الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        قال : ( ومن غصب أرضا فغرس فيها أو بنى قيل له : اقلع البناء والغرس وردها ) لقوله عليه الصلاة والسلام { : ليس لعرق ظالم حق }; ولأن ملك صاحب الأرض باق ، فإن الأرض لم تصر مستهلكة والغصب لا يتحقق فيها ولا بد للملك من سبب فيؤمر الشاغل بتفريغها كما إذا شغل ظرف غيره بطعامه .

                                                                                                        قال : ( فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء وقيمة الغرس مقلوعا ويكونان له ) ; لأن فيه نظرا لهما ودفع الضرر [ ص: 408 ] عنهما ، وقوله قيمته مقلوعا ، معناه : قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه ; لأن حقه فيه إذ لا قرار له فيه ، فتقوم الأرض بدون الشجر والبناء وتقوم وبها شجر أو بناء ، لصاحب الأرض أن يأمره بقلعه فيضمن فضل ما بينهما . .

                                                                                                        [ ص: 407 ]

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        [ ص: 407 ] الحديث الرابع : { قال عليه السلام : ليس لعرق ظالم حق }; قلت : روي من حديث سعد بن زيد ; ومن حديث رجل ; ومن حديث عائشة ; ومن حديث عبادة بن الصامت ; ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ; ومن حديث عمرو بن عوف المزني .

                                                                                                        فحديث سعيد بن زيد :

                                                                                                        أخرجه أبو داود في " الخراج " ، والترمذي في " الأحكام " والنسائي في " إحياء الموات " عن عبد الوهاب الثقفي ثنا أيوب عن هشام بن عروة عن عروة عن سعيد بن زيد ، قال { : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحيا أرضا ميتة ، فهي له ، [ ص: 408 ] وليس لعرق ظالم حق }انتهى .

                                                                                                        قال الترمذي : حديث حسن غريب ; وقد رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا انتهى .

                                                                                                        قلت : منهم مالك في " الموطإ " قال ابن عبد البر في " التقصي " : أرسله جميع الرواة عن مالك لا يختلفون في ذلك انتهى وقال أبو داود : قال هشام : العرق الظالم أن يغرس الرجل في أرض غيره ، فيستحقها بذلك ، وقال مالك : العرق الظالم كل ما أخذ ، واحتفر ، وغرس بغير حق ، انتهى .

                                                                                                        وأخرجه النسائي عن يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة عن عروة مرسلا ، وقال الدارقطني في " كتاب العلل " : تفرد به عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد ، واختلف فيه على هشام ، فرواه الثوري عن هشام عن أبيه ، قال : حدثني من لا أتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه جرير بن عبد الحميد ، وقال : يحيى بن سعيد ، ومالك بن أنس ، وعبد الله بن إدريس ، ويحيى بن سعيد الأموي عن هشام عن أبيه مرسلا انتهى . [ ص: 409 ] وأما حديث الرجل :

                                                                                                        فأخرجه أبو داود عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه مرفوعا نحوه ، قال عروة : فلقد خبرني الذي حدثني بهذا الحديث ، وفي لفظ : فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر ظني أنه أبو سعيد : { أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض ، غرس أحدهما فيها نخلا ، والأرض للآخر ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض لصاحبها ، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله ، وقال : ليس لعرق ظالم حق ، قال : فلقد أخبرني الذي حدثني بهذا الحديث أنه رأى النخل تقلع أصولها بالفؤوس }انتهى .

                                                                                                        وأما حديث عائشة :

                                                                                                        فرواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " حدثنا زمعة عن الزهري عن عروة عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : البلاد بلاد الله ، والعباد عباد الله ، ومن أحيا من موات الأرض شيئا فهو له ، وليس لعرق ظالم حق }انتهى . [ ص: 410 ] ومن طريق الطيالسي والدارقطني في " سننه " ، والبزار في " مسنده " ، وأخرجه الطبراني في " معجمه الأوسط " عن رواد بن الجراح ثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن عروة بن الزبير عن عائشة نحوه . وأما حديث عبادة : فرواه الطبراني في " معجمه " حدثنا يوسف القاضي ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا الفضل بن سليمان عن موسى بن عقبة حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت ، قال : إنه { من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس لعرق ظالم حق }انتهى .

                                                                                                        وأما حديث عمرو بن عوف :

                                                                                                        فأخرجه إسحاق بن راهويه والبزار في " مسنديهما " . والطبراني في " معجمه " ، وابن عدي في " الكامل " عن كثير بن عبد الله بن عمرو [ ص: 411 ] بن عوف المزني حدثني أبي أن أباه أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول { : من أحيا أرضا مواتا من غير أن يكون فيها حق مسلم فهي له ، وليس لعرق ظالم حق }انتهى : وأعله ابن عدي بكثير بن عبد الله ، وضعفاه عن النسائي ، وأحمد ، وابن معين تضعيفا شديدا . وأما حديث عبد الله بن عمرو :

                                                                                                        فأخرجه الطبراني في " معجمه " عن مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا باللفظ الأول .

                                                                                                        قال أبو عبيد في " كتاب الأموال " : وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك ، ثم أخرج عن شريك عن أبي إسحاق عن عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال { : من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته ، وليس له من الزرع شيء } ، فقضى على رب الأرض بنفقة الزارع ، وجعل الزرع لرب الأرض ، قال : والفرق بين الزرع والنخل أن الزرع إنما يمكث في الأرض سنة ، فإذا انقضت السنة رجعت الأرض إلى ربها ، وصار [ ص: 412 ] للآخر نفقته ، فصار هذا أرشد من قلع الزرع بقلا ، وليس النخل كذلك ، فإنه مؤبد في الأرض ، ولا وقت ينتظر لقلعه ، فلم يكن لتأخير نزعها وجه ، انتهى كلامه .




                                                                                                        الخدمات العلمية