الفصل الثاني
الظلم في ميزان الشرع الحنيف

- مقدمة:
الظلم من المواضيع، التي احتلت حيزاً لا يستهان به في مصادر التشريع الإسلامي الأساسية: القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهذا الحيز الكبير يدل على درجة الاهتمام العظيمة التي حظي بها هذا الموضوع، فالظلم بكل صوره وأشكاله يتعارض مع رسالة الإسلام التي هي رسالة العدل، فهو يتناقض مع المعروف الذي أمر به الشرع الحنيف وينسجم مع المنكر الذي نهى عنه، وبالتالي فهو والإسلام على نقيض، لذلك ركزت مصادر التشريع الإسلامي عليه، مبينة خطورته على حياة الأفراد والمجتمعات.
- تحريم الظلم:
يحرم الإسلام الظلم بكل صوره وأشكاله، ويدين أسبابه وآلياته، ويحذّر من تداعياته وآثاره، ويأبى على المسلم أن يكون ظالماً أو عوناً لظالم، وحرمة الظلم تؤكدها جميع مصادر التشريع في الإسلام من قرآن كريم وسنة وإجماع وقياس، ولا يقف التحريم على ظلم المسلم بل يتعداه إلى تحريم ظلم الكافر والذمي والمعاهد، يروي أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن النبي رضي الله عنه أنه قال: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ»( )، ويقول النبي رضي الله عنه : «أَلا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»( ).
وتكمن حكمة تحريم الظلم في مدى خطورته على كل أشكال الحياة وعلى كل الكائنات من بشر وحيوانات ونباتات، يقول أبو هريرة، رضي الله تعـــالى عنـــــه: «إن الحبـــارى لتمـــــوت في وكرها من ظلــــم الظــــــالم»( )، ويقــول ابن القيم، رحمه الله: «سبحان الله! كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة واحترقت كبد يتيم وجرت دمعة مسكين: كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (المرسلات:46)، ما ابْيَضَّ لون رغيفهم حتى اسْوَدَّ لون ضعيفهم، وما سمنت أجسامهم حتى نحلت أجسام من استأثروا عليه»( ).
فالباغي الظالـــــم ينتـقــم الله منــــه في الدنيا والآخرة، فإن البغي مصرعه، قال ابن مسعود: «لَوْ بَغَى جَبَلٌ عَلَى جَبَلٍ، لَجَعَلَ اللَّهُ الْبَاغِيَ مِنْهُمَا دَكًّا»، ومن حكمة الشعر:
قضى اللهُ أنَّ البغيَ يصرعُ أهلَــه وأنَّ على الباغي تدورُ الدوائـــرُ
وورد في الحديث: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْعُقُوبَةَ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»( ).
فالظلم يخلق الفوضى في المجتمع، ويزرع الحقد والبغضاء، ويولّد الحسد والمشاحنات بين الناس، يقول الشاعر نعمان ثابت( ):
أوغر الظالمون منا الجنانا أزهقوا النفس واستباحوا حمانا
وقيل أيضاً( ):
فلا تأمننَّ الدهر حرّاً ظلمتَه
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً
تنام عيناك والمظلوم منـتبهٌ
فـما ليـلُ حـرٍّ إن ظلـمت بـنائـم
فالظلم مصدره يُفضي إلى الندمِ
يـدعو عليـك وعيـن الله لـم تـنمِ


والظلم يفضي إلى خراب ودمار مقدرات الأفراد والمجتمعات، ويعزز من انتشار الجشع والاحتكار في المجتمع، ويعمل على انتشار قيم اللصوصية وشريعة الغاب، ويكرّس ثقافة الخوف والقرصنة والكذب والتدليس، فتغيب المروءة لدرجة يصاب فيها الأفراد بفوبيا الخوف الدائم على أنفسهم وأسرهم وحقوقهم وأملاكهم، سواء أكانوا ظلمة أم مظلومين.
والظلم سلوك لئيم، يعرقل تقدم المجتمعات، ويحول دون رقيها، بل ويدفعها إلى ظلمات التخلف والانحطاط،
وقد روي بأن الرشيد سجن أبا العتاهية، فكتب هذا على جدار السجن( ):
أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ الظُّلْمَ لُؤْمٌ
إِلَى دَيَّانِ يَوْمَ الدِّينِ نَمْضِي
لأمر ما تصرّفت الليالي
ستعلم في الحساب إذا التقينـا
سينقطع التروح عـن أناس
تلوم على السَّفاهِ وأنت
وتلتمس الصلاحَ بغير حلمٍ
تنام ولم تنم عنك المنايـــــا
تموت غدا وأنت قرير عينٍ
لهوت عن الفناء وأنت تفني
تروم الخلد في دار المنايــا
سل الأيام عن أمم تقضــت
وما تنفك من زمن عقــور
إذا ما قلت قد زجيت غما
وليس يذل بالإنصاف حيّ
وللمعتاد ما يجري عليــــه
وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
وَعِنْدَ اللَّهِ يَجْتَمِعُ الْخُصُومُ
وأمرٍ ما توليت النجومُ
غدا عند الإله من الملومُ
من الدنيا وتنقطع الغمومُ
فيه أجل سفاهةً ممن تلومُ
وإن الصالحين لهم حلـومُ
تنبه للمنية يا نؤومُ
من الغفلات في لحجٍ تعومُ
وما حي على الدنيا يــدومُ
وكم قد رام غيرك ما ترومُ
ستخبرك المعالم والرسومُ
بقلبك من مخالبه كلــــــومُ
فمر تشعبت منه غمــــومُ
وليس يعز بالغشم الغشومُ
وللعــادات يا هـذا لـزومُ

والظلم خطير على الأملاك والعمران، فهو كما يقول ابن خلدون «مؤذن بخراب العمران»( )، لأنه يضّر بالمقاصد الخمس، التي أمر الشرع بضرورة المحافظة عليها وهي:
- الدين؛ النفس؛ العقل؛ النسل؛ المال.
وما هذه المقاصد إلا مقومات الحياة الإنسانية في كل زمان ومكان، فهدمها بالظلم يعني خراب المجتمعات ودمار عمرانها( ).
وورد على لســـان أحـــد رجـال الدين الفرس قوله: «إن الـمُلك لا يتم عزه إلا بالشريعة، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للمَلِك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة والصناعة والزراعة وما شابه ذلك من أوجه التكسُّب، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، فإذا زال العدل انهارت العمــــارة وتوقــــف الإنتاج فافتـــقر النــــاس، واستـــمرت سلسلة التساقط حتى ينهار الـمُـلك»( ).
والمجتمع عندما يحيد ويبتعد عن قيم العدل والشورى والحرية، ويجنح إلى الظلم والاستبداد والعبودية، فإن ذلك مدعاة لسقوطه وانهياره وزواله، فقد كان الظلم سبب هلاك وزوال كثير من المجتمعات والأمم الغابرة، وقد أشار الكتاب العزيز إلى ذلك في مواضع عدة منها( ):
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (يونس:13)،

وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (الكهف:59)

وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (القصص:59).
ويقول الشاعر:
إذا جارَ الوزيرُ وكاتباه
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويــــلٌ
وقاضي الأرض أجحف في القضاء
لقاضي الأرض من قاضي الســماء

ويكون الظلم مضاعفاً عندما تطبق القوانين والحدود على الضعفاء والدهماء من الناس دون السادة وعِلية القوم، يقول الرسول رضي الله عنه : «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ»( ).
والظلم مجلبة لعذاب الله تعالى وعقابه: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (النمل:52).
وهو ينزع البركة من كل شيء في المجتمع، سواء أكانت أموالاً أو أملاكاً أو نباتاتٍ أو حيواناتٍ، يقول وهب ابن منبه: «إذا هم الوالي بالجور، أو عمل به، أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزروع والضروع وكل شيء، وإذا هم الوالي بالخير والعدل، أو عمل به، أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك»( )، وقيل «عدل السلطان أنفع من خصب الزمان»( ).
قَالَ مُجَاهِدٌ: «إِذَا وَلِيَ الظَّالِمُ سَعَى بِالظُّلْمِ وَالْفَسَادِ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَطْرَ، فَيَهْلِكُ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ، ثم قرأ: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الروم:41)».
تعود عاقبة الظلم على صاحبه، والظالم يدفع ثمن أفعاله غاليا في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (السجدة:21)، ويقول أيضاً: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (الأنبياء:11).
وقيل: «الظالمُ سيفُ الله، ينتقم به، ثم ينتقم منه»( ).
وقيل: «يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم»( ).
ويقول الإمام الشافعي:
بلوتُ بني الدنيا فلم أرَ فيــــــــهم
فجردت من غمد القناعة صارمـا
فلا ذا يراني واقفا في طريقـــــــه
غني بلا مال عن الناس كلهم
اذا ما الظالم استحسن الظلم
فكلها إلى صرف الليالي فإنها
فكم رأينا ظالما متمـــــــــــرداً
فعمّا قليل وهو في غفلاتـــــــه
فأصبح لا مال ولا جاه يرتجـى
وجوزي بالأمر الذي كان فاعلا
سوى من غدا والبخل ملءَ إهابه
قطعت رجائي منهم بذبابـــة
ولا ذا يراني قاعدا عند بابــــه
وليس الغني إلا عن الشيء لا بــه
مذهبا ولجّ عتوا في قبيح اكتسابـــه
ستدعي له ما لم يكن في حسابـه
يرى النجم تحت ظل ركابـــــه
أناخت صروف الحادثات ببابـه
ولا حسنات تلتقي في كتابـــــه
وصب عليه سوط عذابـــــــــه

وقد اشتكى واستصعب شاعر الجاهلية طرفة بن العبد ظلم الأهل والقربى فقال( ):
وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَـدُّ مَضَاضَـةً
أَرَى الْمَوْتَ أَعْدَادَ النُّفُوسِ وَلاَ أَرَى
سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْـتَ جَاهِلاً
عَلَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ
بَعِيدًا غَدًا مَا أَقْـرَبَ اليَـوْمَ مِنْ غَدِ
وَيَأْتـِيـكَ بِالأَخْبَـارِ مَـنْ لَـمْ تُـــزَوِّدِ


لقد كان الرسول رضي الله عنه يكثر من الاستعاذة بالله تعالى من الظلم( )، فعن أبي هريرة، رضى الله عنه، أن النبي رضي الله عنه كان يدعو ويقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ»( )، وقد أمر الرسول، عليه أفضل الصلاة والسلام، بالاستعاذة من الظلم كلما خرج الإنسان من بيته، فعَنْ أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ سلَمَةَ، رضي اللَّهُ عنها، أن النبيَّ رضي الله عنه كانَ إذَا خَرجَ مِنْ بيْتِهِ قالَ: «بسم اللَّهِ، توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ أنْ أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أوْ أُزلَّ، أوْ أظلِمَ أوْ أُظلَم، أوْ أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عَلَيَّ»( ).
- الركون إلى الظلمة:
الركون إلى الظلمة هو الاعتماد عليهم في تحقيق بعض المكاسب الدنيوية الفانية، وهذا يعني مداهنتهم وتزيين ظلمهم والرضا عنه، ومن يوافق الظالم على ظلمه فهو شريكه في ظلمه، ومن يعين الظالم على الظلم فهو مثله، قال الرسول الكريم رضي الله عنه : «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ»( )، لذلك حذّر القرآن الكريم من الركون إلى الظلمة، قال تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (هود:113).
لكن يجب ألاّ يسكت أو يُوافق أو يرضى الأفراد والجماعات عن الظلم، الذي يمارسه الآخرون، ولا يجوز أن يُستمرأ ذلك منهم، لذلك يُعدّ عدم ردع الظالم عن ظلمه من أهم صور الركون إلى الظلمة، وهذا الركون إلى الظلم يخالف مقاصد الشرع الحكيم؛ لأن ذلك يؤدي إلى استشراء الظلم والطغيان وضياع الحقوق، وفي الحديث، يقول الرسول رضي الله عنه لما ذُكر الظلمة: «... فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَصَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَيُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ»( )، ويقول رضي الله عنه أيضاً: «مَنْ أَعَانَ بَاطِلاً لِيُدْحِضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ (رضي الله عنه )»( )، ويقول ميمون بن مهران: «الظالم والمعين على الظلم والمحب له سواء»( ).
وفي الحديث، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ الشَّامِيِّ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا فُسَيْلَةُ، قَالَتْ: «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ رضي الله عنه فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ»( )، وسأل السجانُ الأمامَ أحمد بن حنبل، عندما كان مسجوناً في محنة «خلق القرآن»، عن الأحاديث النبوية الشريفة، التي وردت في أعوان الظلمة، فقال له: الأحاديث صحيحة، فقال السجان: هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال له: لا، لست من أعوان الظلمة، إنما أعوان الظلمة من يخيط لك ثوبك، ومن يطهو لك طعامك، ومن يساعدك في كذا، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم.
نحن نتحدث دائماً عن الظلمة، ولا نتذكر أعوانهم الذين يقودون حرب الشر ضد الخير، ويمارسون الظلم بكل أشكاله وصوره باسم الظلمة، وتحت راياتهم، وفي ظل حمايتهم، يقول فقيه الإسلام الحسن البصري، رحمه الله تعالى: «جعل الدين بين لاءين: لا تطغوا، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا»( ).
ومن صور الركون للظلمة كذلك، مداهنتهم، والرضا عن ظلمهم، وتبريره في مقابل تحقيق مكسب أو منفعة دنيوية، يقول الحسن البصري، رحمه الله تعالى: «مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِالْبَقَاءِ، فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ فِي أَرْضِهِ»( )، وسأل أحدُهم سفيان الثوري، رحمه الله تعالى، قال: أنا أخيط للظلمة، فهل أنا ممن يركن إليهم؟ فقال له سفيان: لا يا هذا، أنت منهم، ولكن الذي يبيعك الإبر لتخيط لهم هو من الراكنين»( ).
والإسلام يحض المسلم على أن لا يكون ظالماً، وألا يكون معيناً وعوناً للظالم على ظلمه، فالقرآن الكريم لا يدين الظُلام فقط، بل يدين أيضاً أعوانهم وأتباعهم الذين يمثلون الأدوات، التي تنفذ ظلم الظالم بصوره وأشكاله، قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (القصص:8).
- نصرة المظلوم:
الظلم سلوك لا أخلاقي ترفضه النفس البشرية، وتأباه الفطرة السليمة، لذلك ليس غريباً أن يحارب هذا السلوك في كل المجتمعات دون استثناء، فهذه قريش في الجاهلية، تعقد حلفين لرد المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم والأخذ للقوي من الضعيف، وهذه الأحلاف هي( ):
- حلف المُطَيّبِينَ:
تأسس هذا الحلف عندما حاولت قريش أن تأخذ من بني عبد الدار الحجابة، وهي خدمة الكعبة، واللواء وهو حمل اللواء في الحروب، والسقاية وهي سقي الماء للحجيـج، فاختلفت الآراء، وتفرقت قريش، فاجتمع أنصار بني عبد الدار، وأخرجوا قصعة مملوءة طيبًا، وغمس الحضور أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا، على نصرة بني عبد الدار والمظلومين من بعدهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توثيقاً على أنفسهم فسموا: «المُطَيّبِينَ»، ثم اتفقوا فيما بعد على أن تكــون الرفــــادة والســـقـاية لبـــنى عبـد مناف، وأن تستقر الحجـــابة واللواء والندوة في بني عبد الدار، واستمر الأمر على ذلك، ولم يشهد الرسول رضي الله عنه هذا الحلف.
- حلف الفضول:
شارك فيه الرسول رضي الله عنه ، حيث اجتمعت قريش في دار عبد الله بن جدعان، لشــــرفه وسنـه، فتحــــــالفوا واتفقــــوا على نصرة المظلوم ورد المظالم إلى أهلها، وسمــــي ذلك الحــــــلف: «حـــــلف الفضـــول»، وكان سبب عقد حلف الفضول، أن رجـــــلاً قـــدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه، فــــاستعـــــدى عليـــــه الغريبُ أهـــــل الفضــــل في مـــــكة، فخذله فريق، ونصره الآخر، فكان الحلف، ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه مال الغريب، فدفعوه إليه.
وقد قال رسول الله رضي الله عنه في هذا الحلف: «شَهِدْتُ حِلْفَ المُطَيَّبِينَ (يقصد حلف الفضول، فهم في الأصل من جماعة المطيبين) مَعَ عُمُومَتِي وأنا غُلامٌ، فَمَا أحِبُّ أنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وإني أنْكُثُهُ»( ). وقال أيضًا: «لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أحِبّ أنّ لِي بِهِ حُمْرَ النّعَمِ، وَلَوْ ادْعَى بِهِ فِي الإسلام لأجَبْت»( ).
ونصر المظلوم‏ ورفع الظلم عنه فرض كفاية، رغم أن جميع المسلمين مخاطبون بذلك وهو الراجح، «ويتعين أحياناً على من له القدرة عليه وحده، إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب، وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير، وشرط الناصر أن يكون عالماً بكون الفعل ظلماً، ويقع النصر مع وقوع الظلم وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه كمن أنفذ إنســــاناً من يد إنســــان طـــالبه بمال ظلماً وهدده إن لم يبذله، وقد يقع بعد، وهو كثير»( )‏.
وما أحوجنا في واقعنا المعاصر إلى مثل هذه الأحلاف! وبهذا الأسلوب الراقي والحضـــــاري لمواجهـــة الظلم، الذي شـــــاع بصـــــوره وأشـــــكاله المخــتـــلفــــــة في جوانب حياتنا كلها، وذلك من أجل نصرة المظلوم وردع الظالم ورد الحقوق إلى أهلها، خصوصاً أن عنجهية الظلمة وغرورهم قد لا يردعها عقوبة آجلة ليوم البعث والنشور، وربما لا يزجر القانون الظالمين ويمنعهم عن ظلمهم، ولكنهم قــــــد يرتدعوا إذا ما وجــــــدوا أن ضحيتــــهم عزيزة المنـــــــال، وأن افتراسها قــــد يؤدي إلى هــــــلاكهم، فالظـــــلمـــــة يتجــــاوزون الــحـــــد ما لـــم يروا مـــا يمنعـــهم أو يردعهــــــــم من ذلك، وقد قيل: «فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفاً، لما أقدم على الظلم»( ).
وفي هذا يقول الشاعر قريط بن أنيف العنبري:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي
لكن قومي-وإن كانوا ذوي نفر-
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
كأن ربك لم يخلق لخشيتـــــه
فليت لي بهم قوما إذا ركبـــــوا
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
ومن إساءة أهل السوء إحسانا
سواهم من جميع الناس إنسانا
شنوا الإغارة فرسانا وركبانا

ويرى الماوردي أن من طباع الناس المنافسة والمغالبة والتظالم، ولا يمكن أن يمنع ذلك إلا علّة معينة كما أشار المتنبي( ):
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
والظلم مـن شيـم الـنفـوس، فـإن
حتى يراق على جوانبه الدم
تجد ذا عـفة فلعلة لا يظلــم

والعلة المانعة من الظلم هي واحدة مما يلي( ):
- العقل؛ الدين؛ السلطان؛ العجز.
وأشد هذه الأربعة زجراً هو السلطان، وفي ذلك يقول الرسول، عليه أفضل الصلاة والسلام: «السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ»( )، و«إِنَّ اللَّهُ ليَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ»( ).
ويؤكد الشرع الحنيف ضرورة نصرة المسلم لأخيه المسلم في حال تعرضه للظلم، فلا يجب أن يُترك المسلم مع من يضره أو يؤذيه، بل لا بد من نصره والدفاع عنه إن كان مظلوماً، ولا بد من الأخذ فوق يديه وحجزه ومنعه من الظلم إن كان ظالماً، وهذا هو مبدأ النصرة في الإسلام، الذي يقوم على أسس ثلاثة رئيسة هي( ):
- الوقوف في وجه الظالم وكف يده.
- استنهاض المظلوم ليدافع عن نفسه.
- مطالبة بقية المسلمين بالتدخل لمنع وقوع الظلم.
وقـــد أكد رســــــول الله رضي الله عنه مبــــدأ النصرة والتناصر هذا بين المســــــلمــــــــــين، إذ يقول رضي الله عنه : «انصر أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ»( ).
وقـــــال رضي الله عنه : «إِنَّهُ لا قُدِّسَــــــتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ»( ).
ويروي الــــبـراء بن عازب، رضي الله عنه، قال: أَمَرَنَا النَّبِيُّ رضي الله عنه بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، فَذَكَرَ: «عِيَادَةَ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلامِ، وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ»( ).
وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، مرفوعاً، قال رسول الله رضي الله عنه : يقـــول رب العـــــزة: «وَعِزَّتِي وَجَــــــــلالِي لأَنْتَقِمَنَّ مِنَ الظَّالِمِ فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ، أَوْ فِي آجِـــلِهِ، وَلأَنْتَقِــــمَنَّ مِمَّــــنْ رَأَى مَظْلُومًا يُظْلَـــــمُ، فَقَــدَرَ أَنْ يَنْصُرُهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ لَهُ»( ).
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ رضي الله عنه : «اضْمَنُوا سِتَّ خِصَالٍ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ. قَالُوا: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا تَظْلِمُوا عِنْدَ قِسْمَةِ مَوَارِيثِـــــكُم، وَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَجْبُنُوا عِنْدَ قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، وَلا تَغُلُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَامْنَعُوا ظَالِمَكُمْ عَنْ مَظْلُومِكِمْ»( ).
وقال الشاعر أحمد بن مشرف التميمي:
وخذ بيد المظلوم قد حق نصره ولا تترك الباغي معيثاً فاسداً
وإذا تغاضى الناس أفراداً وجماعات عن ردع الظالم، ولم يمنعوه من ظلمه، فإن الله تعالى يوشك أن يعمهم بعقاب من عنده: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ...»، وفي لفظ: «... إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ؛ وَفِي لَفْظٍ: مِنْ عِنْدِهِ»( ).
ويرى بعضهم أن السكوت عن الظلم هو في واقع الأمر أسوأ من الظلم نفسه، ومن يشاهد الظلم ولا يمنع وقوعه، هو أكثر إثماً ممن يمارسه، وفي ذلك يقــــــول «مارتن لوثر كينـــج»: «المصيبــــة ليســــت في ظلــــم الأشرار، بل في صمت الأخيار».
ويشير الشرع الحنيف إلى أن الظلم أصلاً لا يجب أن يوجد في المجتمع المسلم، وإن وجد، فلا بد من اجتثاثه: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»( ).
لا شك أن رد الظلم والانتصار من الظالم بمثل فعله، هي من الأمور الشرعية المنصوص عليها، يقول المولى عز وجل: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (النساء:148).

وفـي موضع آخر من الكتاب العزيز، يقول عزّ من قائل: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
( (الشورى:39). فالمسلم يكره ويأنف الذلّة والصغار لنفسه ولإخوانه من المسلمين، وقد قيل:
فلم أرَ مثل العدل للمرء رافعاً ولم أرَ مثل الجور للمرء واضعاً
إنّ تجنب الظـــــلــم والابتعــــاد عنــــه أمرٌ محمــــود ومطـــلـــوب شــــرعاً، ‏«فعَن ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رضي الله عنه لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا رضي الله عنه عَلَى الْيَمَنِ, قَالَ: إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ‏»‏( )‏، وقد قال ابن رجب: «من سلم من ظلم غيره، وسلم الناس من ظلمه، فقد عوفي، وعوفي الناس منه»( )، وسُئِل أحد الصالحين: كم بيننا وبين الله؟ قال: دعوة مظلوم( )، وقد قيل:
إياك من عسف الأنام وظلمهم واحذر من الدعوات في الأسحار
لقد كتب الله تعالى على نفسه أن يكون نصيراً للمظلومين، ووعد بنصرة المظلوم والاستجابة لدعوته عاجلاً أو آجلاً: «ثَلاثٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ»( )، ‏وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله رضي الله عنه : «ثَلاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ، لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ, وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ, وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ»( )، ورحم الله من قال:
كنت الصحيح وكنا منك في سقم
دعت عليك أكفّ طالما ظلمت
فإن سقمت فإنا السالمون غدا
ولن ترد يد مظلومة أبـــدا

وكان معاوية رضي الله عنه يقول: «إني لأستحي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصراً إلاَّ الله»( ). وقيل: «اتق الله فيمن لا ناصر له إلاَّ الله»( )، وقيل شعراً:
أدِّ الأمانة والخيانة فاجتنـــب
واحذر من المظلوم سهماً صائباً
وإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة
فارحل فأرض الله واسعة الفضا
واعدل ولا تظلم يطب لك مكسب
واعلم بأن دعاءه لا يحجـــب
وخشيت فيها أن يضيق المكســـب
طولاً وعرضاً شرقها والمغرب

وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى: «لا تحتقر دعاء المظلوم، فشرر قلبه محمــــول بعجيـــج صـــوته إلى سقـــف بيــتك، ويحـــك!!!، نبـــال أدعيته مصيبة، وإن تأخر الوقت، قوسه قلبه المقرح، ووتره سواد الليل، وأستاذه صاحب «لأنصرنك ولو بعد حين»، وقد رأيت ولكن لست تعتبر، احذر عداوة من ينام وطرفه باك، يقلّب وجهه في السماء يرمي سهاماً ما لها غرض سوى الأحشاء منك»( ).
وإذا كانت الحكومات والجماعات تحاول كف العدوان الظاهر ومنع الظلم البين بين الناس، فإن هناك صوراً وألوناً من آفة الظلم الخفي، لا تستطيع أي حكومة أو جماعة أن تدفعها أو تمنعها، «فالزور المموه، والباطل المزيف، والفســــاد الملـــون بصبـــغ من الإصلاح ونحو ذلك مما يرتكبه أرباب الشهوات» لا يمكن للحكومة أن تكتشفه، فكيف يمكن للحكومة «الاطلاع على خفيات الحيل، وكامنات الدسائس، ومطويات الخيانة، ومستورات الغدر» حتى تقوم بدفعها، وتمنع وقوعها؟( )
لا شك أن الظلم الخفي أكثر خطورة وفتكاً بالأفراد والمجتمع من الظلم البيّن والظـــــاهر، فاستـــــغفـــال العبـــاد والمكر والغدر بــهم، وأخــــذهم على حين غرة بالحيــــلة تارة والـــدس تارة أخـــرى، للإيقاع بـــهم وغــصـــب حقوقهم وسلبهم، بهدف إشباع شهوة أو تحقيق رغبة، إنما هو قمة الظلم والعسف، وهــــذا النوع مــــن الظـــلم قد يمارسه أفراد وجهات متنفذة سياسياً أو اجتماعياً لا ترغــــب في انكشاف أمــــرها. لذلك ولمكافحة هذا الظلم، عمل بعض الخلفاء على إيجاد ولاية للمظالم للنظر فيها؛ لأن ذلك أمر جليل يسعى لإنصاف الظالم من المظلوم ويمنع التجاحد بين الناس بهيبة السلطان وقوته، ويجب فيمن يتولى ولاية المظالم أو ديوانها، أن يكون على قدر عال من القدرة والعفة والهيبة والورع.
وقد كان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أول من خصص للمظالم يوماً للنظر فيهــــا، وكان الخليفة عمــــر بن عبــــد العزيز، رحمه الله، أول من ندب نفسـه من الخلفاء للنظر في المظالم وفـــــق أسس الشـــرع الحنيف، وجلس لولاية المظالم من خلفاء بني العباس المهدي والهادي والرشيد والمأمون والمهتدي( ).
ويغطّي النظر في المظالم عشرة جوانب حياتية رئيسة هي( ):
- تعديات الولاة على الرعية.
- جور العمال في الأموال.
- أعمال كتّاب الدواوين.
- تظلم المسترزقة.
- رد كل ما هو مغتصب من أملاك.
- مظالم الأوقاف.
- تنفيذ ما عجز القضاء عن تنفيذه.
- تنفيذ ما عجز المحتسب عن تنفيذه.
- الإخلال بالعبادات الظاهرة.
- فض النزاعات بين المتشاجرين والمتنازعين.
والانتصار من الظالم للمظلوم هو بمثابة إعادة الأمور إلى نصابها، وتحقيق العدل، الذي هو غاية المجتمع ووسيلته لتحقيق أهدافه والارتقاء في سلم الحضارة، وهذا ما يفسر ربط الشرع الحنيف إيمان الفرد بحبه للآخرين، فلا إيمان لمن يخوض في عرض أخيه المسلم، أو يظلمه، أو يحطّ من قدره، أو يسيئ لسمعته، أو يلحق به أي نوع من أنواع الأذى الجسمي أو المعنوي: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»( ).
وربط اكتمال الإيمان بحب المسلم لأخيه المسلم قضيةٌ غاية في الخطورة، لأنها تعني أن المجتمعات الإنسانية عامة والإسلامية خاصة تواجه خطر الانهيار والدمار والاندثار، إذا ما تفشت فيها الكراهية وانتشرت الأحقاد وعم الحسد والبغضاء، وجفت ينابيع الرحمة من القلوب، ففي هذه الحالة يصبح المجتمع أفراداً وجماعات أعداءً لأنفسهم، لأنهم سلّطوا على بعضهم، وبذلك يأتي الدمار والخراب لهذه المجتمعات من داخلها، ولعل هذا أحد أسرار الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية البائسة، التي تعيشها المجتمعات الإسلامية المعاصرة، فالظلم والفساد المستشريان في هذه المجتمعات، نشرا فيها ثقافة الحقد والكراهية، بدلاً من ثقافة الحب والأخوّة، وجذّرا فيها العصبية والجهوية، فتحاسد الناس وتباغضوا، وأصبح كل فرد فيها عدواً للآخر، يعمل على أذيته وإفشاله، وأصبحت أغلب المؤسسات في هذه المجتمعات شكلاً بلا مضمون، وأفرغت كل أنشطتها وفعالياتها من محتواها، ففقدت معناها، ولم تحقق أهدافها، فأضافت فشلاً إلى فشل، وهكذا ضعفت هذه المجتمعات، وأصبحت القصعة التي تتوالى عليها الأيدي، لتعبث بها وتمارس عليها كل صنوف الاستغلال والإذلال( ).
وهكذا، فإن ضعف المجتمعات الداخلي، يجعلها مهيّأة للاستغلال والسيطرة من قبل الآخرين من الخارج، وهذا يفتح شهية أعدائها، الذين سرعان ما ينقضوا عليها، لافتراسها والسيطرة عليها، وهذه هي حالة القابلية للاستعمار( )، وهذه تعني أن القوى الخارجية تستفيد من حالة ضعف المجتمع لتمارس عليه مزيداً من الاستغلال والابتزاز لخدمة مصالحها، وهكذا يجتمع ويتضافر على المجتمع الظلم الداخلي والظلم الخارجي فيقودانه إلى ظلمات الانحطاط والفقر والتخلف وإلى مزيد من الضعف والرضوخ.
- أنواع الظلم:
تتعدد أنواع الظلم وتختلف باختلاف معايير تصنيفها، وبتنوع وتباين مسالك البشر باختلاف أحوالهم وثقافاتهم، فنسمع بالظلم الاجتماعي، والظلم السياسي، والظلم الاقتصادي...الخ، وهناك ظلم ذوي القربى، وظلم الأغراب، ومن الشائع ظلم الآخر وظلم النفس.
ويذهب بعضهم إلى تقسيم الظلم إلى: ظلم قولي يتمثل في ظلم الآخر باللسان، وظلم عملي وهو غصب حقوق الآخرين، وهناك ظلم اعتقادي يعني أن يشرك مع الله تعالى آلهة أخرى، وظلم معرفي ويعني التوجه لغير الله تعالى في السؤال( )، ويذهب الشيخ المطيري للقول: إن هناك ثلاث صور للظلم هي( ):
1- الظلم الاقتصادي:
هذا النوع من الظلم يمارسه من يملك أسباب القوة من أصحاب المكانة والجاه والتجار والأغنياء في معاملاتهم الاقتصادية المختلفة، فيغصبون حقوق الفقراء والضعفاء، وفي وقتنا الحاضر يستشري هذا الظلم ليخلف مئات الملايين من الجوعى والمعدمين والفقراء، الذين هم ضحايا سياسات الاستغلال والتبعية والعولمة، التي يمارسها الأقوياء والأغنياء، دولاً وأفراداً، ومن أهم صور الظلم الاقتصادي الشائعة في وقتنا الحاضر ما يلي( ):
- غياب العدالة وسوء توزيع الدخول والثروات وزيادة الأغنياء غناً والفقراء فقراً.
- الاحتكار والارتفاع غير المبرر للأسعار وضعف الانسجام بين الرواتب والأجور وتكاليف المعيشة.
- الغش وتطفيف الميزان والتزوير.
- الرشــــوة والاختــــــلاس والاعتداء على المال العام وأموال (الغير) دون حق شرعي.
- الكسب غير المشروع.
- خيانة الأمانة وضياع الحقوق.
- الفساد والمحسوبية وغياب تكافؤ الفرص بين الناس.
- القوانين الظالمة، التي لا تنصف العامل والموظف من صاحب العمل.
- التعامل بالربا.
- هزالة منظومات التقاعد والتكافل والتضامن الاجتماعي.
- استشراء مشكلات البطالة والفقر.
ومن صور هذا الظلم، التي عرضها القرآن الكريم ما يلي( ):
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (الشعراء:181-183)،


وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) (المطففين:1-4)،

وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (هود:85).
2- الظلم الاجتماعي:
تتعدد صور وأشكال هذا النوع من الظلم، ولكن أكثرها شيوعاً ظلم اليتامى والنساء والفقراء والضعفاء، وجعل المولى عز وجل القتال في سبيل حماية هذه الفئات المستضعفة من الظلم، أياً كان مصدره، كالقتال في سبيل الله، قال تعالى: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (النساء:75).
3- الظلم الطبقي:
أبطل الإسلام الحنيف كل قيم الجاهلية الظالمة، التي تفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس طبقي، فهؤلاء قوم نوح يخاطبونه قائلين: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ ( الشعراء:111)،

فيرد عليهم نوح، عليه السلام، قائلاً: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ (هود:29-31).
وحذر المولى تعالى رسوله الكريم محمداً، عليه الصلاة والسلام، من الانصراف والابتعاد عن الضعفاء والفقراء لكسب رضا المستكبرين، فقال عز من قائل: وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ

وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ (الأنعام:52)، وقد ورد في صحيح مسلم، أن سادة قريش قد طلبوا من النبي رضي الله عنه أن يجعل لهم مجلساً خاصاً بهم لا يحضره الضعفاء والدهماء من الناس كبلال الحبشي وعمار بن ياسر وصهيب الرومي وابن مسعود...الخ، رضي الله عنهم، حتى لا يجترئ هؤلاء على الملأ، وحتى يتسنى لهؤلاء السادة والأشراف أن يستمعوا لدعوته إذا أقصى الضعفاء عنه، فحذره المولى عز وجل من قبول طلبهم وأنزل قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (الكهف:28).
وعاتب المـــــولى عــــز وجـــل رســـــوله الكريـــــم عنــــدما انصرف عـــــن دعوة ابن أم مكتوم الأعمى والضعيف من أجل دعوة الوليد بن المغيرة السيد والشريف في قريش، فقال في شأنهما: عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (عبس:1-10).
يمكن إضافة نوع رابع لأنواع الظلم الثلاثة المذكورة آنفاً، وهو الظلم السياسي، الذي يعتبر في وقتنا الحاضر من أكثر أنواع الظلم شيوعاً وأكثرها دماراً وفتكاً بالشعوب والأفراد، وهذا النوع من الظلم تجسده بصورة رائعة قصة الطاغوت فرعون، صاحب الملك والسلطان، التي وردت في عدة مواضع في القرآن الكريم، فكانت بمثابة تنبيه متكرر ومستمر لولاة أمور الناس ولأصحاب الملك والسلطان، بضرورة الابتعاد عن الظلم والاستبداد والفساد، يقول رب العزة: وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (القصص:37-40).
ولعل دراسات الصحفي الفلسطيني عادل البشتاوي تلقي أضواء كاشفة عن محاربة الظلم في وقتنا الحاضر، فقد ركز فيها على الظلم في المجال السياسي، وصدرت هذه الدراسات في كتابين( )، عرض فيهما الباحث بشكل تفصيلي للظلم السياسي بصوره وأشكاله المختلفة والذي تمارسه الأنظمة والقوى المتنفذة في عالمنا المعاصر، للمحافظة على بقائها واستمرارية وجودها أولاً، ولتحقيق مصالحها ثانياً، ضاربة في سبيل ذلك بعرض الحائط بكل القيم الأخلاقية والإنسانية وحقوق الإنسان، وبطرق لا تقل بؤساً عن أساليب عصابات المافيا والقراصنة( ).
يقول البشتاوي في كتابه تاريخ الظلم العربي: «وخلال ستين عاماً عاشت الأمة جحيم ظلم أذاقتها الأنظمة كل نكهة منه: ظلم باسم الحرب على الإرهاب، وظلم باسم الحرب على المتشددين، وظلم باسم الدفاع عن الدين، وظلم باسم الوحدة وباسم التقدمية وباسم الوطنية وباسم القومية وباسم الاشتراكية وباسم الحزب ... كان من ينادي بالحرية وحكم القانون يتهم بالعمالة للاستعمار، وذهب الاستعمار فصار يتهم بأنه عميل للإمبريالية، ولم يعد لهذا الاتهام معنى، فصار يتهم بأنه شيوعي، وسقطت الشيوعية فصار يتهم بالإرهاب»( ).
على صعيد آخر، يذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى القول بوجود ظلم مطلق وهو الإشراك بالله تعالى وكل ما يدور في فلك ذلك من ذنوب، وهناك ظلم مقيد ويشمل ظلم الآخر وظلم النفس( )، وفي موقع آخر يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الظلم «يكون في ترك واجب أو فعل محرم، وقد يجمع الأمرين»، من هنا يرى أن الظلم نوعان، هما( ):
- تفريط في الحق.
- تعد للحد ومجاوزته.
والتفريط في الحق هو ترك ما يجب للغير مثل عدم قضاء الديون أو رد الأمــــــانات إلى أهــــــلها، أما تعـــــد الحــــد فيقصد به الاعتداء على الآخر بالقتل أو غصب المال، لذلك يقول الرسول رضي الله عنه : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»( )، فجعل تأخير دفع الحق مع القدرة على ذلك ظلماً، فكيف إذا لم يدفع!!!( ).
وفي الحديث النبوي الشريف، عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، قال رسول الله رضي الله عنه : «الظُّلْمُ ثَلاثَةٌ: فَظُلْمٌ لا يَتْرُكُهُ اللَّهُ، وَظُلْمٌ يُغْفَرُ، وَظُلْمٌ لا يُغْفَرُ، فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ فَيَقْتَصُّ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ»( ).
وقد لُخصت هذه الأنواع كالآتي( ):
- ظلم لا يغفر.
- ظلم لا يترك.
- ظلم لا يطلب.
فالظلم الذي لا يغفر هو الإشراك بالله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (النساء:48)، فأعظم حقوق الله تعالى على عباده هو عبادته وعدم الإشراك به شيئاً، فمن أدى هذا الحق وعبد الله تعالى وحده مخلصاً له فقد قام بأعظم العدل، ومن كان غير ذلك، فقد جار وظلم( ).
وهذا النوع من الظلم موجب لعقاب الله تعالى في الدنيا ويوم القيامة، وإذا ما رافق الشرك بالله تعالى غصب للحقوق وظلم للآخرين في معاملات الأفراد لبعضهم، فإن ذلك مدعاة لهلاك المجتمع: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (آل عمران:21).
وهذا يعني أن الله تعالى لا يعجل هلاك الأمم لمجرد كونها تشرك به سبحانه، ما دام أن الحكام لا يظلمون الرعية، والناس لا يتظالمون فيما بينهم، وطالما أن أفراد المجتمع أو الأمة يعامل بعضهم بعضاً على الصلاح وعدم الفساد، وفي ذلك يقول التهامي: «إن الله تعالى لا يظلم أحــــداً بسلب نعمة أو تسليط نقمة، وإنما عقاب لهم لكفرهم وبغيهم وفسادهم، فإذا انتشر الظلم في الحــــــكام وعـــم الجهل وانحطـــت الأخـــــــلاق في الــــدولة أو الأمـــة، تســربت فيها الفوضى ودب إليها الانحلال، وهذا هو الشأن في كل عصر وأمة»، يقول المولى عز وجل وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (هود:117)( )،

ويقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (يونس:44)، ‏وقيل: «اذكر عند الظلم عدل الله فيك، وعند القدرة قدرة الله عليك»( ).
وأمـــا الظـــلم الذي لا يترك، فهو ظلم الآخر وغصب حقه، وفي هذه الحالة يأخـــــذ الظلـــم صـــورة عــــلاقة غــير متكافئة بين طرفين أحدهما يملك أسباب القوة والآخـــر ضعيـــــف مستضعــف، حيث يوظّف الطرف الأول أسبـــاب قــــوته في غصب الطرف الثاني حقه، وفي ذلك ورد عن السيدة عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله رضي الله عنه قال‏:‏ «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»( )‏.
وورد عــــــــــــــن أبـــــي أمـــــــامــــة إيـــــــاس بن ثعلبـــة الحــــــــــارثي، رضــــــي الله عنه، أن رســــــــول الله رضي الله عنه قـــــــــــال‏:‏ ‏«مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاك»( ‏).‏
ومن أشد حالات هذا الظلم وأكثرها مقتاً، ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وبالذات ظلم الضعفاء من عباد الله، وظلم الإنسان لمن دونه منزلة أو مكانة، كظلم السلطان لرعيته أو ظلم الرئيس أو الأمير لأتباعه، وقد قيل: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه»، وقيل أيضاً: «من طال عدوانه زال سلطانه»( )،
وظلم السلطان يغتال في الأمة كل معاني العزة والكرامة، ويحملها على الانحراف عن مسار الشرع الحنيف، وقد روى أبو سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله رضي الله عنه أنه قال: «إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ، وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ جَائِرٌ»( )، وقد روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله رضي الله عنه : «ألا أُنبئكم بشرار الناس؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ، وَمَنَعَ رِفْدَهُ، وَجَلَدَ عَبْدَهُ. ثم قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ، ثم قال: ألا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغِضُونَهُ»( )، وروي أن عيســـى بن مريــــم، عليـــه الســــــــلام، قـــــام خطيباً في بني إسرائيل فقال: «لا تكافئوا ظالماً فيبطل فضلكم»( ).
وقد أوصى الرسول رضي الله عنه المسلمين، بضرورة إعادة الحقوق لأصحابها في الدنيا قبل الآخرة، وإلا ستبقى ديناً في أعناقهم إلى يوم الدين، ليدفعوها من حسناتهم، وفي ذلك يروي أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه، عن الصادق المصدوق، عليه السلام، أنه قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ‏»( ).
وفي حديث آخر يقول، عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيـــهِ مِـــنْ عِرْضِـــهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْـــهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ»‏( )‏.
وظلــــم الآخـــــر موجــــب ومعجّــــل للعــــذاب والهــــــلاك، وهــــذه سنــــة من سنن الله تعالى على مر العصور، فقد روى أبو موسى، رضي الله عنه، عن رسول الله رضي الله عنه أنه قال‏:‏ «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، قال: ثم قرأ‏:‏ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
(هود:102)( )‏‏، وهذا يؤكد مدى خطورة هذا النوع من الظلم على الأفراد والمجتمعات والحياة الإنسانية عامة، وقد قال رسول الله رضي الله عنه : «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِـــــينَ شَيْئًا، فَأَمَّــرَ عَلَيْهِمْ أَحَــــدًا مُحَــــابَاةً، فَعَــــلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلا عَدْلاً، حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ»( )، وفي حديث آخر، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال رسول الله رضي الله عنه : « مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنْ عِصَابَةٍ، وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ، وخانَ رَسُولَهُ، وخانَ الْمُؤْمِنِينَ»( ).
استند شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، على تفسير الإمامين الرازي والقرطبي للآية (117) من سورة هود: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
ليقول مقولته الشهيرة: «الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة»( )، ويقول أيضاً: «وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك مع أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال رسول الله رضي الله عنه : «ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم»، فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة» ( ).
وقد أشارت السنة النبوية الشريفة لهذا المعنى بصورة بليغة، حيث يقول رسول الله رضي الله عنه : «يا أبا هريرة، عَدْلُ سَاعَةٍ أفضل مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً، قِيَامَ لَيْلِهَا، وَصِيَامَ نَهَارِهَا، يا أبا هريرة، جَوْرُ سَاعَةٍ فِي حُكْمٍ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ عند الله عز وجل من معاصي سِتِّينَ سَنَةً»( ).
ورحم الله تعالى الشاعر أبا الفتح البستيّ القائل( ):
عليك بالعدل إن وليت مملكة
فالملك يبقى على عدل الكفور
واحذر من الجور فيها غاية الحذر
ولا يبقى مع الجور في بدو ولا حضر

إن نتائج وتداعيات هذا النوع من الظلم خطيرة، ليس فقط في المكان الذي يحدث فيه، بل إنه يهدد الحياة الإنسانية في كل الأماكن الأخرى؛ لأنه يشكل خطراً على منظومات القيم والأخلاق الإنسانية في عموم البسيطة، يقول رضي الله عنه فيما يرويه ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: «يَوْمٌ مِنْ إِمَامٍ عَدْلٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً، وَحَدٌّ يُقَامُ فِي الأَرْضِ بِحَقِّهِ أَزْكَى مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا»( )، وفي هذا المعنى يقول «مارتن لوثر كنج»: «الظلم أينما كان، يهدد العدل في كل مكان».
وقد ركزت كثير من آيات القرآن الكريم وفي مواضع مختلفة على ضرورة تجنب الظلم، الذي لا يغفر، والظلم الذي لا يترك، وذلك من خلال العمل بالوصايا العشر التي جاءت في قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (الأنعام:151-153).

يقول الشيخ المطيري: إنه جاء في هذه الآيات أعلاه وصيتان في حق الله تعالى، وثماني وصايا جاءت من أجل الإنسان، أما الوصايا، التي في حق الله تعالى فهي( ):
- التوحيد.
- اتباع شريعة الحق، التي نزلت على محمد رضي الله عنه .
وأما الوصايا، التي في حق البشر فهي:( )
- الإحسان للوالدين.
- الرحمة بالأولاد.
- عدم الاعتداء على الناس.
- تحريم الفواحش.
- الوفاء بالميزان.
- عدم أكل مال اليتيم.
- الوفاء بالعهود والعقود.
- الشهادة بالعدل.
والحقيقة أن العمل بهذه الوصايا وتطبيقها في حياة الفرد والمجتمع من شأنه أن يسد أبواب الظلم، الذي لا يغفر والظلم الذي لا يترك.
وفيما يتعلق بالظلم الذي لا يطلب فهو ظلم الإنسان لنفسه، وهذا النوع من الظلم هو ظلم مغفور، ويقصد به أن لا يعمل الإنسان على صلاح نفسه بعدم التقيد بما أمر الله تعالى من عبادات ومعاملات، ولا يمنعها من عمل المنكرات أو الابتعاد عما نهى الله تعالى، من فسق وفجور وعصيان وإسراف في الشهوات والتكبر.. الخ، وهذه جميعها فيه ظلم للنفس، وقد قيل: من ظلم نفسه فهو لغيره أظلم.
والحقّ أن أنواع الظلم الثلاثة الآنف ذكرها هي في النهاية جميعاً ظلم للنفس: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (فاطر:32).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن النفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له، والتعدي عليه في حقه، وداعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث، فهي قد تظلم من لا يظلمها، وتؤثر هذه الشهوات وإن لم تفعلها، فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير، وقد تصبر، ويهيج ذلك لهــــا من بغــــض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير منه ما لم يكن فيها قبل ذلك، ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين، يكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين»( ).
ويذهب الإمام ابن تيمية في موقع آخر للقول: إن ظلم العبد لنفسه يغطي جميع الذنوب، يقول تعالى:- وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (هود:101)،

ويقول تعالى: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (النمل:44).
- موقف وعبرة:
روي في الأثر الصالح، أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قد زار مدينة حمص في أثناء خلافته، وكان أميره عليها في ذلك الوقت الصحابي الجليل سعيد بن عامر رضي الله عنه فسأل عمر الناس عن أميرهم.
يقول خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ:
اسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِحِمْصَ سعيد بن عامر بن جذيم الجمحي، فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِمْصَ، قَالَ: يَا أَهْلَ حِمْصَ كَيْفَ وَجَدْتُمْ عَامِلَكُمْ؟ فَشَكَوْهُ إِلَيْهِ ... قَالُوا: نَشْكُو أَرْبَعًا: لا يَخْرُجُ إِلَيْنَا حَتَّى يَتَعَالَى النَّهَارُ، قَالَ: أَعْظِمْ بِهَا، قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: لا يُجِيبُ أَحَدًا بِلَيْلٍ، قَالَ: وَعَظِيمَةٌ، قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: وَلَهُ يَوْمٌ فِي الشَّهْرِ لَا يَخْرُجُ فِيهِ إِلَيْنَا، قَالَ: عَظِيمَةٌ، قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: يَغْنِظُ الْغِنْظَةَ بَيْنَ الْأَيَّامِ، يَعْنِي تَأْخُذُهُ مَوْتَةٌ .
قَـــــالَ: فَجَمَعَ عمر بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَقَـــالَ: اللَّهُمَّ لَا تُفَيِّلْ رَأْيِي فِيهِ الْيَوْمَ، مَا تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قَالُوا: لَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا حَتَّى يَتَعَالَى النَّهَارُ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَكْرَهُ ذِكْرَهُ، لَيْسَ لِأَهْلِي خَادِمٌ فَأَعْجِنُ عَجِينِي ثُمَّ أَجْلِسُ حَتَّى يَخْتَمِرَ ثُمَّ أَخْبِزُ خُبْزِي ثُمَّ أَتَوَضَّأُ ثُمَّ أَخْرُجُ إِلَيْهِمْ.
فَقَالَ: مَا تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قَالُوا: لَا يُجِيبُ أَحَدًا بِلَيْلٍ، قَالَ: مَا تَقُولُ؟
قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَكْرَهُ ذِكْرَهُ، إِنِّي جَعَلْتُ النَّهَارَ لَهُمْ وَجَعَلْتُ اللَّيْلَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ: وَمَا تَشْكُونَ؟ قَــــالُوا: إِنَّ لَــــهُ يَوْمًا فِي الشَّهْرِ لَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا فِيهِ. قَالَ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: لَيْسَ لِي خَادِمٌ يَغْسِلُ ثِيَابِي وَلا لِي ثِيَابٌ أُبَدِّلُهَا، فَأَجْلِسُ حَتَّى تَجِفَّ ثُمَّ أُدَلِّكُهَا ثُمَّ أَخْـــــرُجُ إِلَيْهِــــمْ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ.
قَالَ: مَا تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قَالُوا: يَغْنِظُ الْغِنْظَةَ بَيْنَ الْأَيَّامِ، قَالَ: مَا تَقُولُ؟
قَالَ: شَهِدْتُ مصرع خبيب الأنصاري بِمَكَّةَ، وَقَدْ بَضَعَتْ قُرَيْشٌ لَحْمَهُ ثُمَّ حَمَلُوهُ عَلَى جَذَعَةٍ. فَقَالُوا: أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا مَكَانَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنِّي فِي أَهْلِي وَوَلَدِي وَأَنَّ مُحَمَّدًا رضي الله عنه شِيكَ بِشَوْكَةٍ، ثُمَّ نَادَى يَا مُحَمَّدُ، فَمَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ الْيَـــــــوْمَ وَتَرْكِي نُصْرَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَـــــــالِ وَأَنَا مُشْـــــرِكٌ لا أُومِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيـــــمِ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَغْفِرُ لِي بِذَلِكَ الذَّنْبِ أَبَدًا، قَالَ: فَتُصِيبُنِي تِلْكَ الْغِنْظَةُ.
فَقَالَ عمر: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي لَمْ يُفَيِّلْ فِرَاسَتِي( ).

1998-2020 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة