الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1905 - حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني ، قال : حدثنا [ ص: 2420 ] عبد الله بن جعفر الرقي ، قال : حدثنا عبد الله - يعني ابن عمرو - عن إسحاق بن راشد ، عن الزهري ، عن عروة وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله - كلهم عن عائشة ، [ رضي الله عنها ] فيما قال لها أهل الإفك فبرأها الله عز وجل مما قالوا .

قال الزهري : وكلهم حدثني طائفة من حديثها ، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت له اقتصاصا ، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عنها ، وبعض حديثهم يصدق بعضا وإن كان بعضهم أوعى له من بعض .

قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج في سفر أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها النبي صلى الله عليه وسلم معه .

قالت عائشة رضي الله عنها : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي ، فخرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجاب ، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه ، حتى إذا فرغ من غزوته تلك ، ودنونا من المدينة ، آذن بالرحيل فخرجت حين آذنوا بالرحيل ، فتبرزت لحاجتي حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني رجعت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع ، فخرجت في التماسه فحبسني ابتغاؤه ، وأقبل الرهط الذين يرحلون بي فاحتملوا هودجي [ ص: 2421 ] فجعلوه على بعيري الذي كنت أركب ، وهم يحسبون أني فيه ، وكن النساء إذ ذاك لم يهبلهن اللحم ، إنما تأكل إحدانا العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه ، وكنت جارية حديثة السن ، وبعثوا الجمل ، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش ؛ فجئت مبادرة لهم - أو قالت : منازلهم - وليس بها منهم داع ولا مجيب ، فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي .

فبينما أنا كذلك في منزلي إذ غلبتني عيني فنمت ، وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش ، فأدلج ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان ، فأتاني فعرفني حين رآني ، وقد كان رآني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه ، فخمرت وجهي بجلبابي ، - والله ما تكلمنا بكلمة ، ولا سمعت من كلامه غير استرجاعه - حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها ، ثم ركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة . وقد هلك من هلك من أهل الإفك . وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول .

فاشتكيت حين قدمت المدينة شهرا ، والناس يفيضون في قول الإفك ، ولا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أراه حين أشتكي ، إنما يدخل فيقول : "كيف تيكم" ثم ينصرف فذاك الذي يريبني منه ، ولا أشعر بشيء ، حتى خرجت بعدما نقهت أنا وأم مسطح ، - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب ، وأمها ابنة أبي صخر بن عامر [ ص: 2422 ] خالة أبي بكر رضي الله عنه ، وابنها مسطح بن لبابة - فأقبلت أنا وأم مسطح حين فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح .

فقلت : بئسما قلت تسبين رجلا شهد بدرا . قالت : أو لم تسمعي ما قال ؟ ! قالت : قلت : فماذا ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك . فازددت مرضا على مرضي .

فلما رجعت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : "كيف تيكم ؟" فقلت : تأذن لي فآتي أبوي ، وأنا حينئذ أريد أن أستقصي الخبر من قبلهما ، قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيت أبوي ، فقلت لأمي : يا أمه ، ماذا يتحدث الناس به ؟ ! قالت : يا بنية هوني عليك ، قل ما كانت امرأة وضيئة جميلة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها . قالت : قلت : سبحان الله ! وقد تحدث الناس بهذا ؟ ! قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقى لي دمع ، ولا أكتحل بنوم . ثم أصبحت أبكي . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي عليه يستشيرهما في فراق أهله ، فأما أسامة فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بما يعلم من براءة أهله وبالود الذي لهم في نفسه ، فقال : والله يا رسول الله ما نعلم إلا خيرا ، ودعا بريرة ، فقال : "يا بريرة ، هل رأيت شيئا يريبك ؟" قالت : لا والذي بعثك بالحق ، إن رأيت أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن فيأكله .

فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ، فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول ، فقال : "من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ، فو الله ما علمت على أهلي إلا [ ص: 2423 ] خيرا ، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" . فقام سعد بن معاذ ، فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه ، إن كان من إخواننا من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا ما تأمرنا به . فقام سعد بن عبادة ، - وهو سيد الخزرج - فقال لسعد بن معاذ : كذبت لعمر الله ، لا تقتله ولا تقدر على قتله ، وقد كان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن استجهلته الحمية .

فقام أسيد بن الحضير وهو ابن عم سعد بن معاذ ، فقال لسعد بن عبادة : لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين .

وتثاور الحيان - الأوس والخزرج - حتى هموا أن يقتتلوا ، والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ، فلم يزل يسكنهم حتى سكنوا .

فمكثت يومي ذاك أبكي لا يرقى لي دمع ولا أكتحل بنوم ، وأصبح أبواي عندي يظنان أن البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان وأنا أبكي واستأذنت امرأة من الأنصار علي فأذنت لها ، فجلست تبكي معي .

قالت : فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم وجلس ، ولم يجلس قبل ذلك منذ قيل ما قيل ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه شيء . فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس وقال : "أما بعد : يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه ، فإن العبد إذا أذنب ثم تاب تاب الله عليه" [ ص: 2424 ] فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال ، فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقلت لأمي : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وأنا جارية حديثة السن ولم أقرأ كثيرا من القرآن . فقلت : إني - والله - أعلم أنكم قد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم فصدقتم به ، ولئن قلت : إني بريئة - والله يعلم إني بريئة - لا تصدقونني ، فوالله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) .

قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ، وما كنت أرى أن الله عز وجل ينزل في شأني وحيا يتلى ، لشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عز وجل في بأمر من السماء ، ولكني كنت أرجو أن يري الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم رؤيا في النوم يبرئني الله بها .

فوالله ما رام النبي صلى الله عليه وسلم مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، - وهو العرق - حين ينزل عليه الوحي ، وكان إذا أوحي إليه أخذه البرحاء حتى إنه لينحدر عليه مثل الجمان في اليوم الشاتي من ثقل القرآن الذي ينزل عليه .

قالت : فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها [ ص: 2425 ] : "أما أنت يا عائشة فقد برأك الله عز وجل" .

قالت : فقلت : نحمد الله عز وجل . قالت أمي : قومي إليه ، فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل . فأنزل الله عز وجل : ( إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ) إلى آخر الآيات العشر كلها .

فلما أنزل الله عز وجل هذا في براءتي ؛ قال أبو بكر رضي الله عنه ، وقد كان ينفق على مسطح لقرابته وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال في عائشة . فأنزل الله عز وجل ( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ) . . . إلى قوله تعالى ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) . فقال أبو بكر : والله إني لأحب أن يغفر الله لي . .فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، وقال : لا أنزعها منه أبدا .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري ، فقالت : ما رأيت ولا علمت إلا خيرا ، أحمي سمعي وبصري . قالت : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله عز وجل بالورع ، وطفقت أختها حمنة بنت جحش فهلكت فيمن هلك من أهل الإفك .


قال الزهري : فهذا ما انتهى إلي من خبر هؤلاء الرهط من هذا الحديث .

[ ص: 2426 ] 1906 - وحدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني ، قال : حدثنا الهيثم بن خارجة قال : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن - وهو ابن يزيد بن جابر - قال : حدثنا عطاء الخراساني ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، أن عائشة ، حدثته . . وذكر الحديث ، بطوله ، نحوا منه .

1907 - وحدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف ، قال : حدثنا ابن أبي عمر العدني ، قال : حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني ، قال : حدثنا معمر ، قال : حدثنا مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب .

قال ابن أبي عمر ، وحدثنا أيضا عبد الرزاق ، قال : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، قال : حدثني عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص الليثي ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله عز وجل وذكر الحديث بطوله نحوا من الحديث الأول . [ ص: 2427 ]

قال محمد بن الحسين رحمه الله :

فالحمد لله الذي بشر نبينا صلى الله عليه وسلم ببراءة عائشة رضي الله عنها زوجته في الدنيا والآخرة أم المؤمنين ، وليست بأم المنافقين .

التالي السابق


الخدمات العلمية