- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العبادات الموسمية
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، المحمود في كل وقت وحين.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأد الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، فهي العاصمة من المهالك والسبيل إلى أعلى الدرجات: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (٧٠) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
أيها المسلمون: لقد أقبلت علينا مواسم الخير تترا، فودعنا شهرا، واستقبلنا شهرا؛ وها نحن في ظلال شهر كريم، شهر هو محطة إيمانية، وهو شهر شعبان، الشهر الذي يقع بين شهرين عظيمين: شهر رجب الحرام، وشهر رمضان المبارك. وكثير من الناس يغفلون عن فضل هذا الشهر وعن أحكامه، مع أنه مقدمة وخير زاد للاستعداد لاستقبال خير الشهور.
إن الغفلة عن مواسم الطاعة خسارة كبرى، وشهر شعبان هو محطة للتزود الروحي والعمل الصالح قبل دخول شهر الصيام والقيام.
عباد الله: لقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عناية خاصة بهذا الشهر، وهذا يرفع من قدره ويؤكد منزلته، ويبين فضيلته، فهو شهر يغفل عنه كثير من الناس؛ يقع بين شهرين عظيمين هما رجب الحرام ورمضان الصيام، كما أنه شهر ترفع فيه الأعمال.
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) رواه النسائي.
يا له من توجيه نبوي عميق! إنها دعوة للتشمير عن ساعد الجد في مواطن غفلة الناس، واغتنام الفرص قبل فواتها. فالعمل الصالح في زمن الغفلة له فضل عظيم.
والحديث يؤكد على أن هذا الشهر هو وقت عرض الأعمال السنوية على الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من العبادة في هذا الشهر فدل على فضله العظيم، وأنه موسم لرفع الأعمال إلى الله تعالى فلنجتهد في أن نرفع أعمالنا الصالحة، بعيدا عن الغفلة.
وهو شهر الإكثار من الصيام، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من صيام النافلة في شهر شعبان أكثر من أي شهر آخر، باستثناء رمضان. قالت عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان" متفق عليه.
والحكمة من الإكثار كما قال بعض العلماء: إن الإكثار من صيام شعبان مثل "السنة القبلية" لرمضان؛ أي تمرين وتهيئة للنفس لثقل الصيام في رمضان، حتى يدخل المسلم شهر الفرض وهو في قمة استعداده الروحي والجسدي.
فلنقتد أيها الكرام بنبينا صلى الله عليه وسلم، ولنكثر من الصيام ما استطعنا، ومن قيام الليل والذكر وقراءة القرآن، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
معاشر المؤمنين: هذا الشهر هو الشهر الذي أنزل الله فيه أمره بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة بمكة المكرمة. {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} [البقرة: 144].
كان هذا التحول أمرا عظيما ومحكا للإيمان؛ إنه تذكير بأن الإيمان طاعة لأمر الله وإن لم ندرك الحكمة كاملة. وإنه دليل على عظمة هذا الشهر الذي شرف بوقوع هذا الحدث الجلل فيه. فلتكن تحول القبلة تذكرة لنا بضرورة تحويل وجه قلوبنا نحو خالقها والامتثال لأمره.
عباد الله: إن شعبان هو البوابة العظمى التي ندخل منها إلى رياض رمضان. فالعاقل من استغل هذا الشهر لتصفية أعماله، وإعداد عدته لكي يدخل رمضان بقلب سليم ونفس مطمئنة.
وإذا تسائلنا: كيف نستعد لرمضان في شعبان؟
والجواب أن الاستعداد يكون بـ:
الصيام والقيام "تدريب البدن والروح": وهو أفضل تهيئة.
قراءة القرآن: ليكثر المؤمن من تلاوة القرآن حتى لا يدخل رمضان وهو مهجور له.
التوبة الصادقة "تنقية القلب": لنراجع حساباتنا مع الله، ولنتب توبة نصوحا من الذنوب والمعاصي، حتى نستقبل رمضان وقد غسلت صحائفنا.
تصفية القلوب "إزالة الشحناء": لنطلب العفو والصفح ممن أسأنا إليهم، ولنسامح من أساء إلينا؛ استعدادا لليلة النصف المباركة التي يغفر الله فيها للجميع إلا لمشرك أو مشاحن.
معاشر المؤمنين: كما أننا نحث على اغتنام هذا الشهر بالصالحات، فإننا نحذر من الإحداث في الدين والوقوع في البدع المحدثة.
لقد ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث صححها بعض العلماء لطرقها وشواهدها، وهي تدور حول عموم مغفرة الله للعباد إلا للمشرك والمشاحن. لكن لم يثبت في السنة الصحيحة تخصيص عبادة أو صلاة معينة أو دعاء محدد فكل ذلك لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.
فلنكن على بصيرة، ولنحرص على أن تكون عباداتنا خالصة لله وموافقة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنتجنب كل ما لم يثبت به الدليل؛ فـ (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد:
هناك أحكام شرعية تتعلق بالصيام في هذا الشهر المبارك، يجب على المسلم أن يكون على دراية بها.
فيستحب الإكثار من صيام التطوع في النصف الأول من شعبان، اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل وفي كل الشهر، وورد النهي عن صيام التطوع بعد انتصاف شعبان، لمن لم يكن قد صام من قبل النصف؛ إلا لمن كانت له عادة بالصيام، كأن يصوم يومي الاثنين والخميس، أو يصوم يوما ويفطر يوما.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) رواه أبو داود.
قال العلماء: إن الحكمة هي الفصل بين صيام النافلة وصيام الفرض (رمضان)، ولئلا يضعف المسلم عن صيام رمضان.
3. ومنها أنه لا يجوز تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين لمن لم يكن له عادة مسبقة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه) رواه مسلم.
ومنها حرمة صيام يوم الشك، وهو اليوم الذي يلي ليلة التاسع والعشرين من شعبان، إذا لم ير الهلال، ولم يقم دليل شرعي على دخوله، فيشك هل هو من شعبان أو من رمضان؟ فيحرم صيام يوم الشك لمن اعتقد أنه من رمضان؛ إلا لمن وافق صوما كان يعتاده، كمن اعتاد صوم الإثنين أو الخميس.
عن عمار رضى الله عنه قال: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" رواه البخاري.
أيها المسلمون: إن شهر شعبان هو شهر الاستعداد والتأهب لاستقبال شهر رمضان. إن من وفقه الله للاجتهاد في شعبان، وفقه للاجتهاد في رمضان. فاجعلوا هذا الشهر محطة لتنظيف القلوب وتزكية النفوس.
وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

المقالات

