الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المسألة الثانية: وقف الكتب الشرعية:

        أما وقف الكتب المحرمة:

        مثل: الكتب السماوية المحرفة، كالتوراة والإنجيل، وكتب الإلحاد والزندقة، وكتب البدع والخرافات، والكتب والصحف والمجلات التي تحارب الإسلام وعقيدته، وتدعو إلى الشر والفساد على اختلاف طرقها وأساليبها، إلى غير ذلك. [ ص: 597 ]

        فباتفاق الأئمة الأربعة : الحنفية، والمالكية ، والشافعية، والحنابلة عدم جواز وقفها، حيث اشترطوا في الوقف أن لا يكون على محرم، ومقتضى مقصود الوقف الإجماع على عدم جوازه عليها.

        والدليل على ذلك:

        1 - أن الوقف عمل يقصد به القربة والطاعة، والقربة لا تكون بفعل المعصية، بل بفعل الطاعة.

        فالقراءة معصية بدليل:

        (174) ما رواه أحمد من طريق مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب، فقال: « أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى - عليه السلام - كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ». [ ص: 598 ]

        قال في المغني بعد ذكر هذا الحديث : « ولولا أن ذلك معصية ما غضب منه ».

        2 - أن وقف هذه الكتب فيه إعانة على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، والوقف إنما شرع للتقرب بالطاعة، فهما متضادان. [ ص: 599 ]

        وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: « وقف كتب الحكايات التي ليس فيها محرم لا يصح؛ لأنه ليس فيها ما يقرب إلى الله، ولو وقف وقفا على من يتلف الكتب المحرمة لكان وقفا صحيحا.

        أما وقف كتب العلم الشرعي وما يعين عليه؛ مثل كتب التفسير، والحديث، والعقيدة، والفقه، والدعوة، ونحوها، ومثل الكتب التي تعين على فهم العلوم الشرعية: كتب اللغة العربية، ونحوها.

        وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه الكتب على ثلاثة أقوال: القول الأول : يشرع وقفها مطلقا.

        وقال به بعض الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة والظاهرية.

        جاء في الفتاوى الهندية: « واختلف الناس في وقف الكتب: جوزه الفقيه أبو الليث، وعليه الفتوى ». [ ص: 600 ]

        قال النووي: « يجوز وقف العقار والمنقول، كالعبيد والثياب والدواب والسلاح والمصاحف والكتب، سواء المقسوم والمشاع».

        القول الثاني: يجوز وقفها إذا تعارف الناس عليه ، وتعاملوا به.

        وبهذا قال محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه الفتوى عندهم.

        القول الثالث: لا يجوز وقفها مطلقا.

        وبهذا قال الإمام أبو حنيفة ، وبعض أصحابه.

        وفي قول للمالكية: عدم صحة وقف الكتب الشرعية.

        وفي رواية عن الإمام أحمد: عدم صحة وقف الكتب الشرعية عدا المصحف.

        قال الزيلعي: « (ومنقول فيه تعامل) كالكراع، والخف، والسلاح، والفأس، والمرو، والقدر، والقدوم، والمنشار، والجنازة، وثيابها، والمصاحف، وغير ذلك مما تعورف وقفها، وعند أبي يوسف: لا يجوز إلا في الكراع والسلاح، والقياس أن لا يجوز في المنقول أصلا، إلا أن أبا يوسف ترك ذلك بالنص ».

        الأدلة:

        أدلة أصحاب القول الأول:

        1 - استدلوا بما استدل به القائلون بجواز وقف المنقول إذا كان مما [ ص: 601 ] ينتفع به مع بقاء عينه، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه في وقف خالد بن الوليد رضي الله عنه لأدرعه وأعتده، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا به في احتباس الفرس في سبيل الله من الأجر وغيرهما.

        فقالوا: إن ما عدا السلاح والحيوان ومنه كتب العلم مقيس عليه ؛ لأن فيها نفعا مشروعا فيجوز وقفه.

        حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله »، وفي رواية للبخاري « وأعتده ».

        وجه الاستدلال من الحديث:

        قال الخطابي: « الأعتاد: ما يعده الرجل من المركوب والسلاح وآلة الجهاد » ويقاس على ذلك كل ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلا يبقى بقاء متصلا كالكتب والسلاح والأثاث؛ لأنه يحصل فيه تحبس الأصل وتسبيل المنفعة، فصح وقفه ».

        وأجيب: أن حديث خالد لا حجة فيه ؛ لأنه ليس فيه أنه وقف ذلك، فاحتمل قوله : « احتبس » أي: أمسكها للجهاد لا للتجارة.

        2 - ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا: « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ».

        وجه الاستدلال من الأثر: أن القياس قد يترك بتعامل الناس وتعارفهم [ ص: 602 ] كما في الاستصناع، وقد وجد التعامل في هذه الأشياء « الكتب والأثاث والسلاح » فصح وقفها، مع أن القياس والأصل عدم صحة وقف المنقول؛ لأن التأبيد لا يتحقق فيه ، بخلاف ما لا تعامل فيه من المنقولات، فلا يصح وقفها كثياب ومتاع.

        وأجيب: أن القياس إنما يترك بالنص، والنص إنما جاء في الكراع والسلاح فيقتصر عليهما، ووجه القياس: أنه يشترط التأبيد في الموقوف وهو لا يتحقق في المنقول.

        3 - لأنه يصح وقف هذه الكتب مع غيرها، فصح وقفها وحدها كالعقار.

        أدلة أصحاب القول الثاني: (يجوز وقفها إذا تعامل به الناس) :

        استدل له بما استدل به في مسألة وقف المنقول إذا كان مما يتعامل به الناس.

        القول الثالث: (عدم الجواز مطلقا) :

        استدل له بما استدل به من قال بعدم الجواز في مسألة وقف المنقول مطلقا، وقد تقدمت مناقشتها.

        لأن من شرط الموقوف أن يتأبد، والتأبيد لا يتحقق في الكتب وسائر المنقولات، [ ص: 603 ] والقاعدة: « أنه لا يجوز وقف ما ينقل ويحول على الإطلاق مقصودا أو تبعا، تعامل الناس فيه أو لا ».

        وأجيب : الصحيح أن الكتب تحبس ليقرأ فيها لا فرق بينها وبين الخيل تحبس ليغزو عليها، فيتحقق في الكتب معنى الوقف، وهو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة كالعقار، والأراضي، والدور، وكل ما يجوز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلا يبقى بقاء متصلا.

        الترجيح:

        الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بجواز وقف الكتب؛ لقوة ما استدلوا به، وفي وقفها خير كثير للناس ولصاحبها، وهو طريق واسع إلى نشر العلم الذي حث عليه الشارع، ورغب فيه.

        قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن ذلك: « وأما كتب فيها أشياء جزئية من غلط، فالوقف عليها صحيح؛ لأن العصمة إنما هي للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولو قيل: إنه لا يصح إلا على ما ليس فيه غلط لأفضى ذلك إلى أن لا يصح وقف أصلا ».

        التالي السابق


        الخدمات العلمية