وقد اختلف العلماء في الذبيح ، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟

فروى علي بن زيد بن جدعان عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: وفديناه بذبح عظيم [37: 107] قال: "إسحاق" .

وقد رواه مبارك ، عن الحسن فوقفه على العباس ، وهو أصح .

وكذلك روى عكرمة عن ابن عباس ، قال: الذبيح إسحاق .

[ ص: 278 ]

وبه قال ابن مسعود ، وكعب ، وعبد بن عمير ، ومسروق ، وأبو ميسرة في خلق كثير .

وقد روى معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا جاءه ، فقال: يا ابن الذبيحين ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم . يشير إلى إسماعيل وعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن عبد المطلب نذر أن يذبحه ، وهذا الحديث لا يثبت ، ثم إن رسول الله لم يقر به ، وجائز أن يكون العم أبا ، كما قال عز وجل: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [2: 133] فأدخل إسماعيل في الآباء ، وهو عم يعقوب .

وقد روى الشعبي ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعطاء بن أبي رباح ، ويوسف بن مهران ، عن ابن عباس أنه إسماعيل .

وبه قال الشعبي ، وقال: رأيت قرني الكبش في الكعبة . وإليه يذهب الحسن ومجاهد والقرظي ، واحتج بأن الله تعالى لما فرغ من قصة الذبيح ، قال: وبشرناه بإسحاق [37: 112] .

والقول الأول أصح ، فإن الخليل لما هاجر عن قومه ، قال: هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم [37: 100 - 101] . والبشارة كانت لسارة فلما بلغ معه السعي [37: 102] أي كبر ، وبلغ أنه سعى مع ابنه . فأما إسماعيل فقد ذكرنا أنه أسكنه مكة ولم يره حتى تزوج امرأتين .

والاحتجاج بقرني الكبش ليس بشيء؛ لأنه من الجائز أن يكونا حملا من الشام ، واحتجاج المحتج بقوله: وبشرناه [37: 112] يدل على أنه إسحاق؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب .

[ ص: 279 ]

الإشارة إلى قصة الذبح سبب أمر الله خليله بذبح ولده:

ما روى السدي عن أشياخه: أن جبريل لما بشر سارة بإسحاق ، قالت: وما آية ذلك؟ فأخذ عودا يابسا في يده فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر ، فقال إبراهيم: هو لله إذا ذبيح ، فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم فقيل له: أوف بنذرك الذي نذرت ، فقال لإسحاق: انطلق نقرب قربانا إلى الله ، فأخذ سكينا وحبلا ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام: يا أبتاه ، أين قربانك؟ قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ، فقال إسحاق: اشدد رباطي حتى لا أضطرب ، واكفف عني ثيابك [حتى] لا ينتضح عليها من دمي فتراه سارة فتحزن ، وأسرع مر السكين على حلقي؛ ليكون أهون للموت علي ، وإذا أتيت سارة فاقرأ عليها السلام .

فأقبل عليه إبراهيم يقبله ، وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي ، ثم إنه جر السكين على حلقه فلم يحك السكين ، فأضجعه على جبينه فنودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فإذا بكبش فأخذه ، وخلى عن ابنه ، وأكب على ابنه يقبله ويقول: اليوم يا بني وهبت لي . فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر فجزعت سارة ، وقالت: يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني .

قال شعيب الجبائي: لما علمت بذلك ماتت يوم الثالث .

وروى ابن إسحاق ، عن بعض أهل العلم أن إبراهيم لما خرج بابنه ليذبحه اعترضه إبليس ، فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ فقال: أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه ، فقال: والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك . فعرفه إبراهيم ، فقال: إليك عني عدو الله ، فوالله لأمضين لأمر ربي فيه ، فلما يئس عدو الله إبليس من إبراهيم اعترض الولد ، فقال: يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: يحتطب لأهلنا من هذا الشعب ، قال: والله ما يريد إلا أن يذبحك ، قال: لم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك ، قال: فليفعل ما أمره ربه ، فسمعا وطاعة ، فلما امتنع منه الغلام ذهب إلى [ ص: 280 ] أمه ، فقال: هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنه؟ فقالت: ذهب به يحتطبان من هذا الشعب ، قال: ما ذهب به إلا ليذبحه ، قالت: هو أرحم به وأشد حبا من ذلك ، قال: إنه يزعم أن الله يأمره بذلك ، قالت: فإن كان ربه أمره بذلك فتسليما لأمر الله . فرجع عدو الله لم يصب من آل إبراهيم شيئا مما أراد .

فقال: يا أبت إذا أردت ذبحي فاشدد رباطي ، فإن الموت شديد ، واشحذ شفرتك حتى تجهز علي فتريحني . فإذا أنت أضجعتني فعلى وجهي؛ فإني أخشى إن نظرت في وجهي أن تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله في ، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني . فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله . فربطه كما أمره ، ثم شحذ شفرته ثم تله للجبين ، واتقى النظر في وجهه ، ثم أدخل الشفرة ، فقبلها الله تعالى ، ونودي: قد صدقت الرؤيا .

قال ابن عباس: خرج عليه كبش من الجنة قد رعاها قبل ذلك أربعين خريفا ، وهو الكبش الذي قربه هابيل فنحره في منى .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان كبشا أبيض أقرن أعين مربوطا بسمر في ثبير .

وقال عبد بن عمير: ذبح بالمقام .

وقال الحسن: أهبط عليه من ثبير .

قال وهب بن منبه ، وشعيب الجبائي ، وغيرهما: كان ذلك بإيليا من أرض الشام .

التالي السابق


الخدمات العلمية