الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وعمل القلب لا تبطل به نص عليه ( و هـ ش ) وعند ابن حامد بلى إن طال ، وذكره ابن الجوزي ، قاله شيخنا ، قال وعلى الأول لا يثاب إلا على ما عمله بقلبه ، فلا يكفر من سيئاته إلا بقدره ، والباقي يحتاج إلى تكفير ، فإنه إذ ترك واجبا استحق العقوبة ، فإذا كان له تطوع سد [ ص: 493 ] مسده فكمل ثوابه ويأتي تتمة كلامه في صوم النفل ، واحتج بقوله عليه السلام { إلا ما عمله بقلبه } وقوله { رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع } يقول لم يحصل إلا براءة ذمته والصوم شرع لتحصيل التقوى ، كذا قال والمذهب أنه لم يترك واجبا وإلا بطل ، ولهذا احتجوا بخبر { إن الشيطان يحضر بينه وبين نفسه } وبصلاته عليه السلام في خميصة لها أعلام ، وقال { إنها ألهتني آنفا عن صلاتي } في رواية للبخاري { أخاف أن تفتنني } وبأن عمل القلب ولو طال أشق احترازا من عمل الجوارح ، لكن مراد شيخنا بالنسبة إلى الآخرة ، وأنه يثاب على ما أتى به من الباطل ويأتي في صوم النفل ، وأما قوله { رب صائم } هذا الخبر رواه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ، وفيه أسامة بن زيد الليثي مختلف فيه ، وروى له مسلم ، وروى هذا الخبر أيضا من غير حديثه ، رواه أحمد وغيره ، فدل على صحته ، ويوافق هذا المعنى ما روى أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم والإسناد جيد " أن عمارا صلى ركعتين فخففهما " ، فقيل له في ذلك ، فقال : هل نقصت من حدودهما شيئا ؟ فقيل لا ، ولكن خففتهما فقال : إني بادرت بهما إلى السهو ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن الرجل لو صلى ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها } حتى انتهى إلى آخر العدد ، وعن أبي اليسر مرفوعا : { منكم من يصلي الصلاة كاملة ، ومنكم من يصلي النصف ، والثلث ، والربع ، والخمس ، حتى بلغ العشر } رواه أحمد والنسائي ، ورواه النسائي [ ص: 494 ] من حديث أبي هريرة وإسنادهما جيد ، وقد سبق أن ذكر القلب أفضل من ذكر اللسان ويأتي قول شيخنا أول صلاة التطوع أن الذكر بقلب أفضل من القراءة بلا قلب ، وهذا يدل على أنه يثاب ، وقلبه غافل ، وهذا أظهر ، لأن في حديث عثمان { فيمن توضأ وصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه } متفق عليه ، وفي حديث عقبة { فيحسن وضوءه ، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلا عليهما بقلبه إلا وجبت له الجنة } .

                                                                                                          وفي حديث عمرو بن عنبسة بعد ذكر الوضوء { فإن قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه } رواهما مسلم فذكر فوات ثوابه الخاص بغفلة القلب يدل على ثبوت ثواب ، وللعمومات في الصلاة والقراءة ، والذكر لحديث أبي هريرة { إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ، ما لم تكلم أو تعمل به متفق عليه } وقوله { رب صائم } إن صح فالمراد به المرائي ، لأنه ليس له إلا الجوع ، أو السهر ، لعدم براءة ذمته ، أما من برئت ذمته فله غير الجوع والسهر وحديث عمار يدل على أن الغفلة سبب لنقص الثواب ، لا فواته بالكلية ، وقوله عليه السلام في الخبر السابق إن صح : { واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل } يدل على فوات الثواب الخاص ، لا أن هذا الدعاء لا أجر فيه بالكلية ، وإلا كان كالمرائي ، ولم أجد إلى الآن من صرح به ، وإنما ذكروه من أدب الدعاء ، والله أعلم وسبق في الفصل والباب قبله ذكر الخشوع ، وقيل إن طال نظره في كتاب بطلت ، كعمل الجوارح ، وعند ( هـ ) إن [ ص: 495 ] نظر فيه ففهم بطلت كالمتلقن من غيره ، وعند صاحبيه إن كان غير مستفهم ففهم لم تبطل ، وإلا لم تبطل عند أبي يوسف ، واختلف عن محمد ، ويبطل فرضه بيسير أكل أو شرب عرفا عمدا ( و ) وعنه أو سهوا وجهلا ( و هـ ) لأنها عبادة بدنية فيندر ذلك فيها ، وهي أدخل في الفساد بدليل الحدث والنوم ، بخلاف الصوم ولأنه مقتطع عن القياس ، ولم يذكر جماعة أو جهلا ، وعنه ونفله ( و ) والأشهر عنه بالأكل ، وإن طال سهوا أو جهلا بطلت وظاهر المستوعب والتلخيص لا ، وقيل يبطل الفرض ، وبلعه ما ذاب بفيه من سكر ونحوه كأكل ( و ) وفي التلخيص وجهان ، ولا تبطل في المنصوص بما بين أسنانه ، بلا مضغ مما لم يجر به ريقه ( ش ) . وإن طرأ رياء بعثه على العمل كإطالته ليرى مكانه حبط أجره ، وإن ابتدأها رياء ودام ابتدأ ، وكذا ينبغي إن لم يدم فيها ، وإن طرأ فرح وسرور لم يؤثر ، ذكر ذلك ابن الجوزي ، قال : وإن فرح ، ليمدح ويكرم عليه فهو رياء ، لكن لا يؤثر بعد فراغه ، فإن تحدث به فالغالب أنه كان في قلبه نوع رياء ، فإن سلم منه نقص أجره ، وأنه لا يترك العبادة خوف الرياء ، وأطلق ابن عقيل وغيره أن الفرح لا يقدح ، وإنما الإعجاب استكبار طاعته ورؤية نفسه ، وعلامة ذلك اقتضاء الله تعالى بما أكرم به الأولياء ، وانتظار الكرامة ونحو ذلك .

                                                                                                          وقال ابن هبيرة في خبر عائشة عنه عليه السلام : { أعوذ بك من شر ما عملت ، وشر ما لم أعمل } قال : له معنيان أحدهما أن يرضى بشر ، أو يتمنى أن يعمل مثله الثاني : ألا يشرب الخمر مثلا فيعجب بنفسه كيف لا يشرب ؟ فيكون [ ص: 496 ] العجب بترك الذنب شرا مما لا يعمل .

                                                                                                          وقال المروذي لأحمد : الرجل يدخل المسجد فيرى قوما فيحسن صلاته ؟ يعني الرياء ، قال : لا ، تلك بركة المسلم على المسلم ، وجهه القاضي بانتظاره ، والإعادة معه ، وإلا قصده ، واختار في النوادر إن قصد ليقتدى به أو لئلا يساء به الظن جاز ، وذكر قول أحمد ، قال ، وقاله الشيخ ، قال شيخنا لا يثاب على عمل مشوب ( ع ) وقال أيضا : من صلى لله ثم حسنها وأكملها للناس أثيب على ما أخلصه لله ، لا على عمله للناس { ولا يظلم ربك أحدا } وقال أيضا : لا يمكن أن يقال لم لا يأخذ نصيبه منه ؟ لأنه مع الإشراك يمتنع أن يكون له شيء ، كما أنه بتقدير الاشتراك في الربوبية يمنع أن يصدر عنه شيء ، فإن الغير لا وجود له ، وهو لم يستقل بالفعل ، وكذا هنا هو لم يستقل بالقصد ، والغير لا ينفع قصده ، ولهذا نظائر كثيرة في الشرعيات ، والحسيات ، إذا خلط بالنافع الضار أفسده ، كخلط الماء بالخمر ، يبين هذا أنه لو سأل الله شيئا فقال : اللهم افعل كذا أنت وغيرك ، أو دعا الله وغيره ، فقال : افعلا كذا ، لكان هذا طلبا ممتنعا ، فإن غيره لا يشاركه ، وهو على هذا التقدير لا يكون فاعلا له ، لأن تقدير وجود الشريك يمنع أن يكون هو أيضا فاعلا ، فإذا كان يمتنع هذا في الدعاء والسؤال ، فكذلك يمتنع في العبادة والعمل أن يكون له ولغيره ، وذكر الأصحاب فيمن حج بأجرة أنه لا يجوز الاشتراك في العبادة ، فمتى فعله من أجل أخذ الأجرة خرج عن كونه عبادة فلم يصح ، واعتمد شيخنا على هذا في القراءة للميت بأجرة كما يأتي .

                                                                                                          وقاله الثوري [ ص: 497 ] والأوزاعي في إمام الصلاة : لا صلاة له ولا لهم .

                                                                                                          وقاله أحمد : ورواه هو وغيره عن الحسن من رواية تمام بن نجيح عنه ، وتمام ضعفوه إلا ابن معين ، وقاله ابن بطة ، ولا فرق عنده في إمامة الصلاة بين الرزق وغيره ، وهو غريب ضعيف ، وقال صاحب المحرر في المنتقى :

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          الخدمات العلمية