الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله : ( لا يؤمنون ) ففيه مسألتان :

                                                                                                                                                                                                                                            ( المسألة الأولى ) : قال صاحب الكشاف : هذه إما أن تكون جملة مؤكدة للجملة قبلها ، أو خبرا " لإن " ، والجملة قبلها اعتراض .

                                                                                                                                                                                                                                            ( المسألة الثانية ) : احتج أهل السنة بهذه الآية وكل ما أشبهها من قوله : ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ) [يس : 7] وقوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) إلى قوله : ( سأرهقه صعودا ) [المدثر : 11 ، 17] وقوله : ( تبت يدا أبي لهب ) [المسد : 1] على تكليف ما لا يطاق ، وتقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذبا ، والكذب عند الخصم قبيح ، وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة ، وهما محالان على الله ، والمفضي إلى المحال محال ، فصدور الإيمان منه محال ، فالتكليف به تكليف بالمحال ، وقد يذكر هذا في صورة العلم ، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله تعالى جهلا ، وذلك محال ومستلزم المحال محال . فالأمر واقع بالمحال . ونذكر هذا على وجه ثالث : وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان ؛ لأنه إنما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم ، والعلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقا لو حصل عدم الإيمان ، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معا ، وهو محال ، فالأمر بالإيمان مع وجود علم الله تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين ، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود ، وكل ذلك محال ، ونذكر هذا على وجه رابع : وهو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون بالإيمان ألبتة ، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط ، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط ، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات ، ونذكر هذا على وجه خامس : وهو أنه تعالى عاب الكفار على أنهم [ ص: 40 ] حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه في قوله : ( يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ) [الفتح : 15] فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله تعالى ، وذلك منهي عنه . ثم ههنا أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون ألبتة ، فمحاولة الإيمان منهم تكون قصدا إلى تبديل كلام الله ، وذلك منهي عنه ، وترك محاولة الإيمان يكون أيضا مخالفة لأمر الله تعالى ، فيكون الذم حاصلا على الترك والفعل ، فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع ، وهذا هو الكلام الهادم لأصول الاعتزال . ولقد كان السلف والخلف من المحققين معولين عليه في دفع أصول المعتزلة وهدم قواعدهم ، ولقد قاموا وقعدوا واحتالوا على دفعه ، فما أتوا بشيء مقنع ، وأنا أذكر أقصى ما ذكروه بعون الله تعالى وتوفيقه : قالت المعتزلة : لنا في هذه الآية مقامان :

                                                                                                                                                                                                                                            المقام الأول : بيان أنه لا يجوز أن يكون علم الله تعالى وخبر الله تعالى عن عدم الإيمان مانعا من الإيمان ، والمقام الثاني : بيان الجواب العقلي على سبيل التفصيل ، أما المقام الأول فقالوا : الذي يدل عليه وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أن القرآن مملوء من الآيات الدالة على أنه لا مانع لأحد من الإيمان ، قال : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ) [الإسراء : 94] وهو إنكار بلفظ الاستفهام ، ومعلوم أن رجلا لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج عنه ، ثم يقول : ما منعك من التصرف في حوائجي ؟ كان ذلك منه مستقبحا ، وكذا قوله : ( وماذا عليهم لو آمنوا ) [الأعراف : 12] وقوله لإبليس : ( ما منعك أن تسجد ) [النساء : 39] وقول موسى لأخيه : ( ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ) [طه : 92] وقوله : ( فما لهم لا يؤمنون ) [الانشقاق : 20] ( فما لهم عن التذكرة معرضين ) [المدثر : 49] ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) [التوبة : 43] ( لم تحرم ما أحل الله لك ) [التحريم : 1] قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب : كيف يأمره بالإيمان وقد منعه عنه ؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه ؟ وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول : أنى تصرفون ؟ ويخلق فيهم الإفك ثم يقول : أنى تؤفكون ؟ وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول : لم تكفرون ؟ وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول : ( لم تلبسون الحق بالباطل ) [آل عمران : 71] وصدهم عن السبيل ثم يقول : ( لم تصدون عن سبيل الله ) [آل عمران : 99] وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال : ( وماذا عليهم لو آمنوا ) وذهب بهم عن الرشد ثم قال : ( فأين تذهبون ) [التكوير : 26] وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال : ( فما لهم عن التذكرة معرضين ) . [المدثر : 49] .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أن الله تعالى قال : ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) [النساء : 165] وقال : ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) [طه : 134] فلما بين أنه ما أبقى لهم عذرا إلا وقد أزاله عنهم ، فلو كان علمه بكفرهم وخبره عن كفرهم مانعا لهم عن الإيمان لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة للعقاب عنهم ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه غير مانع .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أنه تعالى حكى عن الكفار في سورة " حم السجدة " أنهم قالوا : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك ذما لهم في هذا القول ، فلو كان العلم مانعا لكانوا صادقين في ذلك ، فلم ذمهم عليه ؟ .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : أنه تعالى أنزل قوله : ( إن الذين كفروا - إلى آخره ) ذما لهم وزجرا عن الكفر وتقبيحا لفعلهم ، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه لما استحقوا الذم البتة ، بل كانوا معذورين كما يكون الأعمى معذورا في أن لا يمشي .

                                                                                                                                                                                                                                            وخامسها : القرآن إنما أنزل ليكون حجة لله ولرسوله عليهم ، لا أن يكون لهم حجة على الله وعلى رسوله ، فلو [ ص: 41 ] كان العلم والخبر مانعا لكان لهم أن يقولوا : إذا علمت الكفر وأخبرت عنه كان ترك الكفر محالا منا ، فلم تطلب المحال منا ولم تأمرنا بالمحال ؟ ومعلوم أن هذا مما لا جواب لله ولا لرسوله عنه لو ثبت أن العلم والخبر يمنع .

                                                                                                                                                                                                                                            وسادسها : قوله تعالى : ( نعم المولى ونعم النصير ) [الأنفال : 40] ولو كان مع قيام المانع عن الإيمان كلف به لما كان نعم المولى ، بل كان بئس المولى ، ومعلوم أن ذلك كفر ، قالوا : فثبت بهذه الوجوه أنه ليس عن الإيمان والطاعة مانع ألبتة ، فوجب القطع بأن علم الله تعالى بعدم الإيمان ، وخبره عن عدمه ، لا يكون مانعا عن الإيمان .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية