الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
[ بيع المغيبات في الأرض ] المثال السابع والستون : اختلف الفقهاء في جواز بيع المغيبات في الأرض من البصل والثوم والجزر واللفت والفجل والقلقاس ، ونحوها على قولين : أحدهما : المنع من بيعه كذلك ; لأنه مجهول غير مشاهد ، والورق لا يدل على باطنه ، بخلاف ظاهر الصبرة .

وعند أصحاب هذا القول لا يباع حتى يقلع ، والقول الثاني : يجوز بيعه كذلك ما جرت به عادة أصحاب الحقول .

وهذا قول أهل المدينة ، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد ، اختاره شيخنا ، وهو الصواب المقطوع به فإن في المنع من بيع ذلك حتى يقلع أعظم الضرر والحرج والمشقة مع ما فيه من الفساد الذي لا تأتي به شريعة ; فإنه إن قلعه كله في وقت واحد تعرض للتلف والفساد .

وإن قيل : " كلما أردت بيع شيء منه فاقلعه " كان فيه من الحرج والعسر ما هو معلوم ، وإن قيل : " اتركه في الأرض حتى يفسد ، ولا تبعه فيها " فهذا لا تأتي به شريعة ، وبالجملة فالمفتون بهذا القول لو بلوا بذلك في حقولهم أو ما هو وقف عليهم ، ونحو ذلك لم يمكنهم إلا بيعه في الأرض ، ولا بد ، أو إتلافه وعدم الانتفاع به ، وقول القائل : " إن هذا غرر ومجهول " فهذا ليس حظ الفقيه ، ولا هو من شأنه ، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك .

فإن عدوه قمارا أو غررا فهم أعلم بذلك ، وإنما حظ الفقيه يحل كذا ; لأن الله أباحه ويحرم كذا ; لأن الله حرمه ، وقال الله وقال رسوله ، وقال الصحابة .

وأما أن يرى هذا خطرا وقمارا أو غررا فليس من شأنه بل أربابه أخبر بهذا منه ، والمرجع إليهم فيه ، كما يرجع [ ص: 5 ] إليهم في كون هذا الوصف عيبا أم لا ، وكون هذا البيع مربحا أم لا ، وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا ، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية ، والأمور العرفية ، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية .

فإن بليت بمن يقول : هكذا في الكتاب ، وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن تستأجر منه الأرض المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها ، ويقر له إقرارا مشهودا له به أن ما في باطن الأرض له لا حق للمؤجر فيه ، ولكن عكس هذه الحيلة لو أصابته آفة لم يتمكن من وضع الجائحة عنه ، بخلاف ما إذا اشتراه بعد بدو صلاحه ، فإنه كالثمرة على رءوس الشجر إن أصابته آفة ، وضعت عنه الجائحة ، وهذا هو الصواب في المسألتين : جواز بيعه ، ووضع الجوائح فيه ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية