يوم عرفة

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل مواسم الطاعات ميادين للمتنافسين، ومواسم للمتقربين، ومغاسل للمقصرين والمذنبين، نحمده سبحانه على آلائه، ونشكره على نعمه التي لا تحصى، ونستعينه ونستهديه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: إننا في أيام من أعظم أيام الله، ومن أكرمها على عباده، ومن أوسعها في الرحمة والمغفرة. إنها أيام عشر ذي الحجة المباركة، التي تشرق فيها شمس يوم هو من خير أيام الدنيا، بل هو خير يوم طلعت عليه الشمس كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك هو يوم عرفة.

يوم عرفة، يوم الموقف الأعظم، يوم تتنزل فيه الرحمات، وتفيض فيه المغفرة، ويعتق الله فيه الرقاب من النار، ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، كما جاء في الحديث الصحيح.

عباد الله: يوم عرفة ليس يوما عاديا في ميزان الشرع، بل هو يوم تتنزل فيه السكينة على قلوب الذاكرين والداعين، ويشمل فيه العفو أهل الموقف ومن شاركهم في العمل الصالح ممن في سائر الأقطار.

إنه يوم اجتماع المسلمين على صعيد واحد في عرفات متضرعين إلى ربهم، رافعين أكفهم، مستشعرين مشهد الوقوف الأكبر يوم القيامة. لا فرق بين عربي ولا أعجمي، ولا أبيض ولا أسود، إلا بالتقوى، ينادون ربهم بقلوب خاشعة، وعيون دامعة، وألسنة ذاكرة.

 أقسم الله تعالى بهذا اليوم في قوله سبحانه: {والشفع والوتر} (الفجر:3)، قال أكثر المفسرين: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.

وهو اليوم الذي أتم الله فيه نعمته على عباده، وأكمل لهم دينهم، كما قال سبحانه في محكم تنزيله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة:3)، نزلت هذه الآية العظيمة في يوم عرفة، في حجة الوداع، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة، فكانت بشارة خالدة بإتمام الدين وتمام النعمة.

أيها المؤمنون: يوم عرفة يوم تتجلى فيه أعظم مظاهر التوحيد، حين يرفع الناس أكفهم نحو السماء، يلهجون بنداء واحد: "لبيك اللهم لبيك"، فلا تسمع إلا توحيدا، ولا ترى إلا خضوعا، ولا تشهد إلا دموعا من خشية الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) رواه الترمذي

فهذا يوم الإخلاص والتوحيد، ويوم التوبة والتجديد، ويوم المغفرة والعتق من النار .

معاشر المسلمين: من فضائل هذا اليوم العظيم أن صيامه يكفر ذنوب سنتين، كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صيام يوم عرفة: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده).

فما أعظم هذا الفضل! ذنب عام ماض، وذنب عام آت، يغفره الله لمن صام هذا اليوم إيمانا واحتسابا.

وقد اتفق العلماء على أن هذا الفضل خاص بغير الحاج؛ لأن الحاج مشغول في هذا اليوم بأداء المناسك والوقوف بعرفة، أما غير الحاج فهو مدعو إلى الصيام والذكر والابتهال.

عباد الله: يوم عرفة يوم تجديد العهد مع الله، ويوم التوبة الصادقة، فطوبى لمن أقبل على ربه في هذا اليوم بقلب منكسر، ولسان ذاكر، وجوارح مخبتة .

إنه يوم يرفع فيه المؤمن أكفه إلى السماء، وهو يعلم أن الله أقرب إليه من حبل الوريد، فيدعوه بإخلاص، ويستغفره بتضرع، ويطلب منه حاجاته كلها، صغيرها وكبيرها، فهو القائل سبحانه: {ادعوني أستجب لكم} (غافر:60).

فاجعلوا هذا اليوم موطنا للدعاء الصادق، وأكثروا فيه من سؤال الله الجنة، والاستعاذة من النار، والتضرع بأن يغفر الله ذنوبكم، ويصلح أحوالكم.

ومن أعظم ما يستحب في هذا اليوم المبارك: كثرة التهليل والتكبير والتحميد، والذكر المتواصل، وإظهار الشعائر، والإكثار من قول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" فهذا اليوم يوم ذكر وشكر، يوم توحيد وإخلاص، يوم تذكير بقدرة الله ورحمته الواسعة.

أيها المسلمون: ومن سنن هذا اليوم العظيم أن يكثر المسلم من الأعمال الصالحة، كالصدقة، وقراءة القرآن، وصلة الرحم، وإصلاح ذات البين، والدعاء للمسلمين، فإن الأعمال الصالحة تضاعف فيه أضعافا كثيرة.

فإن لم تكن من الواقفين بعرفة، فكن من الذاكرين، وإن لم تكن من الحجاج، فكن من الداعين، وإن لم تكن من الملبين، فكن من المستغفرين.

ولقد كان السلف الصالح يعظمون هذا اليوم غاية التعظيم، فكانوا يتهيؤون له بالذكر والدعاء والطهارة، ويرون أنه يوم لا ينبغي أن يغفل فيه عن الطاعة طرفة عين.

كان عبد الله بن المبارك إذا حضر يوم عرفة في غير الحج يقف في مصلاه، ويمسك لسانه عن اللغو، ويقول: "اللهم إن كنت لم تكتبني في أهل عرفة، فاكتبني في من غفرت له في هذا اليوم".

أيها الكرام: اعلموا أن يوم عرفة يذكرنا بيوم أعظم منه، ألا وهو يوم العرض الأكبر بين يدي الله، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

فمن استشعر وقوفه بعرفة، وذكر نفسه بوقوفه بين يدي ربه يوم القيامة، رق قلبه، وخشع فؤاده، وسالت دموعه، وسارع في إصلاح شأنه مع الله ومع الناس.

فلنغتنم هذا اليوم العظيم بالتوبة النصوح، والعزم على ترك المعاصي، والإقبال على الطاعات.

ولنفتح صفحة جديدة مع الله، نغسل فيها قلوبنا من الغفلة، ونجدد فيها حبنا لله وطاعتنا له.

 أقول ما سمعتم...وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم.

الخطبة الثانية

عباد الله: عليكم بتقوى الله في السر والعلن {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (آل عمران:102). 

أيها المؤمنون: إن من فضل الله علينا أن شرف هذه الأمة بيوم عرفة، فجعل العمل فيه مضاعفا، والدعاء فيه مستجابا، والقلوب فيه قريبة من ربها.

وفي هذا اليوم العظيم يجتمع الناس في صعيد واحد، لا يفرقهم نسب ولا مال ولا جاه، وإنما يجمعهم الإيمان بالله وحده، فيتجلى مشهد الأخوة الإسلامية بأبهى صورها، فيتذكر الناس أن هذه الأمة جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

فيا من لم يكتب له الحج هذا العام، لا تحرم نفسك من خير هذا اليوم، أكثر من الصيام والذكر، وأكثر من الدعاء لنفسك ولأهلك ولإخوانك المسلمين، فإن الله قريب مجيب.

عباد الله: احرصوا على أن تختم أعمالكم في هذه العشر بخير، فالعبرة بكمال النهايات لا بكثرة البدايات، وادعوا الله أن يتقبل منكم أعمالكم، وأن يغفر لكم تقصيركم، فإن الله كريم جواد، لا يرد من قصده صادقا.

واعلموا أن من علامات القبول أن يوفقك الله للطاعة بعد الطاعة، وأن يعينك على الثبات على الخير بعد انتهاء الموسم.

ألا وصلوا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة