الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                            صفحة جزء
                                                            باب الخشوع والأدب وترك ما يلهي عن الصلاة عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل ترون قبلتي ههنا والله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري لم يقل مسلم خشوعكم وقال ولا سجودكم .

                                                            [ ص: 376 ]

                                                            التالي السابق


                                                            باب الخشوع والأدب وترك ما يلهي عن الصلاة (الحديث الأول) عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل ترون قبلتي هاهنا ؟ والله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم لأني أراكم من وراء ظهري فيه فوائد :

                                                            (الأولى) فيه الحض على الخشوع في الصلاة وقد مدح الله تعالى على ذلك فقال قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون [ ص: 372 ]

                                                            وقد اختلف فيه هل هو سنة أو واجب فحكى النووي في شرح المهذب الاتفاق على أنه سنة وأنه ليس بواجب ، وفيه نظر فقد روينا في كتاب الزهد لابن المبارك عن عمار بن ياسر قال لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه وقد روي مرفوعا كما سيأتي وأيضا ففي كلام غير واحد من العلماء ما يقتضي وجوبه فقد قال إمام الحرمين إن المريض إذا لحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه سقط عنه القيام فلقائل أن يقول لولا وجوب الخشوع لما جاز ترك القيام وهو واجب لأجله .

                                                            ولقائل أن يقول إنما جعل الإمام ذلك حدا لما يسقط القيام من المرض ولا يشترط في سقوط القيام عن المريض العجز عنه جملة بل وجود المشقة كافية في سقوطه فحد الإمام المشقة بما يذهب معه الخشوع وذهب القاضي حسين إلى أنه إذا صلى مع مدافعة الأخبثين بحيث يذهب خشوعه أن صلاته لا تصح مع اتفاق أصحاب الشافعي على أن مدافعة الأخبثين ليست مبطلة للصلاة فإذا وصل ذلك إلى حد يذهب معه الخشوع بطلت على ما قاله القاضي حسين فيقتضي وجوب الخشوع أيضا ومما يدل على وجوبه ما رواه أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث عمار بن ياسر أنه صلى ركعتين فخففهما فقال له عبد الرحمن بن الحارث يا أبا اليقظان أراك خففتهما فقال إني بادرت بهما الوسواس وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الرجل ليصلي الصلاة ولعله لا يكون له منها إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها أو سدسها حتى أتى على العدد وقال أحمد إني بادرت بها السهو .

                                                            وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب تعظيم قدر الصلاة في حديث مرسل لا يقبل ممن عمل عملا حتى يشهد قلبه مع بدنه ورواه أبو شجاع الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي بن كعب وقد ورد أن الصلاة الخالية من الخشوع والتمام يضرب بها وجه المصلي رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس واستدل على عدم وجوب الخشوع بحديث الباب إذ لم يأمرهم بالإعادة كما قال المهلب .



                                                            (الثانية) في بيان الخشوع في الصلاة روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى الذين هم في صلاتهم خاشعون يعني خائفين لله ساكنين وروينا في السنن للبيهقي عن علي أنه سئل عن هذه الآية فقال : الخشوع في القلب وأن تلين كتفك [ ص: 373 ] وأن لا تلتفت في صلاتك فجعل الالتفات الظاهر دليلا على عدم الخشوع في الباطن كما روى عبد الرزاق في المصنف وكذلك ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ، هذا هو المعروف في هذا أنه عن ابن المسيب وفي إسناده من لم يسم وقد رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول مرفوعا من حديث أبي هريرة وفيه سليمان بن عمرو مجمع على ضعفه وقد تتحرك اليد مع وجود الخشوع كما رويناه في سنن البيهقي من حديث عمر بن حريث قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما مس لحيته وهو يصلي وفي الكامل لابن عدي من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ربما يضع يده على لحيته في الصلاة من غير عبث وقيل الخشوع في الصلاة الإقبال عليها قاله مالك في العتبية فيما حكاه الباجي في المنتقى وقيل هو السكون فيها رواه البيهقي عن مجاهد وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا اسكنوا في الصلاة وقيل الخشوع الخوف رواه البيهقي عن الحسن وروى عن قتادة الخشوع في القلب وإلباد البصر في الصلاة وقيل الخشوع إطراق من الرأس إلى الأرض وقد روى البيهقي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت الذين هم في صلاتهم خاشعون فطأطأ رأسه قال البيهقي والصحيح عن محمد بن سيرين مرسل وقيل الخشوع أن لا يحدث نفسه في الصلاة كما في حديث عثمان المتفق عليه من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه .



                                                            (الثالثة) إن قيل ما وجه ما رواه أبو عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب أنه قال إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة وروى عروة بن الزبير عن عمر قال إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة فكيف يجتمع الخشوع مع هذا ؟ والجواب أن المصلي لا يمكنه دفع الخواطر العارضة في الصلاة ولم يقل في حديث عثمان لا تحدثه نفسه فيهما وإنما قال لا يحدث فيهما نفسه والغالب على الإنسان الفكرة فيما يهمه وكان عمر رضي الله عنه إذا عرض له تجهيز جيش ونحوه من أمور المسلمين أهمه ذلك فربما عرض له ذلك في الصلاة [ ص: 374 ] واسترسل فيه من غير أن يقصد ذلك وقد ورد في كونه لا يحدث نفسه في الصلاة تقييده بأمور الدنيا رواه ابن أبي شيبة في المصنف في حديث مرسل قال فيه لا يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا وليس ما كان يعرض لعمر في الصلاة من أمور الدنيا بل من أمور الدين الذي يهمه ذلك قال ابن بطال فإن قال قائل فإن الخشوع فرض في الصلاة قيل له بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيته ويريد بذلك وجه الله عز وجل ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر .

                                                            (الرابعة) لم يبين في حديث أبي هريرة ما أنكره عليهم صلى الله عليه وسلم في الركوع والسجود وفي رواية لمسلم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ثم انصرف فقال يا فلان ألا تحسن صلاتك ؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي فإنما يصلي لنفسه إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي وقد ورد في حديث آخر ما يقتضي أنه عدم إتمام الركوع والسجود وفي حديث آخر مبادرته للإمام بذلك ففي الصحيحين من حديث أنس أقيموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من بعدي وربما قال من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم .

                                                            وفي رواية لمسلم أتموا الركوع والسجود وفي رواية له إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي وقد ورد أن ذلك الصحابي فعل ذلك عمدا ليعلم بذلك هل يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أم لا كما رواه أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال : صلى رجل خلف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يركع قبل أن يركع ويرفع قبل أن يرفع فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال من فعل هذا ؟ قال أنا يا رسول الله أحببت أن أعلم تعلم ذلك أم لا ؟ قال اتقوا خداج الصلاة فإذا ركع الإمام فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وقيل إنما أنكر عليهم عدم تسوية الصفوف كما في الحديث المتفق عليه من حديث أنس أيضا أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري قلت الظاهر أن هذه واقعة أخرى إتمام الركوع والسجود المذكور في حديث أنس المتقدم .



                                                            (الخامسة) قال المهلب بن أبي صفرة في هذا الحديث النهي عن نقصان الركوع والسجود لتوعده عليه السلام لهم على ذلك (السادسة) قال ابن بطال نقلا عن المهلب أيضا فيه دليل أن الطمأنينة والاعتدال في الركوع والسجود من [ ص: 375 ] سنن الصلاة وليست من فروضه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر هؤلاء الذين قال لهم ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم بالإعادة ولو كان ذلك فرضا ما سكت عن إعلامهم بذلك لأن فرضا عليه البيان لأمته وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وهي رواية ابن القاسم عن مالك .

                                                            وذهب أكثر العلماء إلى وجوب الطمأنينة والاعتدال وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأبي يوسف وأحمد وإسحاق وابن وهب وغيرهم وليس لمن استدل بالحديث حجة على قوله لأنه ليس في الحديث أنهم لم يطمئنوا في الركوع والسجود والذي ورد التصريح به إنما هو مسابقته بالركوع والسجود لا ترك الطمأنينة كما تقدم من عند مسلم ومسند أحمد ولا يتصور منهم ترك الطمأنينة لأنهم كانوا مأمومين وراءه وكان صلى الله عليه وسلم يطمئن في صلاته قطعا فلو تركوا الطمأنينة وراءه للزم منه مفارقتهم له وإنما كان بعضهم يساوقه أو يبادره فنهاهم عن ذلك وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته بالإعادة بقوله صل فإنك لم تصل وبين له فرض الطمأنينة بقوله ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها وهو صحيح متفق عليه وبوب عليه البخاري باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يتم ركوعه بالإعادة وقول المهلب إنه لم يأمره أن يعيد الصلاة التي نقصها إجراء على الصفة التي عليه ولم يقل لا يجزيك حتى تصلي هذه الصلاة على هذه الصفة وإنما علمه كيف يصلي فيما يستقبل كلام مردود عليه فقد أمره بالإعادة في آخر مرة بقوله صل ونفى صلاته بقوله فإنك لم تصل ثم علمه كيف يفعل ما أمره به فلا يحتاج أن يقول له بعد التعليم صل هكذا فإن أمره بالصلاة لم يخرج عنه إلى الآن ولا يحتاج أن يقول له لا يجزيك حتى تصلي هذه الصلاة على هذه الصفة على أنه قد جاء في حديثرفاعة بن رافع في حديث المسيء صلاته لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك وروى أصحاب السنن من حديث أبي مسعود البدري مرفوعا لا يجزي صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود وقال الترمذي حديث حسن صحيح .



                                                            [ ص: 376 ] السابعة) إذا قلنا إن الحديث ورد في كراهية مبادرة الإمام في الصلاة ففيه حجة على أن مساوقته ومسابقته اليسيرة لا تبطل الصلاة لأنه لم يأمرهم بالإعادة وهو قول الجمهور وذهب عبد الله بن عمر وأهل الظاهر إلى أن ذلك يفسد الصلاة وهو كان غير مفسد عند أصحابنا ولكنه ليس له ثواب الجماعة في المسابقة والمساوقة حكاه الرافعي في المساوقة عن بعضهم مقتصرا عليه وقال الإمام إن المساوقة خلاف الأولى ولا تكره وأما المسابقة بركن فتكره وقال البغوي والمتولي كراهة تحريم وإن سبقه بركنين عمدا مع العلم بالتحريم بطلت صلاته وإن كان جاهلا لم تبطل ولكن لا يعتد بتلك الركعة والله أعلم .

                                                            (الثامنة) فيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم في أنه كان ينظر من ورائه كما ينظر من بين يديه وهو محمول على الحقيقة لا أن المراد به العلم دون الرؤية كما حمل بعضهم الحديث عليه قال ابن بطال يحتمل أن يراهم بما يوحى إليه من أفعالهم وهيئاتهم لأن الرؤية قد يعبر بها عن العلم والاعتقاد ويحتمل أن يكون يراهم بما خص به أن زيد في قوة بصره حتى يرى من وراءه وقد سأل أبو بكر الأثرم أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فحمله على الحقيقة قلت له إن إنسانا قال لي هو في ذلك مثل غيره ، وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام من يمينه وشماله فأنكر ذلك إنكارا شديدا وقال صاحب المفهم مذهب أهل السنة من الأشعرية وغيرهم أن هذا الإبصار يجوز أن يكون إدراكا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم محققا انخرقت له فيه العادة وخلق له وراءه أن يكون الإدراك العيني انخرقت له العادة فكان يرى به من غير مقابلة فإن أهل السنة لا يشترطون في الرؤية عقلا هيئة مخصوصة ولا مقابلة ولا قربا ولا شيئا مما يشترطه المعتزلة وأهل البدع وأن تلك الأمور إنما هي شروط عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة مع إحالة تلك الأمور كلها ولما ذهب أهل البدع إلى أن تلك الشروط عقلية استحال عندهم رؤية الله فأنكروها وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية وخالفوا ما أجمع عليه الصحابة والتابعون ويؤيد هذا قول عائشة رضي الله عنها في هذا زيادة زاده الله تعالى إياها في حجته وروى ابن عبد البر في التمهيد عن مجاهد في تفسير قوله تعالى [ ص: 377 ] وتقلبك في الساجدين قال كان يرى من خلفه في الصلاة كما يرى من بين يديه وقال بقي بن مخلد كان عليه السلام يرى في الظلام كما يرى في الضوء .




                                                            الخدمات العلمية