الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فصل :

وأما قوله " ليس فيها ما يوجب اتباعهم " فنقول : الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان ، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام ; فلا يكون اتباعهم قولا بغير علم ، بل قولا بعلم ، وهذا هو المقصود ، وحينئذ فسواء يسمى تقليدا أو اجتهادا ، وأيضا فإن كان تقليد العالم للعالم حراما كما هو قول الشافعية والحنابلة فاتباعهم ليس بتقليد لأنه مرضي ، وإن كان تقليدهم جائزا أو كان تقليدهم مستثنى من التقليد المحرم فلم يقل أحد إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان ; فعلم أن تقليدهم خارج عن هذا ، لأن تقليد العالم ، وإن كان جائزا فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد جائز أيضا بالاتفاق ، والشيء المباح لا يستحق به الرضوان ، وأيضا فإن رضوان الله غاية المطالب التي لا تنال إلا بأفضل الأعمال ، ومعلوم أن التقليد الذي يجوز خلافه ليس بأفضل الأعمال ، بل الاجتهاد أفضل منه ، فعلم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم ، وأن اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان الله ; فلا ريب أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه .

[ وقولهم أرجح ] بلا شك ، ومسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين ، وأيضا فإن الله أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان ، والتقليد وظيفة العامة ، فأما العلماء فإما أن يكون مباحا لهم أو محرما ; إذ الاجتهاد أفضل منه لهم بغير خلاف ، وهو واجب عليهم ، فلو أريد باتباعهم التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة في ذلك النصيب الأوفى ، وكان حظ علماء الأمة من هذه الآية أبخس الحظوظ ، ومعلوم أن هذا فاسد ، وأيضا فالرضوان عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطإ ; فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يعفى له عنه ، فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يرضى عنه ، وإذا كان صوابا وجب اتباعه ; لأن خلاف الصواب خطأ ، والخطأ يحرم اتباعه إذا علم أنه خطأ ، وقد علم أنه خطأ يكون الصواب خلافه ، وأيضا فإذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجب الرضوان ; لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده وعدمه ; لأنه يبقى عديم الأثر في ذلك الجزاء ، وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق ما يوجبه ، وهذا هو المطلوب ، وأيضا فإن طلب رضوان الله واجب ; لأنه إذا لم [ ص: 99 ] يوجد رضوانه فإما سخطه أو عفوه ، والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة ، وذلك لا تباح مباشرته إلا بالنص ، وإذا كان رضوانه إنما هو في اتباعهم ، واتباع رضوانه واجب ، كان اتباعهم واجبا ، وأيضا فإنه إنما أثنى على المتبع بالرضوان ، ولم يصرح بالوجوب ; لأن إيجاب الاتباع يدخل في الاتباع في الأفعال ، ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقا ، فيقتضي ذم المخطئ ، وليس كذلك ، أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعدما ثبت أن فيها رضا الله تعالى وأيضا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا الله لم يكن رضا الله في ضده ، بخلاف الأفعال فقد يكون رضا الله في الأفعال المختلفة وفي الفعل والترك بحسب قصدين وحالين ، أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك ، فإذا ثبت أن في قولهم رضوان الله تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو ; فوجب اتباعه .

فإن قيل : السابقون هم الذين صلوا إلى القبلتين ، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم ، فما الدليل على اتباع من أسلم بعد ذلك ؟ قيل : إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود ، على أنه لا قائل بالفرق ، وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية