من المعلوم أن الاستعمار قديم، عرفته البشرية أيام الامبراطوريات، وتداولته الأمم، وكان السند الأول هو (القوة) فالقوي له أن يستعمر الضعيف، ولعل اليونان هم أول من حاول أن يفلسف الاستعمار ويجد له المبررات الخلقية، من هنا راحوا يقسمون البشر إلى إنسان كامل الإنسانية وآخر ناقصها، والثاني كالحيوان، خلق ليكون عبداً للأول، وقد حاول (أرسطو) أن يسبغ على ذلك مسحة عقلية حين قال: خلق البشر على فصيلتين: واحد بعقل كامل وإرادة تامة، وهم اليونان ، وهؤلاء خلقهم خالقهم لخلافته، والسيادة على سائر خلقه، أما الفصيلة الثانية فتشمل غير اليونانيين، وقد زود هؤلاء بقدرات جسمية، كي يكونوا عبيداً مسخرين لليونان.

وقد رتب على ما تقدم، وجوب استرقاق غير اليونانيين، وأن شن الحرب عليهم تكون مشروعة مقبولة.

وبوحي من هذه الفلسفة العجيبة، راح اليونان يضربون الرق على شعب بكامله. كما كانوا يعتبرون استرقاق الأسرى من الواجبات، وليس من المباحات.

وكان الجديد في الاستعمار الحديث هو التوسع، فقي خلال القرن التاسع عشر، قفزت نسبة الاستعمار من 35% من مساحة الأرض إلى 85% منها، كما جرى في هذا القرن، تضاعف وازدياد في نفوس الأوروبيين بشكل مدهش، ففي عام (1800م) كان عدد النفوس في أوروبا (187) مليوناً، ارتفع إلى (401) مليوناً عام (1900م)، وصاحب ذلك كساد اقتصادي، بحيث صار ما بين خمس إلى سدس مجموع السكان، يعيش على الصدقات.

وإن أكثر من نصف الفلاحين في روسيا صار عاجزاً عن إطعام نفسه، وقامت اضطرابات، وأحرقت محلات وطرح شعار (الخبز أو الدم)، وكان رد الفعل يسير باتجاهين:

1- التوسع في الديمقراطية وتوزيع الثروة توزيعاً أعدل.

2- رفض هذا الطرح، والاعتماد على المستعمرات والهجرة إليها، بهدف امتصاص الفائض البشري.

وعلى أثر ذلك قامت في بريطانيا وحدها (103) جمعيات تعمل على التشجيع على الهجرة، كعلاج للفقر والتسول، وزيادة السكان.

ومن أهم المؤسسات كانت (جمعية الاستعمار القومي) التي أسسها (أدوارد غيبون) لاستعمار جنوبي أستراليا، على أساس الحكم المحلي الذاتي، وتحت حماية دولة استعمارية كبرى ، مع إقامة صندوق خاص للتمويل، وبشرط أن يمارس المهاجرون الزراعة بأنفسهم، وعندها يمكن أن يعيشوا وينتجوا في آن واحد.

وقد استوحى الصهاينة من هذه التجربة الكثير من أساليبهم، فاشتغلوا بالزراعة ، وأقاموا الصندوق الإسرائيلي، لشراء الأرض وتمويل المستعمرات الزراعية. لذا كان الإنكليز متفهمين جداً لمشاريع الاستيطان اليهودي، بل متعاطفين معها.

وقد جرى تسخير العلم ليكون في خدمة الاستعمار، كما جرت محاولات لأن يكون هذا الاستعمار فعالاً، مع إسناده بمحتوى فلسفي أولاً، واقتصادي ثانياً.

من هنا وجدنا تقسيمات للبشر لا حصر لها، وكلها تلبس ثوب العلم، وترتدي جلبابه، من ذلك تقسيم الشعوب إلى:

أ - شعوب متمدنة ينبغي أن تتمتع بحقوق سياسية وغيرها كاملة.

ب- شعوب نصف متمدنة، يكفي أن تتمتع بحقوق جزئية.

ج - شعوب غير متمدنة، لها بعض الحقوق العرفية غير الملزمة.

وفيما يصنف شعب (كذا) من الصنف الأول أو الثاني أو الثالث، يضيع هو، وتأكل حقوقه، ويدفع إلى ذيل القافلة، والويل للضعيف.

جاء بعد ذلك تصنيف المخلوقات، من حيوان ونبات وغيرها إلى أنواع وأجناس وسلالات، يتميز بعضها عن بعض، وإلى هنا والقضية سليمة ولا اعتراض عليها، حتى إذا جاء (دارون) أخذ هذه النظرية ليطبقها على البشر،متناسياً كافة أوجه التشابه والتماثل، مركزاً على أوجه الاختلاف، فقسم البشر إلى : جنس أبيض وأحمر وأسود وأصفر وأسمر، ولا اعتراض على هذا التقسيم، لكنه رتب عليه نتائج خطرة.

فقد اعتبر البيض جنساً يتمتع أفراده بالعقلانية، وسلامة التفكير، وسرعته، مع القدرة على السيطرة. أما السود فهم كسالى خاملون، بل عاجزون عن التفكير السليم. والصفر جبناء ماكرون، والحمر متوحشون ، وهكذا تحول البشر إلى سلالات لكل منها صفات خاصة به، بعضها عقلي وبعضها خلقي أو سلوكي.

جاء بعد ذلك تلاميذ (دارون) وشراح نظريته، ليضعوا قواعد عجيبة (مفصلة) على الاستعمار، وكأنها جاءت لتبريره فقط من ذلك:

1- إن البشر مختلفون بالطبع، ويظهر ذلك من سماتهم البدنية والعقلية.

2- إن بعض الأجناس أصلح بالطبع، لذا فهي أرقى وأرفع.

3- إن بعض الأمم أصلح بالطبع، لذا فهي أرقى وأرفع.

4- إن الطبيعة والتطور صنعا البشر كذلك، وعلى هذا فإن بعض الأمم يجب أن تسود، وبعضها الآخر يجب أن تكون خادمة ومسودة.

إن رائحة (الاستعمار) تثور من هذا العلم الداروني، فقد نسق وأعدت مقدماته لهذه النتيجة الغريبة، التي يمكن أن تكون: إن العالم فيه فاضل ومفضول وكفى، كما توحي المقدمات.

ولم يقف (الدجل العلمي) عند هذا الحد، فمن أجل البرهنة على ما تقدم، راحوا يبحثون في فصائل الدم، ولون العيون والشعر، وحجم الجمجمة، ولون البشرة، ويصنفون البشر كما لو كانوا أنواعاً من الذباب أو البعوض.

ولحسن الحظ فإن الطب أثبت أن فصائل الدم محدودة، وهي تختلف في العائلة الواحدة، وأن أشكال الرأس لا تختلف كثيراً.

لقد شوه العلم وسخر لأغراض غير شريفة ولا نبيلة، وهي تنزل بالإنسان إلى مستوى الحيوان. فمن المبررات الخلقية لاستخدام الحيوان عدم فهمه، فجاء من يزحزح الإنسان، أو بعض أجناسه بحيث يكون قريباً من الحيوان، وعندها يمكن استغلاله والتحكم فيه، ولا بأس بالكذب، والقول بأنه يريد (تمدينه)، فكل المستعمرين كانوا يتذرعون بأن هدفهم من الاستعمار تمدين شعوب المستعمرات، وحين رفضتهم الشعوب، فتحوا النار عليها وقتلوها. ميدان آخر اشتغل فيه العلماء، واستغله واستثمره دها قين الاستعمار، ذلك هو تقسيم اللغات وتصنيفها إلى مجموعات، لكل خصائصه.

فهناك اللغات الهندية الآرية، واللغات الحامية، والسامية. وإن اللغات الآرية تمتاز بالإبداع والحيوية والجمال، أما السامية فتتصف بالعجز على التجدد. ثم جاء (رينان) ليقول: (إن التميز والتفوق الآري ليس مقصوراً على الجانب اللغوي، بل يشمل كذلك العقل والثقافة والمجتمع والحضارة) فماذا بقي بعد هذا؟؟ إنها صنعة محبوكة، كل الطرق فيها تؤدي إلى روما، وكل شيء في خدمة الاستعمار، السيد الجديد.

أما القفزة الثالثة فتشمل السلالات والأعراق، وكل ما تقدم من تطور في العلوم، صار يخدم من يشتغل بذلك، لذا سارع المشتغلون إلى تصنيف البشر إلى مجتمعات وسلالات متقدمة، صاحبة ثقافات متحضرة، وأخرى غير متحضرة. وماذا يترتب على هذا يا سادة يا علماء؟؟

يترتب عليه بداهة، أن الإنسان المتحضر يتمتع بقدرة على استغلال أرضه وتنميتها، والإبداع في شتى الفنون، مع القدرة الكبيرة على الإعمار والبناء ، والنشاط الحضاري. في حين أن الإنسان غير المتحضر على العكس، يهمل أرضه أو يستخدمها استخداماً سيئاً. فماذا يترتب على كل هذا؟؟

يترتب على ذلك أن يمنع هذا الإنسان المتخلف من ذلك، وحدث لأول مرة في الاريخ، أن مُنعت شعوب في أمريكا وأفريقيا وآسيا من استثمار أراضيها - وهي كل ما تملك -، لتسلم إلى أجانب يزرعونها ويستثمرونها، وينعمون بخيراتها. وهكذا بدأت حركة تهجير واسعة ، وتجريد لأصحاب الأراضي منها، ليحل مكانهم مستوطنون جاءوا من وراء البحار، ليقيموا مستعمرات هنا وهناك، وعلى أفضل الأراضي وأخصبها.

وهكذا فعلت وما تزال تفعل إسرائيل تغتصب الأرض من الفلسطيني، مرة بشراء مزور، ومرة باسم مصلحة الجيش، ومرة بحجة غياب صاحبها، ثم تسلمها للقادم من روسيا أو أمريكا، وقد يعود الفلسطيني المنكود ليعمل فيها أجيراً إن عطف عليه و سمح له بذلك، وقام فلاسفة الاستعمار ليقسموا أراضي العالم إلى صنفين:

1- صنف فارغ (حتى لو كان مسكوناً).

2- صنف مشغول تقطنه مجتمعات متحضرة.

ثم جرى سلب الأراضي الجيدة من الصنف الأول، لتسلم للإنسان الأبيض-والصهيوني المدلل- وفي قرارات مدروسة متتابعة، اعتبرت ملايين الأفدنة والهكتارات من الأراضي الأفريقية والآسيوية والأمريكية، أراض (خالية) وأبعد عنها أصحابها ليستلمها السيد الجديد - وهكذا تفعل إسرائيل كل يوم- عند ذلك انفتحت الشهية الأوروبية، وقامت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حملات واسعة لاقتسام الأراضي (الخالية) وتشجيع السيد الأوروبي ليهاجر إلى هناك، ووجد في إنكلترا وحدها (103) مؤسسات ترعى الهجرة وتنظمها، وتخصص المال لذلك، وقد كان كل ذلك يقع أمام أعين الصهاينة وسمعهم، فلا عجب أن أعادوا كل ذلك في فلسطين، مع فارق واحد نسوه هو (الزمن) وقد وجد - تحت تأثير هذه الحمى - من يقول بأن العناصر غير البيضاء، ليست من البشر.

وقام دها قين الاستعمار ليعلنوا: أنهم بغزوهم العالم لا يستهدفون أراضي المتخلفين فقط، بل يهدفون لإزالة العناصر غير الصالحة للحياة، وهكذا أقيمت المعتقلات في هذه القارة وتلك، لاحتجاز الألوف من العناصر غير البيضاء (ومنع التواضع اليهود من إعلان ذلك، واكتفوا بالتطبيق العملي، وبعد مدة لن يبقى شاب فلسطيني واحد لم يدخل السجن والاحتجاز، والضرب والإهانة والتشريد، كما أن تجمعات اللاجئين ما تزال خير شاهد ودليل).

وقام في الغرب من ينادي بوجوب أن تحكم هذه العناصر المتخلفة من قبل الإنسان الأبيض، ولا يترك لهم فرصة حكم أنفسهم، وأن السود أطفال بحاجة إلى من يرعاهم (أما الصهاينة فاقتداءً بسادتهم ينكرون على الفلسطينيين حق تقرير المصير، وتكوين دولة خاصة بهم).

وقد كان السبّاق في هذا الميدان - الحضاري العظيم والإنساني النبيل - المهاجر الأميركي الذي أباح لنفسه، ليس طرد الهنود الحمر، بل قتلهم ونشر الأمراض الفتاكة بينهم، وإذا كذبونا في ذلك، فهذه شهادة لرجل قانوني كبير، وعلم من أعلام الفكر الغربي، إنه مونتسكيو، صاحب (روح القوانين) فقد كتب يقول: (إذا كان عليّ أن أدافع عن حقنا المكتسب، في اتخاذ الزنوج ذوي البشرة السوداء عبيداً، فإنني أقول: إن شعوب أوروبا- وقد أفنت سكان أمريكا الأصليين، لم يكن أمامها إلا أن تستعبد شعوب أفريقيا، لكي نستخدمها في استصلاح أرجاء أمريكا الشاسعة، وما شعوب أفريقيا إلا جماعات سوداء البشرة، من أخمص القدم إلى قمة الرأس، ذات أنوف فطساء إلى درجة يكاد يكون من المستحيل أن ترثي لها، وحاشا لله ذي الحكمة البالغة أن يكون قد أودع روحاً - أو على الأخص روحاً طيبة - في جسد مالك السواد 1 هـ.

هذه الشهادة لا تخزي صاحبها، بل تخزي الحضارة الغربية وأيتامها الأحياء والأموات. فرجل قانوني يبرر إبادة الهنود الحمر ويتقبلها، ثم يرى من المناسب جداً استعباد السود، من أجل استصلاح الأراضي الأميركية، كي ينعم (السيد) لمجرد أن بشرته بيضاء.

يا رجل القانون هلا اقترحت طلاء السود بدهان أبيض مثلاً!! ولا أبالغ إذا قلت أن في قلب بن غوريون وشارون وبيغن وأمثالهم، يعيش مونتسكيو وتسري روحه في دمائهم، ولا يجدون الشجاعة ليبوحوا بمثل مقالته. كما لا أشك أنهم من أكثر الناس إعجاباً به.

أما الشهادة الثانية فهي من جنرال (شيرمان) الأمريكي عما يعرف باسم (لائحة الجاموس)، والتي بموجبها أمكن استغلال المناطق الغربية من الولايات المتحدة، التي كان يقطنها الهنود الحمر، مع (9) ملايين رأس جاموس.

يقول الجنرال: (وفقاً لأدق التقديرات، التي أمكنني التوصل إليها، بلغ عدد الجاموس في السهول الواقعة بين نهر الميسوري وجبال روكي عام 1865م نحو (9) ملايين رأس، أمكن الآن القضاء عليها كلها، إذ استخدمت لحومها للطعام، وجلودها وعظامها لأغراض مختلفة. . . وقد يبدو ذلك عملاً قاسياً، أشبه ما يكون بالقتل -ما هذا التواضع الكبير يا جنرال؟!- ومع ذلك فقد أمكن الاستعاضة عنها بضعف العدد من الأبقار النظيفة - لمصلحة من يا سيد؟! - وفي ذلك العام نفسه كان هناك نحو (165) ألف نسمة من القبائل الهندية الغربية المختلفة التي كانت تعتمد في غذائها على تلك الجواميس، هؤلاء أيضاً ذهبوا - كيف وهل جرى الاستفادة من لحومهم وجلودهم وعظامهم أم لا؟ - وحل محلهم ضعف عددهم من الرجال والنساء البيض، الذين حولوا الأرض إلى أرض مزدهرة كالورد، أضف إلى ذلك أن هؤلاء الناس الجدد يمكن تعدادهم وجباية الضرائب منهم - وهذا شيء عظيم جداً جداً - وإدارة شؤونهم وفقاً لنواميس الطبيعة والحضارة يا سلام على هذه الحضارة وأصحابها وهكذا فإن التغيير كان مفيداً وسنستمر به حتى النهاية).

والسؤال: هل كثير على التلاميذ (الصهاينة) إذا استولوا على الأراضي الفلسطينية أو قتلوا الفلسطينيين، أو هدموا دورهم ومساكنهم، أو قطعوا أشجارهم وكرومهم، أو رموهم في السجون، أو حتى خارج الحدود؟؟.

إنهم في كل ذلك لم يتجاوزوا ما فعله (الأساتذة) المتحضرون.

والدليل على هذه الشهادة التي كتبها موظف كبير في الوكالة اليهودية ومدير دائرة الاستيطان ما بين 1951 - 1973م، في مذكراته الخاصة، ثم نقلها عنها أكثر من مرة فقد كتب يقول: ( ينبغي أن يكون واضحاً فيما بيننا، أنه لا مكان في هذه البلاد لكلا الشعبين معاً، فبوجود العرب لا نستطيع أن نحقق هدفنا، في أن نصبح شعباً مستقلاً في هذه البلاد، والحل الوحيد هو أرض إسرائيل، أو على الأقل الجزء الغربي منها، بدون عرب، وليست هناك طريقة لتحقيق ذلك سوى نقل العرب من هنا إلى الأقطار المجاورة، نقلهم جميعاً، بحيث لا تبقى قرية واحدة أو عشيرة واحدة - هل سمع أحد بمثل هذه الوقاحة؟ - أما جهة النقل فيجب أن تكون العراق وسوريا وحتى شرق الأردن. . . . . . فبدون عملية النقل والإجلاء هذه، لا يمكن استيعاب الملايين من أشقائنا، وليس هناك أي بديل…).

واطمئن الموظف الكبير، بأن إخوانه مشغولون بأمور هامة أكبر من فلسطين، حيث بيوت الذهب في لندن، وبورصة نيويورك، ومناجم الذهب والماس في جنوب أفريقيا، وعليه وعلى جميع قادة إسرائيل أن يرضوا بالتبرعات والصدقات، فلا هجرة ولا يحزنون. ليلطموا الخدود ويشقوا الجيوب، فالمهاجرون ما أن تحط أقدامهم في أول محطة، حتى يفرنقعوا يميناً وشمالاً، ولا يصل إلى إسرائيل منهم إلا الربع، فلماذا هذه اللهفة على الملايين اليهودية من عباد (الكمبيالة) كما يقول ماركس؟ يحملني الإنصاف على أن أسجل هنا صرخة (مارتن بوير) في قومه (لا تستطيع قوة غير قوة ثورة داخلية أن تشفي شعبنا من مرضه القاتل، المتمثل في كراهية لا داعي لها، فهذه الكراهية قمينة بأن تلحق بنا دماراً كاملاً، وحين تقوم هذه الثورة الداخلية فقط، يدرك الشباب والمتقدمون في السن مدى جسامة المسؤولية التي نتحملها، بسبب الشقاء الذي سببناه لأولئك اللاجئين العرب البؤساء، الذين أسكنا في مدنهم وقراهم يهوداً، جيء بهم من أماكن نائية، أولئك العرب الذين ورثنا بيوتهم، ونقوم بحراثة حقولهم، وحصد حاصلاتهم، وقطف ثمارهم وكرومهم، ونبني المدارس ودور العبادة، والمؤسسات الخيرية في مدنهم التي نهبناها، في الوقت الذي لا نكف فيه عن الثرثرة بتشنج وهذيان: بأننا شعب التوراة ، ونور الشعوب).

وينقل د. أدوارد سعيد عن ماركس مفارقة (يهودية) حيث يقول ( على الرغم من قسوة الاستعمار البريطاني وشراسته، فإنه يمكن أن يكون مفيداً للهنود، وأن يحولهم إلى شعب عصري، ويحررهم من تخلفهم الشرقي).

وقياساً على هذا المنطق (الماركسي) نقول بأن الروس يحررون الأفغان اليوم، ويخففون من كثافة السكان، ويعلمونهم كيفية استخدام الأسلحة الحديثة، فشكراً للروس في حملتهم الحضارية التقدمية، المعادية للاستعمار.

وقد لخص الدكتور أدوارد خصائص الاستعمار الحديث بأربع خصائص:

1- التوسع الإقليمي.

2- إرادة الهيمنة على المجتمعات الأخرى.

3- تصنيف الكائنات الطبيعية والبشرية بطريقة منهجية إلى متقدمة ومتخلفة، ومتطورة وغير قابلة للتطور.

4- إضفاء ستار علمي منطقي على جميع هذه الأفكار والمفاهيم، بهدف إخفاء حقيقة الغزو والاستعمار.

وبالنسبة للصهيونية يقول الدكتور أدوارد سعيد (إن الصهيونيين الأوائل اقتبسوا من الأجواء الأوروبية، التي نشأوا فيها فلسفة الفكر الإمبريالي وأسلوبه وموقفه، من الأقطار والمناطق الشرقية.

ومعروف أن الكثير من رجال الأعمال اليهود مثل (بارون هيرش وآل روتشلد) كانوا في طليعة القائمين بتمويل المشاريع الاستعمارية، حتى قبل ظهور الصهيونية، ولقد صيغ المشروع الصهيوني بشأن فلسطين، على غرار الأساليب ذاتها التي انتهجها البريطانيون والفرنسيون والألمان والأميركيون والروس، في مشاريعهم الرامية إلى التوسع الإقليمي. وتوجهت الدفعة الأولى من الصهيونيين إلى فلسطين بالروح نفسها، التي كان الأوروبيون يتوجهون بها إلى الأقطار والمناطق، التي اعتبروها خالية من السكان والحضارة.

أما السكان العرب الأصليون في فلسطين، فكان الصهيونيون يعتبرونهم متخلفين، أو غير موجودين على الإطلاق وأما الحقوق اليهودية في فلسطين فقد صيغت بلغة قانونية أو حتى غيبية، على غرار ما كانت تفعله الدول الإمبريالية في مستعمراتها المختلفة. . . ولعل العمل المأساوي الذي ابتليت به الصهيونية يكمن، في أنها ولدت في أجواء الاضطهاد الأوروبي لليهود، بل في أجواء كانت تعتبر اضطهاد اليهود جزءاً من الاضطهاد الأوروبي للشعوب السوداء والصفراء والسمراء والحمراء. ومع ذلك فقد آثرت أن تتحالف لا مع المضطهدين مثلها، بل مع مضطهديها بالذات).

وكان الأمل أن يتحالفوا مع العناصر -غير البيضاء- التي كانت مضطهدة. وسبب هذه المفارقة في تصوري راجع، إلى عشق الصهاينة للقوة، وتحالفهم مع الأقوياء، لمجرد كونهم أقوياء، وحيث إن (الأبيض) هو القوي، فما الدعي لمحالفة الضعيف؟؟ مثل هذا لم يحصل من اليهود قديماً، ولن يحصل من الصهاينة حديثاً، إلا إذا جرى (تشخيص خاطئ) فقط. بعد هذا يقارن الدكتور سعيد بدقة ونجاح بين الطالب وأستاذه ، بين الصهاينة والاستعمار، فيما يخص المناطق (الخالية من السكان) والانفصال عمن حولهم، وتشرب العنصرية، والتغني بها، ويخلص في النهاية إلى (. . . فالصهيونية هي من الناحية النظرية صورة متكررة للإمبريالية الأوروبية، وإن كانت متدنية عنها. . . وهي صورة تدعو إلى السخرية في محاكاتها للإمبريالية الأوروبية، فالصهيونية كالإمبريالية منهج فكري، يحكم كل شيء في الدولة التي تتبنى مفاهيمها، بدءاً بمؤسسات تلك الدولة، ومروراً بسكانها الذين قد يكونون يهوداً أو لا يكونون، وانتهاءً بسكانها الذين قد يكونون يهوداً أو لا يكونون، وانتهاءً بسكانها الذين قد يملكون أرضاً أو لا يملكون. . .).

إن الصهيونية نشأت وتكاملت في الغرب، وصادف قيامها توسع الاستعمار وانتشاره، حتى شكل كافة الأقطار والقارات -باستثناء أوروبا- لذا راح الصهاينة يراقبون ذلك، ليأخذوا منه. ما ينفعهم ويصلح لهم، وما يهملوا جانباً ولا حجة ولا سنداً حقوقياً أو عملياً، إلا فحصوه جيداً ليستقروه في المستقبل.

وقد وصل بهم الحال، إلى تبني القوانين البريطانية، التي وضعها الإنكليز خلال انتدابهم على فلسطين، والتي كانوا يصبون عليها وعلى أصحابها اللعنة، يوم كانت تطبق عليهم، وعلى شعب فلسطين، وهم اليوم يطبقونها بأشنع صورها، وعلى أوسع نطاق، على الشعب الفلسطيني، وإذا ما جرى استنكار قالوا: هذه قوانين الإنكليز.

حقاً إن الصهاينة تلاميذ (نجباء) للاستعمار الحديث ، عليه تتلمذوا وبه تترسوا، وعلى هداته يسيرون، وما زالوا لمشاريعه يخلصون، يحاولون دوماً الجمع بين مصلحتهم ومصلحته، يثيرونه على أعدائهم، ويستخدمون مخزونه من الكره، وهم بعد ذلك يتملقونه ويطرون حضارته، ويصفون عدوهم بأنه من عالم آخر، ومعاد لحضارة السيد المستعمر. . . الخ.

وقد درس الموضوع عبد الوهاب المسيري فسجل أربع علامات تميز الاستيطان الصهيوني عن الاستعمار الاستيطاني الحديث هي:

1- إن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، مبني على نقل اليهود من الخارج إلى فلسطين، ويسمي ذلك (عودة) إلى أرض الآباء والأجداد، فالصهيوني عائد ومحرر، وليس كالأوروبي الأجنبي مغتصب. وهو يحاول إفراغ فلسطين من سكانها، ليحل مكانهم صهاينة عائدون، بينما كان الاستعمار الغربي يقوم على سلب قسم من الأرض وإنشاء مستعمرة عليها، ولا مانع عنده من استعمال السكان الأصليين فيها. أما الصهاينة فقد صمموا ابتداء على تشريد الشعب الفلسطيني، وعدم استعمالهم أبداً، وقد نص عقد الوكالة اليهودية ، مع كل يهودي يستأجر منها أرضاً، على أن يتعهد بأن لا يشغل أي موظف أو عامل غير يهودي، أو يتعامل مع أي شخص غير يهودي.

وصل الحال بوزارة الزراعة، متعاونة مع دائرة المستوطنات إلى فرض غرامات على من يشغل عربياً في مزرعته.

وانتهى المسيري إلى القول: (. . . لعل الصهيونية تمثل في ذلك (أصفى) أنواع الاستعمار الاستيطاني، ذلك أن سياسة نقل السكان الأصليين تساعد على ضمان الاستقرار، لمجتمع المستوطنين وفي الوقت نفسه، تدمير البنيان الاقتصادي والثقافي للسكان الأصليين المنقولين تدميراً كاملاً).

وقد وصف أحد الصهاينة معاملة قومه للعرب، ومحاولة تعليلها فقال (آحاد هعام) لقد كان اليهود عبيداً في بلاد الشتات، وفجأة يجدون أنفسهم متمتعين بالحرية، وهذا التغيير أيقظ في نفوسهم ميلاً نحو الاستبداد والتحكم، ومن ثم نجدهم يعاملون العرب بعدوان وقسوة، ويحرمونهم من حقوقهم، ويسيئون إليهم، بدون سبب، بل إنهم يفاخرون بما يفعلون، دون أن يقوم بيننا من يعارض هذا الاتجاه الخطر، الذي يستحق الازدراء).

وهناك شهادة غريبة (لموشى دايان) جديرة بالتسجيل يقول فيها (ليس صحيحاً أن العرب يكرهون اليهود لأسباب شخصية أو دينية أو عنصرية، إنهم يعتبروننا بحق -من وجهة نظرهم- غربيين وأجانب وغزاة، جاءوا ليحتلوا بلداً عربياً ويحولوه إلى دولة يهودية).

والإنسان يمكن أن يتفهم لماذا يكره الفلسطيني الصهيوني، لأنه اعتدى عليه، وسلبه أرضه وأمواله، وقتل أولاده، ونسف داره، ومنعه من إقامة حكومة له. . . الخ.

أما حقد اليهودي على الفلسطيني فغير مفهوم، إلا إذا نظرنا من وجهة عنصرية وحضارية، فهذا المتخلف الفلسطيني ليس من حقه أن ينازع المستعمر الجديد المتحضر، القادم من أمريكا أو أوروبا.

و (لإسحاق دويتشر) وجهة نظر يقول فيها: (إن الإسرائيليين ليسوا عملاء مستقلين، ذلك أن عوامل تبعية إسرائيل هي إلى حد ما، كامنة في تكوينها بالذات، في تاريخها على مدى عقدين من السنين، فكل الحكومات الإسرائيلية قد ركزت وجود إسرائيل على (التوجهات الغربية) ولقد كان هذا وحده كافياً لتحويل إسرائيل إلى قلعة حدودية غربية في الشرق الأوسط، وبالتالي إدخالها في النزاع الكبير، الناشب بين الإمبريالية، وبين صراع الشعوب العربية في سبيل تحررها).

وأختم بما قال (يهودا ماغنس) : (هل يصبح اليهود هنا (في فلسطين) من أنصار اللجوء إلى القوة الشرسة والروح العسكرية، وهم يعملون على إقامة جسم عضوي سياسي، كما كان يفعل بعض الحشمونيين؟ يبدو أننا فكرنا في كل شيء إلا في العرب، فلئن كانت لدينا قضية عادلة، فإن لديهم هم أيضاً قضية عادلة، وإذا كانت قد قطعت لنا وعود، فقد قطعت للعرب أيضاً وعود، وإذا كنا نحب أرض فلسطين، ولنا ارتباطات تاريخية بها، فللعرب مثل ذلك وإذا كنا نرغب في أن نعيش في هذه البقعة من الأرض، فإن علينا أن نعيش مع العرب ، ونحاول مصالحتهم.

فنحن نعيش متطفلين على الديمقراطيات الغربية، ولا بد لنا من أن نسعى إلى إقامة كيان ودي صديق، لا يقوم على أساس القوة، بل على أساس التضامن والتفاهم الإنسانيين)1هـ.

وهذه الأفكار والأماني أبعد ما تكون عن الصهاينة، فهم يعتقدون أن القوة وحدها ستحمل العرب على الركوع أمامهم، وما داموا يرفضون ذلك، فيجب ضربهم بكل قوة. ولا عجب في هذا المنطق ما دام صاحبه ممن يعشق القوة، ومن يرضى أن يصارع (يعقوب) الله تعالى ويصرعه. . فالقوة، هي الدين الجديد لإسرائيل، وهي تجد في العالم من يشجعها، ويمدها بأسباب القوة، فلماذا تفكر بالتفاهم أو التضامن كما يريد ما غنس؟؟.

1998-2020 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة