الركون إلى الدنيا

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أزواجه وصحبه، ومن اتبع سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) [النساء:1].

أما بعد:

إن الشهور والأعوام، والليالي والأيام كلها مواقيت الأعمال ومقادير الآجال، تمضي سريعا وتنقضي جميعا، والذي أوجدها أوجب في كل يوم من الأيام وظيفة من وظائف طاعاته، ولطيفة من لطائف رحمته ونفحاته، يوفق لاغتنامها كل كيس فطن، ويغفل عنها كل محروم شقي.

معاشر المسلمين: إن كل يوم يستهله الإنسان يدنيه من أجله، ويقربه إلى آخرته، وخيركم من طال عمره وحسن عمله، وشرار الناس من طال عمره وساء عمله، فما بين العبد والانتقال إلى دار المثوبة على الإحسان، أو العقوبة على العصيان إلا أن يقال فلان مات وانتقل، وولى ورحل، وهل هذه الدنيا إلا طريق للعبور بعد الابتلاء والامتحان إلى دار القرار بعد الممات: (‌يا قوم ‌إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) [غافر: 39-40].

وقد خلق الله سبحانه الموت والحياة للابتلاء؛ فمن يحسن العمل ومن يسيء؟، (‌الذي ‌خلق ‌الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور) [الملك: 2].

وجعل الدنيا بما عليها تحقيقا أيضا لهذا الابتلاء، (إنا ‌جعلنا ‌ما ‌على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا) [الكهف: 7-8].

فالابتلاء حاصل بهذه الدنيا وما عليها ومن فيها، وفي وقت وزمن الحياة والعمر؛ ثم يكون الحصاد في الآخرة فيما عملتم في هذه الدار، (يومئذ ‌يصدر ‌الناس ‌أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) [الزلزلة: 6-8].

والدنيا مزرعة الآخرة، وقد أمرنا الله ألا نركن إلى هذه الدار؛ لأنها دار ممر لا دار مقر، وهي زينة ولهو عما قليل ذاهبة ولا بقاء لها، (اعلموا أنما ‌الحياة ‌الدنيا ‌لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) [الحديد: 20-21] فهي إذن متاع، والآخرة هي دار البقاء والقرار.

وحثنا على المسارعة إلى مغفرة الله وجنة عرضها السموات والأرض وذلك بالتزود من الصالحات والاستكثار من الطاعات، وتحين أوقات مضاعفة الثواب والحسنات.

وتأملوا واعتبروا كيف سمى الله هذه الدنيا متاعا، وهو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع عنه، أو ما يتزود به المسافر حال ضعنه إلى أن يصل دار إقامته واستقراره، فهل ترضون يا عباد الله! بالقليل من الدنيا نصيبا لكم في الآخرة؟ (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ‌فما ‌متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) [التوبة: 38].

وما هو متاع الدنيا؟ إنه صفو بعده الكدر، واجتماع بعده الفراق، ولذة سرعان ما تزول، تقلب بين الفقر والغنى، بين العز والذل، بين الصحة والمرض، وختام ذلك كله دار الضيق التي لا أنيس فيها ولا صديق، (قل إن ‌الموت ‌الذي ‌تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) [الجمعة: 8]. أعاذنا الله وإياكم من وحشتها، وجعلها علينا وعليكم روضة من رياض الجنان، وبابا إلى رحمة الكريم المنان.

قال صلى الله عليه وسلم: (جاءني جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناسرواه الطبراني في الأوسط.

عباد الله: انظروا إلى حال من جمعوا في هذه الدنيا بين لذيذ المآكل والمشارب، وأرقى المساكن والمراكب، وغفلوا عن حظهم في الآخرة، أترون ما هم فيه يعدل ذرة من نعيم الآخرة، إن أردتم حقيقة ذلك، وحقيقة ما هم فيه، فاسمعوا وأنصتوا إلى حالهم ومآلهم: عن ‌أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، ‌فيصبغ ‌في ‌النار ‌صبغة ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط) رواه مسلم.

هؤلاء الذين صرفوا عقولهم وأعمالهم للعمل لدنياهم، واتباع شهواتهم، وتركوا فرائض ربهم، ونسوا أمر الآخرة، ولم يزل ذلك دأبهم حتى خرجوا من الدنيا مذمومين مدحورين، مفلسين من الحسنات والأعمال الصالحات، قد تكالبت عليهم سكرات الموت وحسرات الفوت، وهول المطلع، وملائكة العذاب، فيندم أحدهم على تفريطه حين لا ينفع الندم.

معاشر المؤمنين: ما قيمة العمر، وما لذة الحياة إن لم تنل النفوس نصيبها وافرا من طاعة الله، والصلة به، والانكسار بين يديه، والبكاء من خشيته، واللجوء إلى جنابه، ومجالسة أوليائه وأحبابه، فإن خلت الحياة من ذلك فلا قيمة لطول العمر، روي عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، أنه قال: "لولا ثلاث ما أحببت البقاء ساعة: ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر".

ولما حضرت معاذ بن جبل الوفاة وكان صائما قال لجاريته: انظري هل غربت الشمس؟ فلما أخبرته أنها قد غربت تناول شيئا يسيرا أفطر عليه، ثم قال: "مرحبا بالموت، مرحبا بحبيب جاء على فاقة".

وكان يقول رضي الله عنه: "اللهم إنك تعلم أني لم أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، وإنما أحببت البقاء فيها لقيام الليل وصيام النهار، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر".

عباد الله: إن هذا الموت الذي نخافه، ونفزع منه، ليس هو الفناء الأبدي، ولكنه الانتقال من النعيم أو الشقاء العاجل الزائل إلى دار الخلود في النعيم أو العذاب المقيم، فما خلقت يا عبد الله! إلا لعبادة ربك، (وما خلقت الجن والإنس ‌إلا ‌ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) [الذاريات: 56-58].

وما سخر لك ما فيها إلا لنفس الغاية التي من أجلها وجدت: (فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) [قريش: 3-4]، (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [الحجر:99].

فالدنيا دار الابتلاء والامتحان، دار الزراعة والبذر، حفت بالنكد والأكدار، والشرور والأوضار، حلالها حساب، وحرامها عقاب، فلا عيش والله إلا عيش الآخرة، يوم يقول المؤمنون في جنة ربهم: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور * الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) [فاطر:34-35]. .

فما داركم هذي بدار إقامة     ***   ولكنها دار ابتلاء وتزود

أما جاءكم عن ربكم وتزودوا ***    فما عذر من وافاه غير مزود.

فما هذه الأيام إلا مراحل    ***   تقرب من دار اللقا كل مبعد

فما الناس إلا مثل سفر تتابعوا ***   مقيم لتهويم على إثر مقتدي

وفي السقم والآفات أعظم حكمة  ***   ميقظة ذا اللب عند التفقد

ينادي لسان الحال جدوا لترحلوا  ***  عن المنزل الغث الكثير التنكد

أتاك نذير الشيب والسقم مخبرا  ***   بأنك تتلو القوم في اليوم أو غد

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم. 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه وصلاة والسلام على محمد حبيبه وصفيه وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله عليكم بتقوى الله فإنها نجاة المؤمنين في الدنيا والآخرة.

عباد الله تذكروا سرعة زوال الدنيا كلها، فما بالكم بآحاد أعمار الأفراد، وانظروا إلى تعبير القرآن كيف يختصر مسألة الزمان في ابتداء الدنيا وانتهائها بأمر مشاهد للعيان، حتى يكون المسلم في حذر من تضييع الآخرة الدائمة بهذه الدنيا سريعة الزوال، (واضرب لهم ‌مثل ‌الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا) [الكهف: 45].

وجاء في السنة بيان واضح لحقيقة الدنيا ومقدارها عند من يملكها وهو الله سبحانه وتعالى فكيف سيكون حالها عند من لا يملكها؟! عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) رواه الترمذي .

فاغتنموا ما تقدرون عليه مما هو في إمكانكم اليوم اغتنامه، عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعظ رجلا ويقول: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبلك هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، فما بعد الدنيا من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار) رواه الحاكم .

وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ‌صلوا ‌عليه ‌وسلموا تسليما) [الأحزاب: 56].

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة