- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العبادات الموسمية
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله سبحانه، فإن العاقبة للمتقين: {فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} (المائدة:100).
معاشر المسلمين: المتطلع في واقع الكثير، وسط أجواء المتغيرات المتكاثرات، والركام الهائل من المصائب والبلايا، يلحظ بوضوح أن كثيرا من النفوس المسلمة تواقة إلى تحصيل ما يثبت قلوبها، وإلى النهل مما تطفئ به ظمأها، فهي أحوج ما تكون إلى احتضان ضيف كريم، يحمل في جنباته مادة النماء، مشرئبة لحلوله، يقطعها التلهف إلى أن تطرح همومها وكدها وكدحها عند أول عتبة من أعتابه، بعد أن أنهكت قواها حلقات أحداث مترادفة بعضها يموج في بعض، فما برحت تأكل الأخضر واليابس، تفجع القلوب، وتعكر الصفو، وتصطفق وسط زوابعها العقول والأفهام، فلأجل هذا كله كان الناس بعامة أحوج ما يكونون إلى حلول شهر الصيام، شهر الراحة النفسية، شهر الركوع والسجود، شهر ضياء المساجد، شهر الذكر والمحامد، شهر الطمأنينة ومحاسبة النفس، والتخلص من النزعات الذاتية والملذات الآنية، والتي شرع الصيام؛ لأجل تضييق مجاريها في النفوس {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183).
أيها المسلمون: شهر رمضان هو شهر القرآن؛ القرآن الذي لا تنطفئ مصابيحه، والسراج الذي لا يخبو توقده، والسبيل الذي لا يضل سالكه، والرفيق الذي لا يخذل صاحبه.
معاشر المؤمنين: القرآن هو بمثابة الروح للجسد، والنور للهداية، فمن لم يقرأ القرآن ولم يعمل به فما هو بحي، وإن تكلم، أو عمل، أو غدا أو راح، بل هو ميت الأحياء، ومن لم يعمل به ضل وما اهتدى، وإن طار في السماء، أو غاص في الماء: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} (الأنعام:122)، إن الإنسان بلا قرآن كالحياة بلا ماء ولا هواء، بل إن الإفلاس متحقق في حسه ونفسه؛ ذلك أن القرآن هو الدواء والشفاء: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} (فصلت:44).
أيها المؤمنون: ربما تكون صلة كثيرمنا بكتاب ربهم قد اكتنفها شيء من البعد والهجران، سواء في تلاوته، أو في العمل به، بل قد لا نبعد النجعة لو قلنا: إن علل الأمم السابقة قد تسللت إلى أمة الإسلام لواذا وهي لا تشعرقال تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} (البقرة:78)، أي: لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة وترتيلا، بحيث لا يجاوز حناجرهم وتراقيهم، كل ذلك بسبب الغياب القلبي، والعجز الروحي عن تدبر القرآن، بل إن البعض على قلوب أقفالها.
عن زياد بن لبيد الأنصاري رضي الله عنه قال: (ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال: وذلك عند ذهاب العلم، قلنا يا رسول الله: كيف يذهب العلم، ونحن قرأنا القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم؟ فقال: ثكلتك أمك يـا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه الرجال في المدينة، أوليس اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء؟) رواه الترمذي.
إن المرء المسلم لتأخذ الدهشة بلبه، حين يرى مواقف الكثير من المسلمين مع كتاب ربهم، وقد أحاط بهم الظلام، وادلهمت عليهم الخطوب من كل حدب وصوب، ثم هم يتخبطون خبط عشواء، أفلست النظم، وتدهورت القوميات، وهشت العولميات، فيالله العجب! كيف يكون النور بين أيدينا، ثم نحن نلحق بركاب غيرنا من الأمم ؟! تتهاوى بنا الريح في كل اتجاه لا نلوي على شيء.
ورمضان -عباد الله- فرصة كبرى، ومنحة عظمى للمرء المسلم، في أن يطهر نفسه بالنهار لكي يعدها لتلقي هدايات القرآن في قيام الليل قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} (المزمل:6) و{ناشئة الليل} هي ساعاته وأوقاته، فهي أجمع على التلاوة من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات.
عباد الله! شهر رمضان ميدان فسيح، يوطد المرء نفسه من خلاله على أن يحيي ليله، وعلى ألا يلجأ في حوائجه إلا إلى قاضيها سبحانه، إذ لا ملجأ من الله إلا إليه، وهو يقضي ولا يقضى عليه، فثلث الليل الآخر هو وقت التنزل الإلهي على ما يليق بجلاله وعظمته إلى سماء الدنيا إذ يقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) هل فكر كل واحد منا في استثمار هذا الوقت العظيم الذي هو من آكد مظان إجابة الدعاء؟!
ألا إن كثيرا من النفوس في سبات عميق، إنها لا تكسل في أن تجوب الأرض شمالها وجنوبها، وشرقها وغربها، باحثة عن ملجأ للشكوى، أو فرصة سانحة لعرض الهموم والغموم على من تقصده من بني البشر، غافلة غير آبهة عن الاتجاه إلى كاشف الغم، وفارج الهم، ومنفس الكرب قال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} (النمل:62).
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام يوم القيامة ويفتح لها أبواب السماء، ويقول: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) رواه الترمذي وحسنه.
غير أن ثمة أمرا مهما عباد الله، وهو أن كثيرا ممن يرفعون أكف الضراعة بالدعاء إلى الباري جل شأنه، قد يستبطئون الإجابة، ولربما أصابهم شيء من اليأس والقنوط، قال تعالى: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} (الحجر:56)، بيد أن هناك خللا منع هذه الإجابة كأن يكون المرء ممن يستعجلون ويستحسرون الإجابة على تململ ومضض وفي الحديث: (إن الله يستجيب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي) متفق عليه.
ولربما لم يستجب الدعاء لما فيه من الإثم، أو قطيعة للرحم، أو أن يكون الدعاء المنبثق من شفاه الداعين غير مقترن بالقلب اقتران الماء والهواء للروح؛ لأن اللسان ترجمان القلب وبريده، والقلب خزانة مستحفظة للخواطر والأسرار، فالدعاء باللسان والقلب غافل لاه قليل الجدوى أو عديمها، ففي الحديث: (إن الله لا يقبل الدعاء من قلب لاه) رواه الترمذي وحسنه، فالقلب إذن لا يخلو من الالتفات إلى شهوات الدنيا الصارفة، ومن المعلوم بداهة أن المتلفت لا يصل سريعا.
أيها المسلمون: الدعاء هو العبادة ولبها، وهو السهام النافذة لذوي العجز وقلة الحيلة، ولا يحقرن أحدكم الحوائج مهما قلت أو كثرت فإن الله أكثر، وقد قال سبحانه: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (غافر:60).
ولنأخذ هذا الحديث عبرة وسلوانا، يتجلى من خلاله أثر الدعاء في حياة المرء، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: (يا أبا أمامة! ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني، وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قال: بلى، يا رسول الله! قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبت الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني) رواه أبو داود.
وجاء مكاتب إلى علي رضي الله عنه يشكو إليه دينا عليه، فقال له علي: "ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كان عليك مثل جبل دينا، أداه الله عنك، قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك" رواه الترمذي وحسنه.
أقول ما سمعتم...وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ولي الصالحين، والعاقبة للمتقين، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (آل عمران:102).
معاشر المسلمين: شهر رمضان يحمل في طياته تهيئة النفس على تحمل الجوع والعطش، ترى الطعام بين ناظريك تشتهيه نفسك وتصل إليه يدك، ولكنك لا تستطيع أن تأكله، ويشعل الظمأ جوفك والماء من حولك، فلا تقدر على أن تنهل منه، ويأخذ النعاس بلبك، ويداعب النوم جفنيك، ويأتي رمضان ليوقظك لصلاتك وسحورك، إنها ولا شك حلقات الصبر والمصابرة التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: (الصوم نصف الصبر) رواه الترمذي وحسنه.
عباد الله: شهر رمضان شهر الجود والإنفاق، شهر يسعد فيه المنكوبون، ويرتاح فيه المتعبون، فليكن للمسلم فيه السهم الراجح، فلا يترددن في كفكفة دموع المعوزين واليتامى والأرامل والمحتاجين، وحذار من الشح والبخل، فإنهما معرة مكشوفة السوءة! لا تخفى على الناس فتوقها، ناهيكم عن كون النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ ربه منهما، وفي "الصحيحين": (أنه صلى الله عليه وسلم ما سئل شيئا فقال: لا).
معاشر المؤمنين: أثر الصدقة غير قاصر على سعادة المحتاجين فحسب، بل يرتد حتى إلى الباذلين أنفسهم، ففي "الصحيحين": (مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثدييهما إلى تراقيهما؛ فأما المنفق فلا ينفق إلا صبغت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع) فالجواد السخي إذا هم بالصدقة، انشرح لها صدره، وطابت بها نفسه، وتاقت إلى المثوبة فتوسعت في الإنفاق، بيد أن البخيل إذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه، وأحس كأنما يعطي من عمره وفؤاده، حتى يعيش في نطاق ضيق، لا يرى فيه إلا نفسه، وليس شيء أشد على الشيطان وأبطل لكيده وأدحر لوسواسه من الصدقة الطيبة، قال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم} (البقرة:268).
ألا وصلوا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

المقالات

