English| Deutsch| Français| Español

  قال يحيى بن معاذ : القلوب كالقدور تغلي بما فيها ، وألسنتها مغارفها ، فانظر إلى الرجل حين يتكلم ، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه 

    الفقه الميسر   مقدمات

3- خصائص الشريعة الإسلامية

لا يستطيع الإنسان أن يعيش وحده منفردًا عن الناس، لا يخالطهم ولا يتعامل معهم؛ وذلك لأن حياته مرتبطة بحياتهم، فلابد له من مجتمع يتعاون مع أفراده ويبادلهم المصالح والمنافع.
ولا بد للناس حتى تستقيم حياتهم ويهنأ عيشهم ويكمل تعاونهم من مبادئ وضوابط عادلة يقوم على أساسها تعايشهم؛ وذلك لأن الإنسان جُبِل على الأثرة وحب الذات والطغيان.
والإنسان مهما بلغ ذكاؤه واتسعت مداركه وتعددت مواهبه وتسامت غايته، فإنه لا يستطيع أن يستقل باختراع تلك المبادئ العادلة التي يقوم على أساسها نظام الحياة بين الناس؛ وذلك لأن الإنسان لم يُؤتَ من العلم إلا قليلاً، فهل يجهل حقيقة روحه التي بين جنبيه، فكيف يستطيع أن يضع نظامًا يضمن للناس التعايش يقيهم الفوضى ويحفظ حقوقهم ويهذِّب غرائزهم.
لهذا لم يكن للناس بدٌّ من تشريع إلهي يربِّي فيهم قوة العقيدة ويجعلها مهيمنة على أقوالهم وأعمالهم، ويحيط بكل ما يتعلق بحياتهم في دنياهم وأخراهم، ويحدد علاقتهم بربهم وخالقهم، كما يحدد العلاقة التي يجب أن تكون بين الناس بعضهم البعض، فالله تعالى هو الذي خلقهم وهو الذي يعلم ما يصلُحُ لهم من التشريعات التي تكفل لهم السعادة في الدارين. قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو الطيف الخبير} [الملك:14].
وفيما يلي بعض خصائص الشريعة الإسلامية التي تجعل من يتأملها معتزًّا بانتمائه إليها، حريصًا على تمسكه بها، راغبًا في أن تسود الأرض وتهيمن على حياة الناس.

أولاً: الشريعة الإسلامية شريعةٌ ربانيةٌ إلهية:

فهي ليست صناعة إنسانية من نتاج البشر، مثل باقي النظم والفلسفات التي يحتكم إليها أغلب أمم الأرض اليوم من غير المسلمين؛ وإنما هي شريعة ربانية إلهية أُنزلت إلينا من معبودنا وخالقنا سبحانه وتعالى.
وكون الشريعة الإسلامية من عند الله تعالى يقتضي أن تكون هي المنهج السائد والحاكم في حياة الناس؛ لأنها صادرة من الخالق القاهر صاحب السلطان، فكما أنه المنفرد بالخلق لا شريك له، فإنه كذلك المنفرد بحق التشريع لذلك الخلق، ولذلك كان واجبًا على الناس الطاعة والخضوع له، قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف:54].
وكون الشريعة الإسلامية ربَّانية من عند الله تعالى يعني أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بالله تعالى؛ وذلك لأن عقيدة الإيمان بالله تعالى هي التي تجعل المسلم متمسكاً بأحكام الدين حريصًا على تطبيقها طوعاً واختياراً. فإن من لم يؤمن بالله تعالى لا يتقيد بصلاةٍ ولا صيامٍ، ولا يراعي في أفعاله حلالاً ولا حراماً، فالتزام أحكام الشرع إنما هو فرعُ عن الإيمان بمن أنزلها وشرعها لعباده.

ثانيًا: الشريعة الإسلامية معصومة:

وذلك لأنها صادرة من عند الله تعالى الذي لا يضِل ولا ينسى. وقد تكفَّل الله سبحانه وتعالى بحفظها فلا يعتريها تغيُّر ولا تبديل، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9]، وهذه العصمة للشريعة باقية إلى يوم الناس هذا رغم طول العهد وكيد الكفرة والملحدين.

ثالثًا: الشريعة الإسلامية تخاطب العقل والقلب جميعًا:

فهي ليست نصوصًا جافة تخاطب عقل الإنسان وفكره فقط، بل هي تخاطب قلبه وعواطفه أيضًا، والمتأمل في نصوص الأحكام الشرعية يجد أنها مصوغة بأسلوب يستثير المشاعر والأحاسيس، وتمتزج فيه الأحكام بالترغيب والترهيب، ويقترن فيه الأمر أو النهي ببيان الحكمة؛ فأحكام الشريعة الإسلامية ليست مجرد أوامر ونواه في شكل مواد قانونية، فإن هذا الشكل من الأحكام من شأنه أن يجعل الإنسان يلتزم بها خشيةً من الوقوع تحت طائلة المؤاخذة من السُّلطة المصْدِرة لها. بينما الشريعة الإسلامية تربي في النفوس القناعة بهذه الأحكام، بحيث يمتثلها الناس رغبة في تحصيل رضا الله وما أعده للطائعين ورهبة من سخط الله وما توعد به العاصين، فتجد المؤمن متمسكًا بأحكام الشريعة الإسلامية ولو كان خاليًا لا يراه أحد من الناس.

رابعًا: الشريعة الإسلامية عالَمية:

فالشريعة الإسلامية تخاطب الإنسان، مُطْلَق الإنسان، دون اعتبار للونه أو جنسه أو لغته، وتريد من الناس إخلاص العبادة لله، وعمارة الأرض وَفق مراد الله تعالى.
وهذه الشريعة صالحة لجميع البشر على مرّ الزمان واختلاف المكان، وليست خاصة بوقت دون وقت، ولا ببقعة دون بقعة. في حين أن التشريعات الأرضية والقوانين الوضعية ليست كذلك، وواضعوها دائمو التغيير والتبديل فيها، فلا يفرُغ واضعوها من تقنينها وتدوينها حتى يُعمِل من جاء بعدهم عقولهم في تعديلها وتغييرها. فالبشر لا يستطيعون أن يصلوا بمحض عقولهم إلى المنهج الذي يُصلحهم مهما أوتوا من قوة، فالله هو الذي خلقهم وهو يعلم ما بهم من ضعف، قال تعالى: {وخُلق الإنسان ضعيفًا} [النساء:28].
ولقد أراد الله تعالى أن تكون هذه الشريعة قانونًا للناس أجمعين، والقرآن دستورًا للبشر كافة، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً للناس كلِّهم، قال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان ليكون للعالمين نذيرًا} [الفرقان:1]، وقال: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا} [الأعراف:158].

خامسًا: الشريعة الإسلامية شاملة لكل ما يحتاج إليه الناس:

وذلك لأن حياة الإنسان متعددة الجوانب، وأن سعادته تقتضي رعاية هذه الجوانب كلها بالتنظيم والتشريع، والشريعة الإسلامية أنزلت من عند الله تعالى لتَسَعَ حياة الإنسان من كل أطرافها وبكل أبعادها وجوانبها؛ فكما أوضحَتْ كيف يتقرب العبد إلى ربه بأنواع العبادات المحضة من صيام وصلاة وزكاة وحج، فإنها اشتملت أيضًا على أصول النظام المالي والقضائي والسياسي، ورتبَتْ شؤون الأسرة في الزواج والطلاق والحضانة والرضاع والنفقة والإرث، وأسسَتْ لعلاقات اجتماعية مع الأرحام والجيران قوامُها معرفة الحقوق والواجبات.
وبذلك يظهر جليًا شمول الشريعة الإسلامية، ووفاؤها بكل ما يحتاج إليه الناس في جميع مرافق حياتهم، واستحقاقها أن تكون هي الشريعة الكاملة الخاتمة لجميع الشرائع والرسالات، قال سبحانه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} [المائدة:3].

سادسًا: الشريعة الإسلامية مبناها على اليسر ورفع الحرج:

فأحكام الشريعة الإسلامية تراعي حاجة الناس، وتُؤمِّن سعادتهم، ولذلك كانت أحكامُها كلها في مقدور الناس، وضمن حدود طاقتهم، وليس فيها حكم يعجز الناس عن أدائه والقيام به، وإذا ما نال المكلفين حرجٌ خارج عن حدود قدرتهم أو وجدوا في ممارساتهم عنتًا ومشقة زائدين في بعض الأحوال، فإن الشريعة تفتح أمامهم باب التخفيف والأخذ بالرخص، قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة:158]، وقال أيضًا: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78]، وقال: {لا يُكَلفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها} [البقرة:286]. وقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الدَّينَ يُسـْرٌ" [رواه البخاري].
ومن الأمثلة على يسر الإسلام: جواز الصلاة قاعدًا للمريض الذي يشق عليه القيام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ" [رواه البخاري]. وقصر الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين للمســـافر، قال تعالى:{وإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ} [النساء:101].
والأمثلة على يسر الشريعة الإسلامية أكثر من أن تحصر، وذلك مقتضى رفع الآصار والأغلال التي حملتها الأمم من قبلنا بسبب تمردهم على الله تعالى، قال سبحانه: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدِّهم عن سبيل الله كثيرًا . وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} [النساء:160،161]. وقال: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146]. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشريعة الإسلامية السمحة ليرفع عن البشرية الآصار التي حملتها الأمم عبر القرون، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157].