» » 11 - مشكلات الشباب الحلول المطروحة .. والحل الإسلامي » أ- أسلمة موجهات الشباب الأساسية

تقديم بقلم: عمر عبيد حسنة االمقدمة
أولاً - التناقض بين القيم والمجتمع ثانياً - افتقاد الهويّة الذاتيَّة
ثالثاً - الجنس ومشكلاتـــه رابعاً- ضعف التعليم والثقافة والتخلف العلمي
الشّباب وقضية المرأة في ضوء الإسلام سادساً : افتقاد التربية على المسؤولية
سابعاً- افتقاد القدوة بمجالات الحياة ثامناً - ضعف أجهزة الإعلام ورعاية الشباب في التوجيه
بعـــض الحلـــول المــطروحــــــة 1- الاختلاط لحل مشكلة الجنس (1) 2- نشر الثقافة الجنسية
3- ملء الفراغ بالرياضة التربية الجنسية للشباب المسلم [ 1 ] هل يجيز الإسلام تدريس التربية الجنسية ؟ (1)
[ 2 ] نظرة الإسلام للجنس [3] ضوابط تربوية
أ- الضوابط الشخصية ب- الضوابط الاجتماعية
[ 4 ] الشــــذوذ الجنســـي وأسبابه أ- الحكم الشـــــــرعي
ب- آثار الشـــذوذ على المجتمـــع [ 5 ] عــلاج ظاهــرة الشـــذوذ
الحل الإسلامي في إعداد الشباب [ 1 ] الإعداد العلمي والعقلي
أ- الجوانب التي تهتم بها التربية العقليّة [ 2 ] الإعــداد الروحــي
أ- أسلمة موجهات الشباب الأساسية [ 3 ] الإعـــداد الجسمــي
[ 4 ] الإعـــداد الخُـــلقي [ 5 ] الإعداد المهني
[ 6 ] الإعــداد الســياســــي الخــاتمــــــــــــــــــــــــــــــــــة

لكل أمّة مؤسساتها وأجهزتها التي تسخّرها لاستقطاب الشباب وتوجيهه، وغرس المبادئ والاتجاهات المراد توجيههم لها، وقد يكون العمل المنوط بهذه المؤسسات ذا طابعٍ عسكري أو شبه عسكري مرتبط بـ "أيديولوجية " الأمة؛ كما في المجتمعات الاشتراكية التي نجحت كثيراً في أهدافها، وتسخير الشباب لخدمة أفكارها ومبادئها، بينما فشلت التجربة نفسها في بعض البلاد العربية التي اتخذت شعار الاشتراكية، وأرادت الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت فيها، وكان سبب الفشل إغفال أو جهل السياسيين في تلك البلاد بالاختلافات الكثيرة بين الدول الاشتراكية والعربية الإسلامية؛ المتمثلة في تميّز البلاد العربية بعواطفها الدينية، وخلفياتها الثقافية، والتركيبة الاجتماعية لها، إضافة إلى انعدام عنصر الإيمان بالاتجاهات السياسية المراد توجيههم لها، بل بمعاداة تلك الاتجاهات التي تفرض بالقهر والاستبداد والتسلط. وبما أنّ المؤسسات الموجهة للأمة في البلاد العربية تؤدي وظيفتها في جوّ رتيبٍ وغير حيوي، وتتسلط عليها عقول لا تقبل التطور أو تخاف منه، أو تخضع للسلطة السياسية المفروضة على الشعوب لتلك الأسباب فإنّ أي عمل جاد في إعداد الشباب لحاضره ومستقبله بتطلب تغيّرات جذرية في تلك المؤسسات لتشمل أهدافها، ومناهجها، وبرامجها، ووسائلها، وإعادة صياغة الموجهين لها والعاملين المنفذين فيها، ويمكن أن نتعرض لأكثر هذه المؤسسات فعالية وتأثيراً في بناء الشباب وإعداده، وهي:

أولاً- الأســرة المسلمة:

لا أودّ أن أكرر ما قيل في المؤلفات الإسلامية، وكتب التربية وعلم النفس عن هذه الموجهات، ومنها: الأسرة المسلمة، لأنه معروف لكل قارئ، غير أني أود أن أنبّه إلى الإيجابيات والسلبيات في الأسرة العربية المسلمة التي يمكن أن تقوم بوظيفتها بما يتوقع منها. ويمكن أن نذكر المعوقات أولاً فيما يلي:

(1 ) الأسرة العربية عامةً أسرةٌ جاهلة أو أمية، وإن كانت متعلمة - أي الأسرة ممثلة في الأب والأم - فإنها تعاني من أميّة في فكرها وتوجّهاتها، وقدرتها على التحضر، كما تعاني من جهلها بوظائفها حيال أبنائها، فينشأ الطفل العربي المسلم يحمل مظاهر تلك الأمية في أخلاقه وسلوكه، ومعاملاته واهتماماته، فالمعاملات الأسرية كثيراً ما تقوم على القسوة والعنف، والإحباط والتأنيب،؛ بل على الشتم والسبّ بألفاظ لا تليق بالإنسان الذي كرّمه الله، فيظهر نتاج ذلك خارج الأسرة في المدرسة والمجتمع حتى تصبح تلك ا لأخطاء من ا لظواهر المميزة للمجتمع، والتي يصعب علاجها، كما أنّ معاملات الأطفال لا تتغير تبعاً للنمو الزمني لهم حيث يعاملون بطريقة واحدة مهما كبروا، مما يقتل فيهم معاني العزّة والكرامة، وروح الجدّ والمثابرة، والتعلم والابتكار، والاعتداد بالذات، والاعتماد على النفس، وما إلى ذلك مما هو معروف للجميع.

ولعلاج هذه الظاهرة لا بدّ من تجديدٍ وإعادةٍ لعلاقات الدولة بالأسرة بمزيد من العناية بالأمومة والطفولة ورعايتهما؛ تثقيفاً وتعليماً، مادياً وصحياً، هذا بالإضافة إلى تغيير مفهومات الآباء عن العلاقة بأبنائهم وطرق توجيههم، إذ ينسب إلى سيدنا عمر أنه طلب من الآباء أن يربوا أبناءهم لزمان غير زمانهم.

إن نتاج هذه التربية الجاهلة شباب معقّد، يحس بالنقص، ويفقد الثقة بنفسه، لا يبالي ولا يهتم، يسهل التسلط عليه، وإجراء التجارب فيه، يفقد معاني المروءة والمواطنة، والإحساس بالحق العامّ، وغير ذلك مما تعاني منه المجتمعات العربية.

إنّ الأب في منظور الإسلام قيّم مؤتمن على ما رزقه الله من الأبناء، ومسؤول عن رعايتهم؛ لأن الراعي هو الذي ينظر إلى ما يرعى بعين العطف والحب، فأيّ سلوك مغاير لهذه المعاني يعتبر خروجاً على مفهوم الرعاية والعناية؛ إذ أن سلطة الآباء توجيهية وشورية فيما يتعلق بأبنائهم وبناتهم، وفيما يتعلق بأمور تعليمهم ومستقبلهم وزواجهم، وتوجيهات الإسلام في ذلك واضحة ومعروفة.

(2 ) جهل الأسرة بتعاليم الإسلام في مجال السلوك داخل الأسرة وعلاقات الوالدين بالأبناء،والتقيّد بتعاليم الإسلام في الدخول، والاستئذان، والأمر بالصلاة وممارسة الشعائر والعدل بين الأبناء، وتأديبهم، ومعاملة ربّ الأسرة لزوجه، والزوج لزوجها، وعلاقة الأبناء بآبائهم وأمهاتهم، وتعاليم الإسلام في ذلك كله واضحة ومعروفة، ولكنّ العمل بها وتنفيذها وممارستها في حياة الأسرة -باعتبارها من الأمور التعبدية التي يتقرب بها الناس إلى الله - هو المفقود، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لنا: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ".

إنّ وعي الآباء والأمهات بتربية أبنائهم وفق تعاليم الدين وقيمه من مسؤوليات الدولة التي توفرها في رعاية الأمومة والأبوة والطفولة، صحياً وثقافياً ومادياً من خلال أجهزة التوجيه المختلفة ووسائل الإعلام، والمناهج الدراسية، والمؤسسات الثقافية، والدعوة، والإرشاد، وغيرها من الوسائل التي تملكها الدولة وتموّلها وتوجّهها، وقد وجّه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى أهمية ثقافة الوالد وتوجيهه لأبنائه، فقال فيما رواه الترمذي: "ما نحل والد ولَده أفضل من أدب حسن " [رواه الترمذي 1211/2 ]، وقال أيضاً: "لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع " [رواه الترمذي 337/4 ]، وكذلك كان أيضاً توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غرس العادات الصحية الطيبة في النشء سواء فيما يتعلق بالأكل والشرب والنوم، أو غير ذلك مما يجعل النشء أسوياء النفوس، سليمي الأبدان، وافري النشاط والحيوية، وهذا باب واسع في كتب السنّة يشمل كل أمر يتعلق بآداب السلوك، وأصول المعاملات، وغرس القيم.

والقرآن يعلمنا الوسيلة المثلى في توجيه الأبناء بما يدل على المحبة والرفق والحرص خاصة فيما يتعلق بأمور العقيدة، ومعاملة الوالدين، ومعاملة الناس، ودعوتهم إلى الدين؛ فيقول على لسان لقمان:

(( يا بُنيّ لا تُشركْ باللهِ إنّ الشِّرك لظُلمٌ عظيم ))

((يا بنيّ إنّها إنْ تكُ مِثقال حبّةٍ. . . ))

((يا بُنيّ أقِمِ الصلاة )) بذلك الأسلوب التكراري الرقيق في الخطاب، لأنّ النصيحة من الأبوين تجد نفساً طيبة، وقلباً متفتحاً، وأذناً صاغية، وعقلاً مدركاً، وليس فيها غرض من أغراض الدنيا أو هدف إلا مصلحة الابن؛ بل إنّ القرآن يعلمنا أن يكون هذا أسلوب مخاطبة الأبناء، وإن كان فيهم عقوق، فقد جاء على لسان سيدنا نوح عليه السلام:

((يا بُنيّ اركب معنا ولا تكُن مع الكافرين )) [هود: 42 ].

(3 ) المستوى الاقتصادي للأسرة:

إن تفشي الأمية في الأسر العربية المسلمة من أكبر العوائق المعطلة للإعداد السليم للشباب، لأن الأسرة مع تفشي الجهل إما أن تكون غنيّة أو فقيرة، وكلا الحالين يعكس أثره السيئ في إعداد الشباب، وإن كان الفقر أخف ضرراً، لما فيه من محاسن؛ إذ يدفع الفقر الناس إلى الاهتمام بالتعليم والمنافسة فيه، ومحاولة تحسين الأوضاع الاقتصادية إلى ما هو أحسن، كما أنّ عنصر الإيمان بالله لا يجعل الفقر مشكلة في الحياة لضمان الله لرزق عبده، ورحمته به، فيعيش الشاب المؤمن قانعاً بما عند الله عما في أيدي الناس، ويسعى في حياته لتحسين أحوال نفسه وأمته بدافعٍ من الإيمان والأمل وحسن الظن بالله، ومع ذلك فإنّ اجتماع الجهل مع الفقر عائق في الجهود المبذولة لإعداد الشباب، لتعطل عامل من عوامل الإعداد وهو الأسرة.

أما اجتماع الغنى مع الجهل فآثاره على الشباب قد تكون مدمرة للأمة، ومحطمة لمستقبلها، خاصة إذا اكتفى الشباب بالمال عن العلم ومعاناته، والبحث ومتاعبه، وظنّوا أنهم بالمال يجدون كلّ شيء؛ على حين أنهم يفقدون كل شيء، فاجتماع الغنى والجهل يؤديان إلى فقدان الأخلاق، والمثل، والمروءات، والطموحات، والمعاناة في سبيل الغايات العظيمة، وقتل روح العمل والمثابرة والإنتاج والابتكار، وغير ذلك مما هو مشاهد،ويترتب على ذلك كلّه أنّ الدولة لا تستطيع الاعتماد على شبابها في بناء ذاتها، وتطوير نفسها وإقامة حضارتها وثقافتها وعلمها، بل ولا الدفاع عن نفسها واكتساب مهارات القتال والجهاد،والمعاناة في مواجهة تحديات الحياة، والعصر، والحضارة.

ولا نقصد بالجهل هنا: عدم انتشار التعليم، ومعرفة القراءة والكتابة؛ بل نقصد الجهل الذي لا يوظف العلم في إحداث ا لتغيير على مستوى الأفراد والأمة، في فكرها، وعقيدتها،ومفاهيمها، وتوجهاتها؛ والجهل الذي يجعل الأمم تعتمد على غيرها في صناعتها وزراعتها، ولا تعتمد على شبابها في تعلم وصناعة كل ما يخصها في أمور حياتها.

أمّا الإيجابيات التي تساعد عمليات الإعداد للشباب في مجتمعنا فكثيرة إذا وجد التخطيط المدروس للاستفادة من هذه الإيجابيات التي نذكر بعضها فيما يلي:

(1 ) ترابط الأسرة المسلمة: وهذه الميزة لا تنفرد بها إلا المجتمعات المسلمة، فسلطان الآباء لا يزال محترماً، والآباء والأمهات لا يقصرون جهداً في سبيل المحافظة على أسرهم، وتنشئة أبنائهم وفق تعاليم دينهم، ولا يزال الأبناء يبرّون أسرهم، ولا يقطعون صلتهم بها مهما كوّنوا من أسرٍ جديدة،وهذا الجو الأسري المترابط إذا وجد التوجيه السليم عادت الفائدة للأمة أسراً مترابطة قوية، وشباباً ملتزماً مؤمناً، ودولة فتية قوية.

(2 ) الصحوة الإسلامية آخذة في الانتشار، بل أصبحت من الحقائق التي لا تمثل ظاهرة ترصد، أو موجة تنتظر نهايتها، بل حقيقة يتعامل الناس معها وبها، وأصبحت المجتمعات كلها في مسيرة رجعة إلى الله وإلى تعاليم دينها، بل أصبحت الشعوب المسلمة كلها تطالب بإقامة حركتها في الحياة ونشاطها على شرع الله ومنهجه، وأكثر ما يدعو إلى التفاؤل أنّ هذه العودة تأتي من الشباب وتنتشر في قطاعهم؛ مما يبشر بالأمل في المستقبل إذا ما تجنبت هذه الصحوة ما يواجهها من تحدياتٍ وأخطارٍ، وما يحاك لها من مؤتمرات ودسائس، وإذا وجدت التوجيه السليم والبرامج التي لها القدرة على استيعاب الصحوة وتوجيهها،وحمايتها.

وفي مثل هذا الجو تأتي حتمية وضع البرامج التوجيهية والتربوية على نطاق الدول من خلال تصورٍ يشمل جوانب التوجيه للشباب وبيئاتهم،والوسائل العلمية الكفيلة بأن تؤدي البرامج والمناهج أهدافها المرتبطة بعقيدة الأمة وأهدافها في الحياة لتحقق سرّ وجودها على الأرض على هدى من الله وبصيرة.

وفي سبيل هذه الصحوة وتوجيهها نلخص ما ذكر الدكتور إسحاق أحمد الفرحان في مجلة الأمة في النقاط الآتية:

( أ ) عدم استعجال الثمار قبل نضجها؛ لأنّ عامل الزمن مهم في توفير الكوادر الفنية، والكتابات العلمية التي تصقل عاطفة الشباب، وتدربهم على حسن التأني للأمور بما يتفق مع روح الإسلام لا العواطف الطارئة.

(ب ) تبني الشباب للمؤسسات الفكرية لإنضاج الفكر الإسلامي، والمؤسسات الاقتصادية لأهمية المادة، والمؤسسات الاجتماعية والعمالية لإدخال الإسلام في حياة عامة الناس.

(ج ) الحذر والتخطيط الذكي لمواجهة المكر الغربي، وما يُكاد للشباب يوازي ذكاءهم وتخطيطهم واستخدامهم لوسائل الحضارة ومعطياتها. والحذر أيضاً من أعوان الأعداء بيننا.

(د ) التنبه إلى أهمية العمل الجماعي وفعاليته في جبهة واحدة وأن يتعلم المسلمون كيف يستفيدون من نقاط الاتفاق ويتعايشون مع نقاط الخلاف الفرعية بخطة "توسيع قاعدة الاتفاق، وتقليص نقاط الخلاف".

(هـ ) عدم إصدار الشباب للأحكام والتعميمات على غيرهم من المسلمين، والعاملين للإسلام أفراداً وجماعات. وأن يقدروا العلماء ونتائج أبحاثهم المستمدة من الكتاب والسنة؛ حتى لا تتفرق الأمة وتتنازع أمرها، لتلتقي حكمة الشيوخ بعاطفة الشباب.

ثانياً- التعليم الإسلامي أو المؤسسة الإسلامية للتعليم:

المؤسسات التعليمية لها غاياتها ووسائلها ومناهجها وبرامجها التي تجعل لها التأثير في الناشئة، وقد عانت البلاد الإسلامية وشبابها من أنواع من التعليم مزقت الأمة، ومزّقت الشباب ثقافة وأخلاقاً، واتجاهاً ومعتقداً، وأدّت لا إلى ثنائية في التعليم فحسب بل إلى خليطٍ غير متناسق من التعليم والثقافة، ولأنّ ذلك كله معروف كتب عنه الكثيرون، فبإمكاننا تحديد إطارٍ يمكن أن يجعل من التعليم تعليماً واحداً إسلامياً، ويتمثل هذا الإطار في:

(1 ) مراجعة شاملة لأهداف التعليم ومحتواه بما يحقق وحدة الأمة، ووحدة توجّهها، ووحدة مؤسساتها التعليمية والثقافية.

(2 ) تخليص التعليم من الازدواجية والتعدد، ومخلفات الاحتلال؛ من نظريات الغرب، وآراء المستشرقين، والمنصّرين والصليبيين ممن جعلوا الحضارة الغربية مثلاً أعلى، والثقافة الغربية أملاً يسعى الشباب إليه، ومن الإشادة بعلماء الغرب وعظمائهم في مقابل الحضارة الإسلامية وتعاليمها وعطائها ورجالها وتاريخها.

(3 ) تكريس المناهج لخدمة أهداف الإسلام في وجود الإنسان وتربيته، وسياسته، واجتماعه، وتشريعه، وحياته كلها وفق ما أراد الله تعالى له ووجّهه إليه.

(4 ) جعل العربيّة الفصحى لغة العلم والسياسة والأدب والإعلام والتخاطب في الدولة، ومؤسساتها العامة والخاصة، ومنظماتها المختلفة؛ حتى تُربى الشخصية المسلمة المعتزة بدينها ولغتها وتراثها.

(5 ) جعل الدين مادة أساسيّة في مراحل التعليم كلها، يتطور تدريسه بمستوى المرحلة؛ على أن يكون عنصراً ومنطلقاً لدراسة المواد كلها علمية وإنسانية، حتى يتعمق مفهوم ارتباط الدين بالحياة كلها علميّة، وسياسيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة ، وحتى لا يكون الدين مادة روحيّة منفصلة عن الحياة بعيدة عن مجال العلوم الأخرى.

(6 ) تخليص الفكر التربوي في العالم الإسلامي من التبعيّة الفكرية والمنهجيّة؛ في الدراسات الأدبيّة العلميّة والاقتصاديّة السياسة والتربوية والنفسيّة؛ لأنّ الفكر التربوي عميق الارتباط بالغرب الرأسمالي، والشرق الشيوعي في محتوى هذه العلوم، والاستشهاد بالأقوال والإحصاءات والنظريات التي يفرزانها، وكأن ما وصلوا إليه حقائق لا تقبل الجدل والمناقشة، وتدل على العلمية والمنهجية، والعصرية.

(7 ) إبراز النظريات التي أصّلها علماء المسلمين في علوم الاجتماع والتربية، والنّفس، والاقتصاد، والسياسة الشرعية، والقوانين بأنواعها المختلفة، والمعاملات، بل ونظرياتهم في الأدب والنقد وغير ذلك من العلوم المختلفة؛ حيث لا نعتمد فيها على ما ترجم من الغرب أو نقل منهم دون الإشارة إليهم، ويركّز على كليات التربية في العالم العربي حيث تقوم كلّها على مناهج الغرب ونظرياته وأفكاره في العلوم المختلفة، ويقل فيها النظر الإسلامي أو الباحثون الإسلاميون، وخطورتها أنّها الكليات التي تخرّج مربي الأجيال، وناشري الفكر.

(8 ) جعل المؤسسة التعليمية مؤسسة لتربية الشخصية المسلمة المتكاملة بحيث يتدرب فيها بالممارسة على:

( أ ) الجنديّة بما يتعلق بها من مسؤوليات وتكاليف وحقوق عن طريق الممارسة العملية.

( ب ) القيادة بما تتطلبه من مؤهلات، وما يترتب عليها من مسؤوليات وحقوق وتكاليف.

( ج ) الجماعيّة بما تحقّق في الواقع بين الطلاب والمربين من تعاون على البر والتقوى، وصدّ الإثم والعدوان.

( د ) الموازنة بين الدراسات النظرية والعملية، والفنية والمهنية؛ بحيث لا يطغى جانب على الآخر.

( هـ ) الحرية في إبداء الرأي المعتمد على الحجة والحق والمنطق، وتقبّل آراء الآخرين، والتعبير عن الرأي؛ وصولاً إلى الحق دون أي خوفٍ أو إحباط.

( و ) التنمية للمواهب والميول في المجالات المختلفة بما يكسب الطلاب المهارات في مواهبهم، والممارسة لهواياتهم؛ لمصلحة مجتمعهم، وشغل أوقات فراغهم بما يفيدهم ويفيد مجتمعهم.

(9 ) تدريب المعلمين ذوي العلم والخُلُق والاستقامة، والنجابة والذكاء، المؤمنين بالله إيماناً يدفعهم إلى الإخلاص في العمل، والصدق في التوجيه، والمراقبة لله، وهؤلاء هم المصلحون الذين وصفهم الشيخ أبو الحسن الندوي بأنهم "يجمعون بين متانة العقيدة والاقتناع بالإسلام كدينٍ خالدٍ أبدي، وبين الاطلاع الواسع العميق على العلم الحديث؛ هؤلاء الذين يميزون بين القشر واللباب، والزائف الفِجّ غير الناضج من الآراء والنظريات، وبين المختمر الناضج الحصين من الآراء والتجارب؛ الذين لا تغرّهم الدعاوى العريضة والطبول الفارغة، بل يعتمدون دائماً على حصيلة الاختبارات وعصير التفكير؛ الذين ما زادهم التوسع في الدراسات والتفنن في العلوم، والاحتكاك بالحضارة الغربية، إلاّ إيماناً بالحقائق الغيبية والتعاليم الإسلامية؛ إنهم القليلون في العالم الإسلامي ولكنّهم غير مفقودين، أولئك الذين إذا درسوا هذه العلوم العصريّة الحديثة والنظم السائدة كونّوا في نفوس الشباب ثقة جديدة، وإيماناً جديداً بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وخلود الرسالة الإسلامية، وعبقرية الشريعة السماويّة "(1 ).

(10 ) التركيز على التربية العلمية ، واتخاذ المنهج العلمي الذي أصّله علماء الإسلام أسلوباً لدراسة الظواهر الحياتية، والتجريب العلمي سبيلاً للمعرفة، لأنّ التربية العلمية هي السبيل إلى التحكم في المعارف العلميّة، والاتجاه العلمي، وتنمية قدرات التفكير العلمي، ومسايرة معطيات العلم والتطور التكنولوجي، والإفادة منها بل والمشاركة فيها، وبهذا الاتجاه التربوي تستطيع الأمة أن توفر لنفسها حاجتها من العلماء والباحثين والمتخصصين في العلوم المختلفة، وأن تكسب الشباب الاتجاهات العلمية المرغوبة القائمة على ربط الظواهر بمسبباتها في النواميس الكونية، زيادة على اكتسابهم المهارات الأكاديميّة والعلميّة، وليس ذلك كله على حساب الدراسات الأدبيّة والإنسانية والاجتماعية والدينية؛ بل على أساسٍ يؤدي إلى التوازن في المنهج، وإبراز الصلة بين العلوم الإنسانية والطبيعيّة. وليس ما سبق كله حصراً للإطار التعليمي؛ وإنما هو إبراز للملامح التي تمثل محتوى هذا الإطار وأهدافه.

ثالثاً- المســاجد الشــاملــة :

ظل المسجد في تاريخ المسلمين مؤسسة تعليمية للصغار والكبار، وأوّل الأمكنة التي تحقق الأهداف العملية لتربية الناس بعامة والناشئة والشباب بخاصة، وجدّت المساجد في أداء وظيفتين هامتين:

أولاهما: تربية الناس وتعليمهم طرق العبادة الصحيحة، وعلى رأسها الصلاة باعتبارها الظاهرة المستمرة الممارسة في الحياة اليوميّة، والملازمة للمسلم منذ نشأته تقليداً ومحاكاة في الطفولة الأولى، وأمراً وطلباً في الطفولة الثانية، وأمراً مشدّداً حازماً في العاشرة؛ حتى تكون عند التكليف عبادة يوميّة يرتبط بها وجدان المسلم وعواطفه وفكره.

ثانيتهما: نشر التعليم حيث يمثل المسجد المؤسسة التعليميّة الأولى في عهود الإسلام المختلفة، ولا غناء عنه في عصرنا؛ بل أصبحت الحاجة إليه أشد؛ ليكون عوناً للجانب العملي في التربيّة والمؤسسات التربويّة، ولكي يحقق المسجد رسالته في توجيه الشباب وارتباطهم به يمكن أن نهتمّ بما يلي:

[ 1 ] جعل المساجد مؤسسات مستقلة تعمل للإسلام على هدى وبصيرة حتى تكون مشاعل هدى، توجه المسلمين عامة، وتراقب حركة الحياة، وسياسات الأمة وتوجيهاتها، وفق دينها وعقيدتها؛ كما هو معمول به في الكنائس العالمية التي تتمتع باستقلالها وحريتها في نشر تعاليمها، وتوجيه أتباعها، وإبداء رأيها في أمور الحياة المحلية والعالمية، وبذلك يكسب المسجد ثقة الأمة في إخلاص التوجيه، وممارسة الرقابة على الأمة كلها.

[ 2 ] ربط المساجد بالمؤسسات التعليميّة، والمصالح الحكومية والمصانع والأسواق، وتنسيق مواعيد العمل والدراسة بمواعيد الصلاة؛ الأمر الذي يتيح للحكام أن يؤموا المصلّين، وكذلك الوزراء والرؤساء في كل موقع وقرية ومدرسة وكلية، حتى يرتبط المسجد في وجدان الناس بالحياة وحركتها، ويكون له مكانته في التوجيه، وتحقيق أهداف الأمة المسلمة وقيمتها الحياتية، وأن يكون ذلك بعيداً عن الناحية المظهرية والشكلية؛ بل طاعةً وعبادةً وتوجهاً إلى الله.

[ 3 ] إعداد الأئمة للقيام بواجب الدعوة والتوجيه والتعليم ممن تزودوا بعلوم القرآن والسنة، والعربية وآدابها، وممن درسوا المذاهب الفكرية والملل والتيارات السياسيّة الموجّهة والمؤثرة في العالم، مع الإلمام بطرف من علوم الحياة والكون والاقتصاد والفلسفة، وأن يكون الإمام مسلماً عادياً يعيش عصره بعلومه ومعارفه، ويفقه دينه، بتعاليمه وأحكامه، ويخشى ربه ويتّقيه، ولكي يوفّر هذا الأنموذج فلا بد من إعداده إعداداً خاصاً، وتوفير سبل الحياة الكريمة له، وأن تعدل مناهج الجامعات وبخاصة الإسلامية لتحقيق أهداف الأمة، وأن يكون الأئمة ممن عرفوا بحسن الخلق، وسلامة السلوك، والتدين الواعي، والشخصية القائدة المؤثرة لينعكس ذلك كله على عطائهم وأدائهم.

[ 4 ] ربط الأنشطة الثقافيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة وغيرها بالمساجد؛ فتكون المساجد أماكن تربية وتوجيه، وتثقيف وإرشاد، وتكون مؤسسات اجتماعيّة للمناسبات المختلفة في حياة الناس، وتكون جمعيات تعاونية وجمعيات برٍ وإحسانٍ ورعايةٍ اجتماعيّة، وتكون أماكن لفضّ المنازعات، والإصلاح بين الناس، وأن تلحق بها قاعات للمحاضرات العامة والخاصة، ومكتبات للاطّلاع والدرس، ومكاتب للتوجيه النسائي والطلابي، وغير ذلك من الأنشطة المختلفة.

[ 5 ] جعل المساجد مراكز إعلاميّة - كما كانت في عهدها الأول - يتلقى المسلمون فيها المعلومات الصحيحة، ويتنافس فيها أصحاب الهوايات والمواهب المختلفة، وأن تتوفر فيها الأجهزة الإعلامية المساعدة لأداء وظيفتها في الإعلام، والتعليم، والتدريب، والتغطية الإعلامية اللازمة لأداء المساجد لوظيفتها.

[ 6 ] توسيع نشاط المساجد؛ لتكمل النقص في موجِّهات الشباب؛ ولتكون أماكن لنشر الوعي بمشكلات المجتمع، وفصولاً لتقوية الطلاب في دروسهم، ومراكز لمحو أمية الكبار، ومدارس نظامية لتحفيظ القرآن، وغير ذلك من النشاطات التي يمكن للمسجد أن يؤديها إذا توفرت له القيادة الواعية، والدعاة العاملون، والإمكانات الماديّة التي توفر ما يساعده على أداء وظيفته الدينية والتعليمية والاجتماعية.

رابعاً- الإعلام الموجـــــــه:

يمارس الإعلام في البلاد الإسلامية العربية - بوعي، وبدون وعي أحيانا ً - دوراً توجيهياً مدمّراً، يسبب أكثر ما يعاني الشباب من تناقض بين قيم التربية التي تدرس له، ثم ما يأتي الإعلام لنقضه وتشكيكه فيه، الأمر الذي يوقعه في صراع نفسي وفكري، فالصحافة لا تتورّع أن تنشر حديثاً دينياً عميقاً في صفحة، وتنشر في الصفحة المقابلة لها صورة لحسناء فاتنة عارية أو شبه عارية.

وبينما تقابل صحافة الدول "الأيديولوجية " الخبر لتعيد نشره وفق رأيها ومعتقدها وتفسيرها للأمور، تأخذ صحافتنا الخبر ذاته من وكالات الأنباء لتنشره دون تفكير فيه أحياناً، حتى أصبحت الوكالات تدسّ لهم أخباراً يعلمون أنها ستنشر كما هي، ولأنّ صحافتنا في مجملها تعاني عجزاً في المادة، وقصوراً في تقديم الجديد المبتكر، فإنّها - وبغياب الفكرة والهدف من إنشائها - تقدم كلّ شيء متناقض، ولا تلتزم بفكر، ولا تعمل لهدفٍ إلا الكسب المادي، لذلك كله تجد المقالات التي تشكك في القيم الأساسية، وتدعو إلى الفجور، وترضى - باسم الحرية - كل شيء حتى بعض ما يسيء إلى هيبة الدولة وأمنها وأسرارها.

وكذلك الحال في الإذاعتين المسموعة والمرئية؛ فكلتاهما تستقطب الناس جميعاً؛ المتعلمين وغير المتعلمين، غير أنّ تأثير الإذاعة المرئية "التليفزيون " أعظم خطراً، وأبعد أثراً في التأثير في عقول الناس وآرائهم بعامة والشباب بخاصة. والجهازان يعانيان من الإفلاس في الفكر والبرامج النافعة، ويعتمدان على التمثيل الهابط، والمعالجات التي لا تتصل بالواقع، والمشكلات التي لا تعاني منها الدول التي تبث منها، ولأن ذلك كله معروف يكتب عنه كل يوم فسنذكر شيئاً عن دور أجهزة الإعلام لتشارك في تربية الشباب وبناء الأجيال ليكونوا رجالاً وصنّاعاً ومنتجين، وليكونوا قوة بناء وحماية لدولهم، وليكونوا علماء لا يعيشون على فتات الأمم، ومساوئها في العادات والتقاليد والاهتمامات التي لا تحتاج إلى جهد وعمل في الحياة، كالفرق القومية للفنون الشعبية، والأندية الرياضية، والتنظيمات الشبابية التي أنشئت لتبرير السياسات العشوائية لبعض الأنظمة التي تعاني من الإفلاس في إرضاء طموحات الشباب،والتي أنشئت أيضاً لامتصاص تذمر الشباب من خواء الحياة، وقصور ما يقدم إليه.

خامسا- التخطيط الإعـــلامـــي:

لكما كان لوسائل الإعلام تأثيرها المعروف في تكوين اتجاهات الشباب وأفكارهم كان التخطيط الإعلامي أمراً لازماً، وليس ذلك التخطيط الذي يوزع عدد الأغاني بالتساوي بين المطربين، وعدد التمثيليات الفكاهية والعاطفية.. إلى آخر ذلك، ولكن التخطيط الذي يعمل لتكوين الاتجاهات السليمة، والعادات المرغوبة، والتدريب العقلي، والمعرفة المتنامية، والتخطيط المرتبط بفلسفة التربية والثقافة التي تعمل الدولة لها. ولا يمنع التخطيط مراعاة تحقيق أهداف الإعلام في الترفيه عن الناس، وتثقيفهم، ولكن يمكن أداء ذلك كله بأن يكون الترفيه هدفاً يحمل مضموناً للسامع والمشاهد.

سادسا- نشر القيم والثقافـــة:

للإعلام قدرة على نشر القيم وتدعيمها في الشباب؛ ليس عن طريق الوعظ والإرشاد؛ بل عن طريق التطبيق العملي لقيم الدين والثقافة، وربط الأعمال المقدمة لخدمة الأخلاق والمثل، وإيجاد القيادات الشابّة من المبرّزين منهم في دينهم وسلوكهم كنماذج حية لهم، بالإضافة إلى نشر التراث والتعريف به، وتخليصه مما نسب إليه، وتوجيه الشباب ليخدم دينه وثقافته بنشره بين الناس، والمشاركة في كل عمل يحقق تلك الأهداف. ويمكن للإعلام إبراز كل عمل يقوم به الشباب في مجال التعليم ومحو الأمية، والمواسم الثقافية، والأعياد القوميّة، والمسابقات الفردية والجماعية ليكون ذلك كله حافزاً إلى مزيد من الإبداع والاجتهاد.

ويقتضي هذا أن تقوم أجهزة الإعلام بتقديم المناهج الدراسيّة مسموعة ومرئية للمراحل المختلفة، بل وتتيح فرصاً أكبر للشباب بالمشاركة في تقديم البرامج المختلفة، وخاصة من أظهروا مواهب في الأدب، أو التمثيل، أو الإلقاء، أو غير ذلك من المواهب التي تحتاج إلى صقل وتوجيه وتشجيع.

1998-2020 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة